أضواء المقاطع - الجزء 7 - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

أضواء المقاطع - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

الجزء السابع

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد. هذا هو المجلس السابع من برنامج أضواء المقاطع والذي نتحدث فيه عن تفسير مقاطع من كتاب الله عز وجل في كل يوم نأخذ مقطعاً مختاراً من جزء مناسب لليوم الذي نحن فيه فهذا هو الجزء السابع فنأخذ فيه هذا المقطع السابع من الآية 66 من سورة الأنعام حيث يقول الله عز وجل (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ  (66) لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67) وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَـكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69)) يذكر الله عز وجل لنبيه أن قومه قد كذبوا بالقرآن وأن تكذيبهم به تكذيب بأمر ظاهر وهو الحق قال (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ) قومك الذين يعرفونك معرفة تامة ويعلمون أنك لا تكذب ولم يجربوا عليك في جاهلية ولا إسلام كذبة واحدة، كذبوا من دون بيّنة ولكنه الحسد والكبر ومتابعة السادة والطغاة على التكذيب ليس إلا. قال الله عز وجل (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ) الحق الذي لا مرية فيه، حقٌ لأنه من عند الله وحقٌ لأنه مطابق للواقع لا يختلف عن الواقع مثقال ذرة وحقٌ لأن جميع ما فيه صدق من عند الله سبحانه وتعالى كل كلام في هذا العالم ما لم يكن كلام الله أو شيئاً أوحى به الله فإنه يحتمل أن يكون حقاً ويحتمل أن يكون باطلاً أما كلام الله فكله حق لأن الله هو الذي خلق وهو سبحانه وتعالى بكل شيء عليم وهو أصدق القائلين (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا (87) النساء) (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً (122) النساء) ولذلك المؤمن يأتي إلى القرآن ويأتي إلى الوحي وهو مطمئن ليس في قلبه مثقال ذرة أنه سيأتي إلى كلام يتردد فيه أو يشك في نسبته أو في حقيقة وقوعه أو مصداقيته ولذلك كله حق ولذلك نتحاكم إليه ولا نحكم عليه. قال (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ) فاطمئن يا محمد ولا يضرنّك تكذيب قومك به بهذا نعلم أن الناس إن خالفونا وإن أجمعوا على معاداتنا وإن لم يؤمنوا بما جئنا به فلنكن مطمئنين لأن الحق معنا وأن الذي ندعو إليه هو الحق موافق لما في كلام الله عز وجل ولا يضرنا إن كفروا به أو خُذلوا فلم يؤمنوا بما جاء عن الله عز وجل. قال (قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ) ما دام هذا هو الحق بلّغتكم إياه فكذبتم فلست وكيلاً عليكم يعني فلست مسؤولاً عنكم فإنما على الرسول البلاغ وليس عليه شيء أكثر من ذلك وهذا رحمة من الله عز وجل بنا لو شاء الله لكلّفنا إيمان الناس ولكن لعلمه أن إيمانهم ليس بايدينا وإنما بيده (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء (56) القصص) ولذلك لم يكلفنا الله شيئاً ليس في طوقنا ولا وسعنا قال جلّ وعلا (لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) أي كل خبر فإنه سيأتي يوم يعلم فيه حقيقة ذلك الخبر شئتم أم أبيتم. ما من شيء وقع في العالم إلا وسيأتي يوم تُعرف به حقيقة هذا الأمر وإن اختلف الناس وإن زيّف المزيفون ودجّل المدجلون وكذب الأفاكون وفعلوا ما يستطيعون من تزوير للتاريخ وتشويه للحقائق وقلب للقضايا فإنهم إن فعلوا ذلك فإن الحق باقي وإن الحق قائم وسوف يظهر في يوم من الأيام (لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ) منتهى ينتهي إليه فتُعلَم به الحقيقة إن في الدنيا وإن في الآخرة. وهذا أثبتته الوقائع كم اختلف الناس وكم حصل بينهم من الإشكالات والحوارات والمناظرات والجدال الطويل جداً ثم يبين الحق ويظهر ويأتي الله عز وجل بما يدل على ذلك. انظر إلى الفكرة الشيوعية جاءت وسادت وقامت وارتفعت وصار لها دولة حتى انضم إليها نصف أهل الأرض حتى من أهل االإسلام من انخدع بالفكرة الشيوعية وأراد أن يطبقها على المسلمين وطبقها بالحديد والنار وظن الناس أن هذا حق من الحق لكثرة الجلبة عليه ثم ذهبت هذه الفكرة كأنها فقاعة لم يبق منها شيء. واليوم الناس ينظرون إلى الرأسمالية وهي تترنح باطل كم زيفوا هذا الباطل وكم زخرفوه وكم زينوا له وكم طبلوا له!، فكرة الربا ماذا فعلوا بها؟ كانوا يقولون لا يمكن أن يقوم اقتصاد ولا يزدهر اقتصاد إلا بالربا واليوم يقولون المشكة والأزمة العالمية التي وقعت للناس هي بسبب الربا. المسلم مطمئن لهذه الحقيقة يعرفها قبل أن يعرفوها وهو مرتاح لحكم الله عز وجل فيها ويعلم أنه سيأتي يوم سيكتشف فيه الناس هذا الأمر. انظروا إلى العهر الذي يسمى تحرراً ويحاول أن يزينه الغربيون في أعيننا بل ويفرضوه علينا عبر الزنا وعبر جميع وسائل الترفيه التي يبتدعونها يحاولون أن يزينوه لنا ولكنهم الآن يكتشفون آية إثر آية أن هذا الذي يريدون أن يقرروه ما هو إلا باطل فجاءت قضية الإيدز والأمراض الجنسية كل هذه الأشياء ابتلي بها الناس وجاءت إليهم ليدلهم الله سبحانه وتعالى على الحق في ذلك. وغير ذلك قال الله عز وجل (وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) وهذا تهديد لهؤلاء الذين كفروا بالحق وعندها ستندمون لأنكم ما آمنتم بالغيب عندما جاءكم ولا آمنتم بهذا الحق الذي قامت عليه الدلائل ولكنكم كذبتم وكفرتم وتخطيتم هذه الدلائل وتعاميتم عنها (وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ). ثم قال الله عز وجل (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا) أي مكذبين بها (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) يعني أعرض عن هؤلاء الذين جلسوا مجلساً يتكلمون فيه عن تكذيب آيات الله ويتحدثون فيه بأحاديث لا يليق بالمؤمن أن يسمعها أو يجلس مع أهلها لأن الجلوس مع هؤلاء القوم إقرار على باطلهم قال (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) إياك أن تقر وتجلس في ذلك المجلس. وهذه الآية آية مكية وجاءت آية مدنية تؤكد هذا المعنى وتدل عليه قال الله عز وجل (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) النساء) إذن لا يجوز للمسلم إذا سمع من ينتقص من آيات الله ويشكك في شرع الله ويستهزئ برسول الله أو يسب أحد علماء الدين لدينه أن يجلس ذلك المجلس إلا إذا كان يُنكره أو لا يسعه الجلوس في ذلك المجلس قال (حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) (وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ) لو ألهاك إبليس ثم تذكرت وعلمت أن هذا المجلس لا يحل الجلوس فيه (فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) بعد الذكرى أي بعد التذكر. ولاحظ لم يقل فلا تقعد بعد الذكرى معهم بل قال (فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) ليبين أنهم ظالمون وهذا من وضع المُظهَر موقع المضمر ليبين بذلك الحكم وأنهم ظالمون لأنفسهم وأنهم ظالمون للحقيقة والحق الذي يجب أن ينتصروا له. ثم قال (وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَـكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) أي إذا خاض هؤلاء في آيات الله فإنه ليس عليك من حسابهم شيء ولكن أمرناك بأن تقوم عن مجلسهم لعلهم يتذكرون فينتهون ويتقون ما يتحدثون فيه من سب الله وسب رسوله والاستهزاء بعلماء المسلمين وأهل الدين كما حصل للمنافقين الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك قالوا وهم يمشون في الطريق قالوا ما رأينا مثل قرائنا أرغب بطوناً ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء فجاء أحد الصحابة فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم وقد نزل عليه الوحي (قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ (65) لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ (66) التوبة) فحكم عليهم بالكفر. ولذلك نقول إحذر أيها المسلم إذا كنت في مجلس أياً كان هذا المجلس حتى ولو كان هذا المجلس شاشة ترقبها وتنظر إليها وفيها من يكفر بالله ويتسهزئ بالله ويعصي الله فإياك أن تجلس في ذلك المجلس وغيّر تلك القناة ولا تجلس ذلك المجلس لأنه لا يحل لك أن تبقى في مجلس يقام فيه المنكر. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه" وقد قال بعض العلماء" إذا لم يزل المنكر فزُل أنت" إُخرج أنت ولا تبقى في المكان الذي يُفعل فيه المنكر. أسال الله سبحانه وتعالى أن يمنّ علي وعليكم بالقيام بالحق وتبليغه للناس والصبر عليه وأن لا نكون خلطاء لأهل الباطل ولا مشجعين لهم بشيء من باطلهم نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على ذلك أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل