أضواء المقاطع - الجزء 5 - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

أضواء المقاطع - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

الجزء الخامس

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد فهذا هو المجلس الخامس من برنامجكم "أضواء المقاطع" والذي نستعرض فيه كل يوم مقطعاً من جزء من كتاب الله عز وجل اليوم مقطعنا من الجزء الخامس من سورة النساء من قول الله عز وجل الآية في الآية 71 يقول الله جل وعلا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا (71) وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا (72) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (73) فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (74)) هذه الآيات أمرٌ من الله عز وجل لعباده أن يقوموا بالجهاد في سبيل الله والجهاد المذكور في هذه الآيات هو جهاد طلب والجهاد في الإسلام نوعان جهاد طلب وجهاد دفع. أما جهاد الدفع فهو فرض عين على المسلمين على كل قادر من المسلمين يجب عليه أن يقوم بدفع العدو عن بلاد المسلمين وذلك بأن يجتاح الكافرون أرض المسلمين ويعتدوا عليهم فعند ذلك يجب على المسلمين أن يقوموا بدفع هؤلاء الكافرين وردِّهم وفي هذا الجهاد لا يستأذن إبنٌ أباه ولا امرأةٌ زوجها لأنه فرض عين على كل مسلم. والنوع الثاني وهو الذي أشارت إليه الآيات وهو جهاد الطلب في قوله سبحانه وتعالى (خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا) فانفروا في طلب عدوكم ثبات أو انفروا جميعاً. وجهاد الطلب فرض على المسلمين لكنه ليس على الأعيان وإنما على الكفاية إذا قام به من يكفي من المسلمين سقط الإثم عن الباقين وهذا الجهاد قام به المسلمون من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عهد من بعده من أصحابه والخلفاء الراشدون وقد انقطع هذه الأيام بسبب ضعف المسلمين وما أصابهم من الذل والتفرق والشتات وعدم الاعتصام بحبل الله عز وجل والتفرق الكثير والأهواء التي دخلت فيهم. ونسأل الله عز وجل أن يأتي اليوم الذي تعود فيه راية الجهاد فيطلب المسلمون أعداءهم ويرفعوا راية لا إله إلا الله خفاقة فوق كل صقع وعلى كل مكان. يقول الله جل وعلا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ) أي احذروا واستعدوا لملاقاة عدوكم وإياكم أن تأخذ الأمر سبهللاً من دون استعداد ولا أخذ حيطة فتذهبون إلى الجهاد من دون عدة وتذهبون إلى الجهاد وأنتم لم تخططوا له تذهبون للجهاد وأنتم لم تستعدوا لعدوكم وتعرفوا إمكانيات هذا العدو وقدراته بل يجب عليكم عندما تقيموا الجهاد مع عدوكم أن تأخذوا الأهبة كاملة كما قال الله عز وجل (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ (60) الأنفال) فالمقصود أن الجهاد ذروة سنام الإسلام وأنه واجب على أهل الإسلام ويجب عليهم أن يسعوا لإقامته وأن يقوموا به وإذا قاموا به أن ياخذوا حذرهم فيقوموا بما أمر الله من أخذ الحيطة والحذر قال (فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ)وهذه نستفيد منها أن من أخذ الحذر أن نقيم الجهاد لأن عدونا متى رآنا قد تركنا الجهاد تسلط هو بدوره علينا، متى رآنا قد وضعنا الرايات ولم نقم بأمر الله عز وجل ولم ندافع عن هذه الراية ونسير بها في أصقاع الأرض فإنه لن يدعنا قال الله عز وجل (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ (251)) ففساد الأرض يكون بسبب تقاعس أهل الإسلام في القيام بما أوجب الله عز وجل عليهم. ولاحظوا الآن وهم يتحدثون عن الشرعية الدولية وعن السلام العالمي والأُممية والعولمة كل ذلك يتحدثون عنه من أجل أن يسكتونا ومن أجل أن لا نقوم بالواجب الذي أوجبه الله علينا، فهل فعلوا ذلك هم؟ هل أخذوا بالشرعية الدولية؟ هل سكتوا عمن خالفهم؟ هل تركوا الناس وما هم عليه؟ هل أقنعوا الناس بالحوار وبالمناقشة وبالجدال حتى يتم التفاهم بين الأطراف؟ لا، بل دخلوا بالسلاح مدججين باعظم ما أنتجته الحضارة من أسلحة إلى بلاد المسلمين فأفسدوا في البلاد وظلموا العباد وقهروا أهل الإسلام وما أخذوا بما ينصحون به المسلمين من الشرعية الدولية والحوار والسلام العالمي وأنه لا ينبغي أن تكون هناك لغة للسلاح، أين هي في فلسطين؟ وأين هي في العراق؟ وأين هي في أفغانستان؟ واين هي في كل مكان؟ والله إنهم متى أرادوا أن يخضعوا دولة أو يقوموا بأمر لجأوا للسلاح وقاموا به ونهونا عن أن نفعله نحن فالله عز وجل يقول خذوا حذركم من عدوكم وانتبهوا فإنكم متى تركتم حقطم في جهاد عدوكم فإن عدوكم سيرجع إليكم وسوف يقوم هو بدوره بإذلالكم. قال الله عز وجل (فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا) انفروا ثبات يعني جماعة إثر جماعة أو سرية إثر سرية أو انفروا جميعاً كلكم تذهبون وتخرجون في سبيل الله. والنفير واجب على المسلمين إذا استنفرهم الإمام، فإذا قال الإمام أيها الناس انفروا لملاقاة عدوهم وجب عليهم أن ينفروا لملاقاة عدوهم ويكون الجهاد في حقهم فرض عين كما يكون فرض عين إذا استنفر الإمام طائفة خاصة كأن يقول يجب على كل القٌرّاء أن ينفروا معنا في سبيل الله أو أن يقول يجب على كل من تعلم القتال وفنونه أن ينفر في سبيل الله فهذا يكون في حقه فرض عين. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم "لا هجرة بعد الفتح" يعني لا هجرة من مكة بعد فتحها لأنها صارت دار إسلام، ولكن جهاد ونية، يعني على الناس جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا يعني إذا استنفركم الإمام وجب عليكم النفير وهذا من الحالات التي يتحول فيها فرض الكفاية إلى فرض العين فإن جهاد الطلب فرض كفاية ولكن إذا استنفر الإمام شخصاً بعينه أو طائفة بعينها وجب عليهم القتال في سبيل الله. ثم قال الله عز وجل مبيناً ما يصيب هذا النفير العلة والسوسة العظيمة التي تنخر في جسد الأمة هم المنافقون، هذا هو الطابور الخامس ابتليت به الأمة في عهد رسول الله وما تزال مبتلاة به إلى اليوم مرة تعلو راياتهم ومرة يكبتوا ويصدوا عن أن تكون لهم منابر وفي هذه الأيام صارت لهم منابر ومنابر مؤثرة نسال الله سبحانه وتعالى أن يرد كيدهم في نحورهم. هؤلاء ليس لهم همٌّ إلا التثبيط والقعود عن الجهاد في سبيل الله لأنه ما وراء الجهاد في نظرهم إلا الموت والهلكة وخراب الديار وأيضاً ظهور حقيقة الإيمان ولذلك هم يثبطون المؤمنين عن الجهاد في سبيل الله ويحرصون على ذلك أشد الحرص ويقدرون أنه متى قام سوق الجهاد ضعفت وانحطت راية النفاق. ولذلك يستعملون أسلوب التثبيط والتعويق (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (18) الأحزاب) وهذا الدور قاموا به في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد وفي غزوة الأحزاب وقاموا به ايضاً في غزوة تبوك وفي غزوة حنين وفي عدد من الغزوات. المقصود أن الله عز وجل يقول وإن منكم ليبطئن يعني يثبطن الناس عن اللحاق والنفير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم (فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا) ماذا يقول هؤلاء المنافقون؟ هم ينتظرون القدر إن اصابتكم مصيبة قال الواحد منهم قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيداً، فهو يحمد الله أنه لم يحضر تلك الواقعة التي أصيب فيها المسلم (وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا) بغض النظر عن من تكونون أو ما يحصل لكم من الخير أو يصيبكم من الشر يقول (يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا) ليس نصرة لدينهم ولا قياماً بالحق الذي يدافعون عنه ويقومون به وإنما طلباً للمغنم فقلبه معلق بالدنيا يعبدها من دون الله عز وجل فهو لا يقيم الأشياء إلا بمقدار ما يكسب في الدنيا نسأل الله العافية والسلامة. ولذلك أمر الله المؤمنين أمراً من عنده مبيناً أن من أراد الأجر العظيم والثواب الجزيل والنصر الحقيقي في الدنيا والآخرة فعليه أن يرفع راية الجهاد ويقاتل في سبيل الله. قال الله عز وجل (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ) يشرون أي يبيعون، الشرى هنا بمعنى البيع، يشرون أي يبيعون الحياة الدنيا ويأخذون الآخرة. هذه الدنيا التي هي متاع زائل وحظ لا ينبغي أن يلتفت إليه مقابل تلك الدارالآخرة ليست بشيء. فهم بيبعون هذا الفاني بذاك الباقي وهذا القليل بذاك الكثير كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "والذي نفسي بيده ما الدنيا في الآخرة إلا مثلما يضع أحدكم أصبعه في اليمّ فلينظر بم يرجع" يعني نسبة الدنيا إلى الآخرة مثل نسبة القطرة التي تصيب الإصبع بالنسبة للبحر الأعظم، ما هي هذه النسبة؟ والله لا تكاد تذكر ولا يمكن أن توضع نسبة بين قطرة وبحر عظيم يملأ الكرة الأرضية. فالله عز وجل يقول (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ) ويبين أن القتال الذي تشترى به الآخرة هو ما كان في سبيل الله لا لطلب دنيا أو جاه أو سعة رقعة أو توسيع مملكة أو نحو ذلك من المقاصد والأهداف التي يسعى لها الناس. قال الله عز وجل (وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ) أعاد المقصود مرة أخرى تأكيداً عليه وبياناً لأهميته لأنه هو الذي يكون فيه الأجر ويكون به النصر ويحصل به الخير في الدنيا والآخرة، ما قال ومن يقاتل وإنما قال (وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) سواء قتل فذهب شهيداً أو غلب فحصل له الأجر العاجل في الدنيا (فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ) لم يقل سيؤتى وإنما قال نؤتيه بل الله ذاته يؤتيه ولاحظوا أنه جاء بنون التعظيم (فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ) نكّر الأجر ليعظّمه ثم وصفه بأنه عظيم ليبين أنه لا أعظم منه، هو عظيم لو كان من الله فكيف وقد وصفه الله بأنه أجر وأنه عظيم؟! نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرفع راية الجهاد ويعلي كلمته في البلاد وبين العباد وأن يرد للمسلمين سالف عزهم وتمكينهم إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل