أضواء المقاطع - الجزء 4 - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

أضواء المقاطع - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

الجزء الرابع

الحمد لله والصلاة والسلام وعلى رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فهذا هو المجلس الرابع من برنامجكم أضواء المقاطع أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا به وأن يجعلنا من المنتفعين بكلامه إنه ولي ذلك والقادر عليه.

مقطعنا اليوم من سورة آل عمران من الجزء الرابع آية 102 من قول الله عز وجل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)) في هذه الآيات يأمرنا الله سبحانه وتعالى أن نتقيه حق التقوى وتقوى الله حق التقوى أن نطيعه فلا نعصيه وأن نذكره فلا ننساه وأن نشكره على نعمه وأن نكون له كما يحب سبحانه وتعالى فلا نعصيه ولا نعصي رسوله صلى الله عليه وسلم في السراء والضراء والمنشر والمكره وفي كل الأحوال. يقول الله عز وجل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) تقوى الله حق تقاته هي أن يأتي الإنسان بالأوامر ويجتنب النواهي على مراد الله وعلى مراد رسوله صلى الله عليه وسلم في كل الأحوال بقدر ما يستطيع. وقد ظن بعض الناس أن هذا الذي طُلب منا بهذه الآية شيء شاق لا يطاق ولا يستطاع وظنوا أنها منسوخة بقول الله عز وجل (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا (286) البقرة) وقوله (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا (7) الطلاق) فنقول لا، إتقوا الله حق تقاته أي اتقوا أيها الناس ربكم حق التقوى فيما تطيقون وتستطيعون فمن جاء بما يطيق وما يستطيع فإنه قد اتقى الله حق التقوى. فمثلاً المؤمن المنفرد الذي ليست له دولة وليس معه أعوان يعينونه لا نقول في حقه أنه يجب الجهاد كما يجب على المؤمنين الذين يجدون أعواناً ولهم دولة وعندهم راية قائمة فتقوى الله حق التقوى بالنسبة لذلك الشخص الوحيد ليست كحالها بالنسبة لذلك الشخص الذي يجد أحداً يعينه وعنده دولة ولديه راية. وهكذا فيمن وجب عليه الحج وهو غير قادر بماله أو غير قادر في بدنه فإن تقوى الله في حقه لا تقتضي أن يحج على كل حال لأنه غير قادر فتقوى الله حق التقوى أن تقوم بما أمرت به من غير أن يكون في ذلك خروج عن الطوق والاستطاعة وبهذا تجتمع الآيات في هذا الباب. قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) هذا الأمر قد يقول الواحد منا أنه أمر بشيء مستحيل لأن تقدير أن أموت وأنا مسلم أو كافر هذا ليس بيدي وإنما بيد الله فنقول اطمئن ما أمرك الله بهذا إلا وهو مقدور عليه ومطاق كثله، كيف ذلك؟ إذا عشت كما يحب الله وقمت بطاعة الله في حياتك فإن الله سيجعل مماتك ويختم حياتك بما يحب سبحانه وتعالى منك. فلن تموت بإذن الله إلا وأنت مسلم. وهكذا في القرآن إذا أُمر الإنسان بما ظاهره أنه لا يقدر عليه فالمقصود من ذلك أن يقوم بما يلزمه من أجل الوصول إلى هذه النتيجة فمن عاش مؤدياً للصلاة قائماً بالزكاة صائماً لرمضان قد حج بيت الله الحرام قام بأوامر الله كما أمر الله  فإن الله سبحانه وتعالى يختم له حياته أن يموت على هذا الدين وهذه من عادة الرب الكريم سبحانه وتعالى أن لا يخذل عبده عند الممات ما دام صادقاً في ديانته مؤدياً لحقوق الله عز وجل على الوجه اللائق. ولذلك (وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) إذا قمتم بالواجبات وأديتم ما أمر الله سبحانه وتعالى به واستمسكتم بحبل الله فإن الله سبحانه وتعالى يختم لكم حياتكم بما يسركم وأنتم مسلمون.

 

قال الله عز وجل (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا) لما أمرنا أن نتقي الله حق التقوى أمرنا بشيء فيه سلامة للمجتمع وأمن له ورقي له وفوز في الدار الأولى ثم الدار الأخرى وهي أن نعتصم جميعاً وهو أن نلتف جميعاً على حبل الله. نعتصم بحبل الله ونستمسك به ونرجع إليه ونلوذ به ولا نعدل به شيئاً آخر (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) المائدة) فنعتصم بحبل الله أي نستمسك به استمساكاً شديداً والاستعصام فيه مزيد من القوة بالأخذ والقيام بذلك الحبل وشدة الاعتصام به (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ) أي عهد الله ودينه وأمانته التي كلفكم بها. ثم قال مؤكداً (جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ) فإذا أردتم السعادة وأردتم النصر وأردتم العلو في الأرض فاجتمعوا على ذلك. لا يكن هم أحدنا أن يقوم هو بالصلاة دون أن يأمر إخوانه وأن يذكر المسلمين وأن يأخذ بهم جميعاً إلى جادة الحق والصواب. (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ) لا يصبكم شيء من التفرق وهنا نبين أن راية الإسلام لا تتم إلا بهذين الركنين أن نعتصم جميعاً بحبل الله وأن لا نتفرق ولذلك نقول لا يمكن لنا الرقي إلا بالطاعة والاتباع وأيضاً بالاجتماع. بعض الناس لا يهمه إلا الاتباع وينسى ضرورة الاجتماع، لا، لا يمكن أن يقوم الدين إلا باتباع واجتماع ولذلك حرص النبي صلى الله عليه وسلم على دعوة الناس وحرص على إقامة الدولة وبنائها وعلى غزو المشركين وتثبيت دعائم الإسلام وبذلك قامت دولة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقويت وانتشرت وسرت في الأرض بفضل الله سبحانه وتعالى. وقال الله جل وعلا (وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ) إذا اتقينا الله حق تقاته واعتصمنا بحبل الله جميعاً ولم نتفرق فإن ذلك هو الذي يقينا بإذن الله شر التشرذم وبه ندرك نعمة الله علينا في الإسلام عندما تتألف قلبونا وعندما نتراحم ونتواد وعندما لا يستطيع أحد من أعدائنا أن يدخل إلينا فيشق ألفتنا ويؤثر علينا وينال منا ما يريد أن يناله. قال الله عز وجل (وَاذْكُرُواْ) تذكروا أنتم أيها المسلمون يا من نزل فيكم القرآن كيف كنتم قبل أن يأتيكم محمد؟ كنتم على حال من الشدة ومن التفرق ومن الحروب الطاحنة التي قتلت وأبادت وفعلت بكم الأفاعيل وأكبر مثال على ذلك ما كان يقع من الأنصار أوسهم وخزرجهم من إحن واقتتال على أمور تافهة جداً وما اجتمعوا إلا عندما جائهم رسول الله فاعتصموا بحبل الله جميعاً ولم يتفرقوا، عند ذلك كانوا يتذكرون ما كانوا عليه من الفرقة وما كانوا فيه من اللأواء بسبب الحروب التي كانت تقع بسبب أمور تافهة جاهلية عصبية لا يحبها الله سبحانه وتعالى ولا يرضاها. (وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ) وهي نعمة من الله فإن الناس لا يمكن أن يجتمعوا إلا على هذا الحبل (وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ) فالله هو الذي ألف بين هذه القلوب وهو الذي ربط بينها وهو الذي أنزل عليها السكينة والرحمة والمودة. ولاحظوا أن هذا يبين لنا أن الألفة لا تكون إلا من الله ويجب علينا حتى تتحقق الألفة بيننا أن نعتصم بحبل الله وأن نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينزل علينا هذه الألفة والمحبة فنكون رفقاء رحماء متوادين ليس بيننا ضغينة ولا شحناء قال (فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) القرشي أصبح أخاً للأنصاري المدني والثقفي أصبح أخاً للسُلمي والجُهني وغيرهم من القبائل التي كانت في الجاهلية على أشد ما تكون من الخلاف والتفرق فأصبحتم بنعمته وفضله إخواناً. (وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ) لأنكم كنتم ضالين وكنتم على غير الهدى ولم تكونوا تبصرون شيئاً من اتلنور في الدنيا (فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا) بهذا الرسول الذي ارسل إليكم وهذا الكتاب الذي أُنزل عليكم. قال (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) تأملوا ما في هذه الآية من عظم فضل الاجتماع على طاعة الله وأنه هو سبب الأخوة وهو سبب القوة فإذا اعتصمنا بالله واجتمعنا عليه وقمنا بما أوجب الله علينا في الآية التي تليه وهي قوله (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) فإن من أعظم الأمور التي يبقى الناس بسببها مستمسكين بطاعة الله قائمين بأمر الله هو الدعو إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا ما نريد أن نتحقق به وأن نجتهد فيه وهو أن نقوم بالدعوة إلى الخير ونأمر بالمعروف كل معروف سواء ما يتصل بأمر الدنيا أو أمر الآخرة وننهى عن كل منكر سواء ما يتصل بالدنيا أو بأمر الآخرة فإننا بذلك نفلح وننجح ويحصل لنا بغذن الله عز وجل المراد. إذن في هذه الآيات أمرنا أن نتقي الله حق تقاته وأمرنا أن نعتصم بحبل الله جميعاً ولا نتفرق وتذهب بنا السبل والأهواء وأمرنا حتى نكون قائمين بهذا الاعتصام بأن ندعو إلى الخير ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر فإذا فعلنا ذلك حصل لنا المقصود وصرنا من المفلحين كما قال الله عز وجل (وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) أولئك هم المفلحون اي لا أحد غيرهم يفلخ والمفلحون هم الذين ظفروا وفازوا بالمقصود وحصّلوا المطلوب ونجوا من المرهوب وحصل لهم الفوز الدنيوي والفوز الأخروي المسلمون اليوم يتجرعون غصص التفرق لأنهم بحثوا عن طريق غير طريق الله وما اعتصموا بحبل الله والذين اعتصموا بحبل الله منهم   من الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف   والعدو اصبح يعيث فينا فساداً  ويستغفلنا  ويقرر فينا ما يشاء ما قاموا بما أوجب الله عليهم من الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فالذي حصل أن الناس تفرقوا وأن العدو أصبح يعيث فينا فساداً ينهب أراضينا ويأكل أراضينا ويستغفلنا ويتحكم فينا وفي مصائرنا ويقرر فينا ما يشاء ويفعل بنا ما يريد طبعاً بعد إرادة الله عز وجل وذلك ليس بسبب منه وإنما بسبب منا قال الله عز وجل (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165) آل عمران) ونحن نقول هذا الذي أصابنا من تفرقنا ومن تملك أعدائنا علينا هو من عند أنفسنا أسأل الله بمنه وكرمه أن يجمع كلمة المسلمين ويوحد صفوفهم ويؤلف بين قلوبهم وأن ينفعنا بكتابه العظيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل