أضواء المقاطع - الجزء 8 - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

أضواء المقاطع - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

الجزء الثامن

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. هذا هو المجلس الثامن من برنامج أضواء المقاطع ونحن الآن في الجزء الثامن في سورة الأنعام في الاية 151 يقول الله سبحانه وتعالى (قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)) هذه عشر وصايا أوصانا الله سبحانه وتعالى بها هي من أصول هذا الدين وهي قضايا لا يدخلها النسخ لأنها من الحقائق المجمع عيها التي اتفقت عليها الشرائع بها وجاء بها الأنبياء ونزلت بها الكتب ولذلك قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مبيناً أهمية هذه الوصايا "من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه فليقرأ هذه الآيات (قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا) إلى قوله (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) وهي الآيات الثلاث التي ذكرناها. وروى الحاكم في مستدركه عن ابن عباس قال في الأنعام آيات محكمات هن أم الكتب ثم قرأ الآيات (قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) وهذا الحديث كما قال الحاكم صحيح الإسناد. هذه الآيات لو تأملناها لوجدناها جامعة لأصول وحقائق عظيمة جداً تمثل الركن الأساس لقيام هذا الدين ولذلك جعلها الله عز وجل حقائق معدودة وأيضاً محدودة  ليسهل فهمها وجمعها من أجل أن يجتمع القلب عليها وأن يراعيها كل إنسان وجاءت في القرآن المكي لأنها من أصول الدين. قال الله جل وعلا (قُلْ) وكل آية افتتحت بـ (قُل) ففيها مزيد عناية (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا) تجد أن الآيات التي تفتتح بـ (قُل) فيها شيء من العناية ومزيد من الاهتمام. (قُلْ تَعَالَوْاْ) هلمّوا (أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) أبيّن لكم الشيء الذي حرمه الله عليكم وحذركم من الوقوع فيه وهذه نستفيد منها أن المحرمات في الإسلام معدودة بخلاف المباحات فإنها غير معدودة ولا محدودة. يعني الأصل في الأشياء النافعة أنها مباحة وحِلٌ لنا (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً (29) البقرة) فكل شيء فيه نفع لنا فالأصل فيه أنه حلال لنا ما لم يرد ما يدل على تحريمه. وهنا قال الله جل وعلا (قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) عندما قال (ربكم) عرفنا أن فيها مزيداً من العناية فهذا من تربية الله لنا ومزيد عنايته لنا فالله ما حرمها علينا إلا لشدة ضررها بنا ولأنها لا تليق بنا ولأنها مفسدة لأحوالنا الدنيوية والأخروية. قال الله جل وعلا (أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا) حرّم علينا أن نشرك به أيّ شرك قليلاً كان أو كثيراً ويدخل في هذا صغير الشرك وكبيره والشرك أن يُجعل مع الله شريك بأي وصرة من الصور أو شكل من الأشكال سواء كان ذلك عن طريق عبادة الصنم أو السجود له وهو أجلى أنواع الشرك أو الطواف بالقبر وسؤال المقبورين المدد والغوث والمغفرة والرحمة والرزق وغير ذلك مما يُسأله بعض المقبورين أو أن يتخذ الإنسان شركاً من نوع (ما شاء الله وشئت) ومن نوع (والأمانة، والنبي) كالحلف بغير الله عز وجل، فكل ذلك من الشرك الذي ينبغي على المسلم أن يتقيه. فأعظم الحرمات عندنا هو جانب الشرك وجانب التوحيد تصفيته وتنقيته هو أجل ما يقوم به الإنسان ولذلك قال الله جل وعلا (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48) النساء) إذن إحذر أن تقع في الشرك فإنك إذا سلمت منه سملت من شر عظيم وأنت بإذن الله عز وجل قريب من رحمة الله سبحانه وتعالى. ثم قال (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) بعد أن ذكر حقه في أن لا يُشرك به ذكر حق الوالدين لأنهما سبب وجود الإنسان ولم يذكر حقهما على سبيل أن لا يؤذيهما الإنسان ليس هذا هو المطلوب وليس المطلوب أن لا تعقهما بل المطلوب من كل أحد أن يحسن إلى والديه كما أحسنا إليك (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) الإسراء). فأنت تحسن إليهما وتبدأ بفعل ذلك الإحسان قاصداً رضى الله أولاً ثم رضاهما ثانياً واعلم أن رضى الله برضى الوالدين وسخط الله بسخط الوالدين كما ثبت في ذلك الحديث الصحيح. الوصية الثالية (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) لما وصى بالوالدين انتقل بعد ذلك إلى الأولاد وهذا أمر كان شائعاً عند أهل الجاهلية وما يزال إلى اليوم موجوداً كما تسنه الآن نظم وقوانين ودول وتعمل به ولا تجد من ينكر عليهم ففي الصين يقتلون الأولاد بالملايين وكذلك في الهند وفي كوريا وفي الدول الغربية يسن الإجهاض ويشرّع ويؤمر به حتى تستمتع النساء بشهواتهن وخصوصاً الفتيات القاصرات. (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ) لا تقتلوهم خوفاً من الوقوع في الفقر أو لأنكم قد وقعتم في الفقر بالفعل كما هو مقتضى هذه الآية. (نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) نحن نرزفكم أنتم أيها الفقراء وإياهم أي وأولادهم فقد يدعو الإنسان فقره إلى أن يقتل ولده فيقال له لا تقتله من فقر فإن الله سبحانه وتعالى يرزقك ايها الفقير ويرزق ولدك وفي سورة الإسراء (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم (31)) أنتم الآن أغنياء ولكن تخافون الفقر على أولادكم نحن نرزقهم أولاً وإياكم. فلما كانوا فقراء قال نرزقكم ولما كانوا يخشون الفقر قال نرزقهم وإياكم. ثم قال (وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) الفواحش هي كل الأثام وما يستفحش يعني يتناهى في القبح (مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) فالزنا ظاهر والحسد والكبر باطن. (وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقّ) وهي النفس المعصومة لا يحل لامرئ أن يقتل نفساً إلا في حالات ثلاث النفس بالنفس والثيّب الزاني والتارك لدينه المفارق للجماعة. (ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وهذه الأمور لكا كتنت تُدرك بالعقل ذكر العقل هنا. يعني العقل يدل عليها لو لم يأتي بذلك الشرع. وقال الله عز وجل (وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) أي إحذروا من قربان مال اليتيم إلا بالصورة التي هي أحسن أي على وجه ترون أنكم تحسنون به إلى اليتيم (حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) يعني حتى يصل إلى المرحلة التي يقدر فيها على حسن التصرف في المال  كما قال الله عز وجل (وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ (6) النساء). الوصية الثامنة (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) فكلما تتكلمون تكلموا به على وجه العدل يعني قولوا قولاً سديداً كما الله عز وجل في سورة الأحزاب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ (71)) عذرنا الله في الكيل والميزان فقال (وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) وأما في القول فإنه لم يعذرنا لأنن نقدر على ذلك قال (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ) قولوا قولاً عادلاً بلا ظلم ولا شطط. (وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) ولو كان الذي تقولون فيه صاحب قربى فإياكم أن تظلموا الناس بسبب قرابة من تتحدثون له أو عنه بل اعدلوا حتى مع قرابتكم لو جاءك إنسان يقول لك ما حال أبيك؟ وقد خطب ابنتي وأنت تعرف أن أباك لا يستحق ذلك فقل الحق فيه (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى). ثم قال الله عز وجل (وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ) إذا عاهدتم عهداً فوفّوا بها ومن ذلك الوفاء بالمواعيد وإذا عقد الإنسان عقداً كعقد النكاح وفّى بما عقد عليه وكذلك ما يكون بيننا وبين أعدائنا.

 

ثم ختم الله هذه الوصايا بوصية جامعة عظيمة قال (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ) إتبعوا هذا الصراط وهو القرآن فإنه الموصل إلى الله عز وجل فإذا اتّبعناه اهتدينا. (وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) فإنكم لن تجدوا من وراء القرآن ومن خلاف القرآن إلا سبلاً وهذه السبل كلها توصل إلى النار ولا تهديكم إلى الله عز وجل (ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا التقوى وأن يجعلنا من المستقيمين على صراطه المتّبعين له إنه ولي ذلك والقادر عليه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل