أضواء المقاطع - الجزء 6 - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

أضواء المقاطع - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

الجزء السادس

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد فهذا هو المجلس السادس من برنامجكم أضواء المقاطع ومع الجزء السادس في سورة المائدة في قول الله عز وجل من الآية 51 (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52)) في هذه الآيات يحذرنا ربنا سبحانه وتعالى من أن نتخذ اليهود والنصارى أولياء وأن نجعلهم بطانة وأن نمكنهم من بلادنا ونمكنهم من أمرنا وأن نجعلهم اصدقاء لنا نستشيرهم في أمور المسلمين وأن نواليهم من دون أهل الإسلام لأن في موالاتهم خطراً علينا وخطراً على مستقبلنا فقد قال الله عز وجل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (118) آل عمران) فهم لا يالون لا يقصرون في إيصال الخبال إلينا ولذلك يقول الله عز وجل مؤكداً هذه الحقيقة وأن المسلم الذي امتلأ قلبه بسلامة الصدر لا يجوز له أن يغفل عن هذه الحقيقة وهي أن هؤلاء لا يقع في قلوبهم إلا البغضاء لنا عنت ومحبة العنت أن تقع لنا جميعاً قال (هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119) آل عمران) فلننتبه إلى هذا الأمر الذي نبهنا الله عليه فالله عز وجل أعلم بعباده وهو الذي بيّن لنا ما تخفيه صدور هؤلاء وكلامه عز وجل حق وهو الذي خلق وهو أعلم بمن خلق فلا يغرننا أنهم يدعون إلى الإنسانية ولا يغرننا أننا نرى منهم ابتسامة صفراء تعلو وجوههم ولا يغرننا أنهم يقدمون لنا في الظاهر نصحاً فإننا إذا وكّلنا أمور المسلمين الخاصة إليهم يخونون ولا يتركون ما هم عليه. وهذه القضية العصبية التي لا يكاد يخلو منها أحد وهي ميل الإنسان إلى نصرة طائفته وقبيلته ومن ينتمي إليهم هذا شيء شبه فطري فإذا أردنا أن ننزع اليهودي أو النصراني مما جبل عليه كما يجبل غيره عليه فإن ذلك مخالفة منا للعقل ومخالفة للشرع ولذلك قال الله عز وجل محذراً (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء) لا تجلعوهم أولياء كما تجعلوا المسلمين أولياء قريبين منكم وأصدقاء ومستشارين ومناصحين وبطانة فإنكم إن فعلتم ذلك فقد خنتم الله وخالفتم أمره وأوقعتم بنفسكم الضر قال الله عز وجل (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ) بعضهم يوالي بعضاً فيتعاونون عليكم. وتصور لو أنك اتخذت بطانة من النصارى ومن اليهود تسنصحهم وتستشيرهم فهل تظن أن هؤلاء إذا أرادهم قومهم بسوء يوقعونه فيك أم ينصحوا لك ويدعوا قومهم، لا، بعضهم أولياء بعض فاحذر أن تتخذهم بطانة واحذر أن تجعلهم يطلعون على عورات المسلمين وينظرون إلى أسرار أهل الإسلام وإلى دولة المسلمين. قال الله عز وجل (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) هذا تحذير عظيم من الله عز وجل  الإسلام ألا يتولوا هؤلاء الكفار فيتخذونهم بطانة من دون المؤمنين ويجعلوهم مستشارين من دون أهل الإسلام ويناصرونهم في قاضاياهم حتى ولو على أهل الإسلام فإن من تولاهم جعله الله منهم. كيف يمكن لإنسان أن يدعي أنه يحب الله وهو يوالي أعداءه لو قال لك إنسان إني أحبك حباً شديداً ثم رأيته يجلس مع عدوك ويواليه ويجالسه لعرفت أنه كاذب في دعواه عندما ادعى أنه يحبك ولو قلت لأبيك أنا أحبك وأويرك على من سواك ثم جلست مع من أضروا بأبيك وعادوه عداء شديداً وأوقعوا به إيقاعاً مؤلماً فإن أباك لا يصدق محبتك ولا يرضى منك بهذا الذي تعمله. كيف تريدون منا أن يرضى منا ربنا سبحانه وتعالى أن نشهد له بالوحدانية وندعي أننا نحبه ونطيعه وهو في الوقت ذاته يرى منا أننا نصادق أعداءه ونقربهم وندنيهم قال الله سبحانه وتعالى (إنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) انظروا كيف أظهر ما يمكن إضماره فجاء بقوله (الظالمين) في موقع الضمير فلو قال إن الله لا يهديهم أي هؤلاء الذين يتولون الكافرين لكان معبراً عن المعنى لكنه أوقع المظهر مكان المُضمر حتى يبين أن هؤلاء ظالمون وأنهم يستحقون هذا الوصف. ثم تأتي الآيات بعد ذلك لتشرح السبب الذي يدعو بعض الناس لأن يتولى الكافرين ويدنيهم ويقربهم فماذا يقول الله؟ (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ) هذا يبين لنا أنه لا يدنيهم ولا يواليهم إلا من في قلبه مرض. هل أنت أيها المسلم تريد أن تكونوا ممن وصموا بهذا الوصم ووصفوا بهذا الوصف أن يكون في قلبك مرض؟! المؤمن الحق لا يرضى بأن يكون قلبه مريضاً ولا أن يكون موصوفاً بهذا الوصف فيقول (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ) يعني يسارعون في موالاتهم والقرب منهم لماذا؟ (نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ) نحن ما واليناهم ولا قربناهم ولا صادقناهم ولا اتخذناهم إخواناً وأعواناً إلا لأننا نريد إذا دارت الدوائر وقامت الحروب أن يكونوا أعواناً لنا فالله عز وجل يقول ما يدريكم أن الله عز وجل قد يأتي بالفتح أو أمر من عنده وهو أن تضرب الجزيةعلى أمثال هؤلاء وتعلو دولة الإسلام فلا يتنتفعون بشيء تكونون قد خسرتم علاقتكم مع ربكم وخسرتم أيضاً دنياكم واليتم مهزومين بالفعل قال الله عز وجل (فَعَسَى اللّهُ) وعسى من الله واجبة (أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ) وقد جاء بالفتح (أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ) وهو علو المسلمين وقد جاء الله بذلك من عنده (فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) أي يصبح هؤلاء الذين في قلوبهم مرض على ما في أنفسهم نادمين. وبالفعل ارتفعت دولة الإسلام وذهبت دولة النفاق وذهبت دولة اليهود في المدينة عندما أدان الله المسلمين عليهم فذهب بني قينقاع ثم ذهب بنو النضير ثم محق الله سبحانه وتعالى واستأصل شأفة بني قريظة فذهبوا جميعاً ولم يبق لهم دولة وخاب الذي كانوا يرجونه ويتوقعون أن يكون لهم شيء من النصر لديهم. هذه وصية الله عز وجل لنا يجب علينا أن نأخذ بها وأن نعلم أنها هي الحق لأنه ليس هناك شيء في الكتاب إلا وهو حق فالله هو الذي أمر وهو الذي يعلم ما في النفوس وهو الذي يعلم لمن تكون العاقبة وهو الذي سبحانه وتعالى يأمر وينهة ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد أمر أن لا نتخذ اليهود والنصارى أولياء وإذا كان اليهود والنصارى أولياء لا يتخذوا أولياء وهم أهل كتاب فإن غيرهم من أهل الملل الأخرى من أهل الشرك وعباد الأصنام من باب أولى لا يجوز لنا أن نتخذهم أولياء. ولكن هل يمنع ذلك أن نحسن إليهم ونعدل معهم؟ لا، قال تعالى لا نتخذهم أولياء لا نقربهم ولا ندنيهم ولا نوكلهم من أمور المسلمين ونطلع عليهم أسرار أهل الإسلام وفي الوقت ذاته لا نظلمهم ولا نسيء إليهم إلا إذا أساؤوا إلينا، قال الله عز وجل (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) الممتحنة) فالمودة القلبية محرّمة (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ (22) المجادلة) فالمودة القلبية محرّمة على كل حال والتولي بأن نقربهم ونبعد أهل الإسلام أو ندنيهم ونطلعهم على عورات المسلمين ونجعلهم مستشارين وخلصاء وبطانة هذا مُحرّم أيضاً علينا. لكن أن نعامل المحسن منهم معاملة حسنة ونقصد بذلك دعوته إلى الله عز وجل ونقسط إليه ونعدل معه ونؤدي إليه حقه فإن الله عز وجل لا ينهانا عن ذلك بل إن الله يحب المقسطين (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9) الممتحنة ) فهذا هو الذي نهينا عنه. ولذلك نعتبر هذه الإرشادات الربانية هي غاية ما يمكن أن نصل إليه في هذا الباب فنحن يجب علينا أن نستوعب هذا الدرس استيعاباً تاماً وأن نعلم أن قضية الولاء والبراء من أعظم القضايا التي جاء بها القرآن وكثير من الناس في هذا العصر يشككون في هذا الأمر ويريدون أن يوهنوا أمر الدين بموالاة أعداء المسلمين، لا والله، لن تقوم للمسلمين قائمة حتى يتجرد المسلمون ويكتفوا بأنفسهم ويعلموا أن عداوة الكافرين لهم عداوة متأصلة حقيقية وأنه ليس لهم عندنا إلا العداوة ولكن هذه العداوة لا تمنعنا من البر ولا تمنعنا من العدل مع من كان كذلك إذا لم يسئ هو إلينا ولم يجرّ علينا بلاءً. فأسأل الله سبحانه وتعالى أن يرد المسلمين إلى جادة الحق والصواب في هذا الباب. هذا الباب الذي يحرص الأعداء فيه حرصاً شديداً على أن لا يُشهر ويحاولون أن يشككوا فيمن يتحدث عنه علماً بأن الآيات القرآنية مُحكمة وبيّنة في هذا الأمر وواضحة وظاهرة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي (1) الممتحنة) ويقول جل وعلا (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ (4) الممتحنة) (إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ) يعني لا تتخذوا إبراهيم أسوة في تلك المسألة وهي عندما قال لأبيه (لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ). فيقال لا تتخذ إبراهيم في هذا الباب ولكن اتخذه قدوة في معاداته لأعداء الله وتبرئه منهم (إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ) فنحن يجب علينا أن نتأسي بالأنبياء وبنبينا محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك وأن نقوم بذلك خير قيام. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يكفينا شر أعدائنا وأن يعيننا على تولي المسلمين والبراءة من الكافرين وصلى الله وسلم على سيد المرسلين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل