أضواء المقاطع - الجزء 9 - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

أضواء المقاطع - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

الجزء التاسع

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. هذا هو المجلس التاسع من برنامج أضواء المقاطع وحديثنا اليوم في الجزء التاسع في سورة الأعراف في الاية 199 يقول الله عز وجل (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200)). في هذه الآية يأمرنا الله عز وجل بأن نأخذ العفو وأن نأمر بالعُرف وأن نعرض عن الجاهين وإذا نزغنا من الشيطان نزغ فلنستعيذ بالله إنه سميع عليم. هذه الآيات من الآيات الجامعة في القرآن الكريم الجامعة لمكارم الأخلاق والتي لا يستغني مسلم يريد الحياة الطيبة عن الأخذ بما جاء فيها من وصايا وحكم ربانية. أولها يقول الله جل وعلا (خُذِ الْعَفْوَ) يعني خذ من الناس ما سمحت به أنفسهم واحتمل منهم ما جاؤوا به واقبله منهم وإياك أن تكلفهم ما لا يريدون أن يقدموه وما لا يرضون أن يأتوا به فإن الإنسان إذا امتلأ قلبه بذلك وأخذ من الناس ما جادوا به وما سمحت به أنفسهم فذلك والله خير له. وذلك أطمن لقلبه وأرضى لنفسه وأبعد له عن الشقاق وعن الخلاف وعن الضغينة البغضاء وعن الحسد. يقول العلماء رحمهم الله تعالى خذ العفو أي من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تجسس. وقال هشام بن عروة عن أبيه: أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق الناس وهذا أمر ينبغي على كل داعية أن ينتبه له، فأنت عندما تقابل الناس وتجالسهم وتخالطهم تجد فيهم الكريم وتجد فيهم البخيل وتجد فيهم اللئيم وتجد فيهم السمح وتجد فيهم الشجاع وتجد فيهم من يقوم بقضاء الحاجات ويغيث الملهوفين وتجد منهم من يشح بذلك فلا يخدم الناس ولا يقضي حوائجهم فإذا أردت أن تعيش معهم سالماً من كل أذى موفور العِرض من غير أن يقع في قلبك شيء من الضيق والضيم والضررفخذ العفو من أخلاقهم فإن الله جبل الناس على أخلاق كثيرة فإذا أردت أن تحاسبهم على ذلك وأن تأخذ في نفسك عليهم آذاك هذا الأمر أذى شديداً وأتعبك وصرت في معاملتك للناس لن تجد من تأنس به. قال النبي صلى الله عليه وسلم "إنما مثل الناس كإبل المائة لا تكاد فيها واحداً" يعني لا تكاد تجد من يوافقك في أخلاقك وطريقتك إلا واحد في المائة. وهذا والله نجده الآن عندما نكون في المدارس وفي الجامعات وفي الوظائف ترى أناساً كثيرين فلا يوافقك من هؤلاء الناس إلا واحد أو إن أكثرت اثنين. إذن حتى تحيا سالم الصدر معافى من كل ضغينة وشحناء تعامل الناس معاملة بالقسط تطلب ما عند الله عز وجل وتريد وجهه (خُذِ الْعَفْوَ). يقول أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: بقيت مع النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لشيء فعلته لِمَ فعلته ولا لشي لم أفعله لم لم تفعله" وهذا تطبيق عملي لقول الله عز وجل (خُذِ الْعَفْوَ) يعني إياك أن تحمل في صدرك على أحد لأنه لم يوافقك على الأمر الذي تريد وهنا نلاحظ أن كثيراً من الناس تجده يعيش زمانه وهو يشمت بالناس ويسخر منهم ويحاسبهم ويعاتبهم على تقصيرهم في حقه، فلان طلبت منه خدمة فلم يقم بها، فلان أردت منه أن يفعل كذا فلم يفعل، فلان نصحته فلم يمتثل، فلان كانت عنده مناسبة أو وليمة أو عرس أو جمع الناس ولم يطلب مني أن آتي ولم يدعني كما دعا سائر الناس، تجده دائماً يتشكى من الناس الذين لم يقدروه قدره ولم يعرفوا له حقه. نقول (خُذِ الْعَفْوَ) إن دُعيت فأجِب، إن أُحسِن إليك إفرح، إن أُسيء إليك فاقبل واطمئن واعلم أن هذه النفوس بيد الله عز وجل. قال الله جل وعلا (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) لا يعني لك إذا فعلت الذي فعلت أو رأيت الناس على تلك الحال أن لا تأمر بالمعروف مُر بالمعروف ودٌلّ الناس على الخير ليكن قصدك وحظك أن تدل الناس على الله ولا يكن قصدك وحظك أن تأخذ بحقك من الناس. إياك أن تدعو وأنت تريد من الناس أن يحترموك ويقدروك وأن يكرموك وأن يرفعوا منزلتك وأن يقوموا بشأنك ولكن ليكن همك أن تأمرهم بالمعروف وتدلهم على ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، وهذا أمر عظيم. عندما تكون مع الناس إنسَ نفسك وقم بحق الله عز وجل وإذا قمت بحق الله فإن الله سيسخّر هؤلاء الناس لك يقومون بحقك. إذن مُر بالمعروف قم بالواجب وأد ما أوجبه الله عليك من الأمر بالمعروف والنصح لخلقه والقيام بشؤونهم وإياك أن تنتظر منهم أن يردوا إليك هذا الجميل أو أن يحسنوا إليك بل خذ منهم ما سمحت به أنفسهم وما تفضلت به ولا تلمهم على شيء ادخروه عنك. وأنت قم بما أوجب الله عليك فأُمر بالعرف وإذا أمرت بالعرف ماذا يكون؟ لا بد أن يصلك شيء من الأذى من الخلق ولا بد أن يصيبك شيء من ظلمهم وبغيهموعدوانهم فإن هذه سنة الله عز وجل فيمن يأمرون بالمعروف ولذلك قال (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) فأنت سينالك شيء من جهلهم وعدوانهم فإياك أن تقابل الجهل بجهل مثله. فإذا أمرت إنساناً أن يصلي وقلت له صلِّ يا فلان أو قلت له يا فلان حضرت الصلاة فقم إلى الصلاة فقال إذهب، أُغرب عني، دعني وما أنا فيه، لكم دينكم ولي دين، يا رجعي، يا أصولي، مالك ولي؟ نحن في دولة ديموقراطية، مالك والناس؟ عليك أن يخصك. إياك أن يحملك هذا الكلام من هذا الرجل الذي استفزك بأن ترد عليه بمثل كلامه، أعرض عن الجاهلين. أنت أمرت ولا يأمرك الله عز وجل بشيء أكثر من ذلك. انتبهوا لهذا المعنى العظيم وهذا المعنى الطيب (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) ولذلك الداعية الحق عندما يدعو لا يلتفت إلى الوراء ولا يحاسب الناس بل يدعو إلى الله عز وجل ويقابل السيئة بالحسنة (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (34) فصلت) هذا ما سيكون حقاً وهو أن تقابل جهل الجاهلين بالإحسان منك فإنك سترى أثر ذلك واضحاً عليك وعلى طريقة تعاملهم معك قال (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) كأنه بسبب إحسانك إليه ولي حميم (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) فصلت) جعلني الله وإياكم منهم.

 

قال الله عز وجل (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) إذا وسوس الشيطان في قلبك وقذف في قلبك شراً وقال لك انظر ماذا يفعل هذا الرجل، ماذا قال هذا الرجل، فلان لم يحترمك وفلان لم يقدرك وفلان لم يستمع إليك، متى نزغ الشيطان بنزغ من عنده فرُدّ كيده بشيء واحد لأن كيد الشيطان كان ضعيفاً، رُدّه بشيء واحد وهو أن تعتصم بالله وحده وبجنابه الكريم من شر الشيطان الرجيم فتقول أعوذ بالله من شر الشيطان ويرتد على عقبيه. وهذا جاء بعد قوله (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) ومناسبة ذلك أتم مناسبة لأن الإنسان في أول الأمر قد يُعرض عن الجاهلين لكن الشيطان يأتي إليك ويقول لك فلان يسخر منك وتتركه؟ فلان يحط من قدرك ولا ترد عن نفسك؟ بل إنه أحياناً يتلبس لبوس الدين غيرة للدين فيقول يؤذيك ويسب دينك ولا تنتصر لدينك؟ إنتصر لدينك وهو يريد أن يغرر بك ويوسوس لك بحجة أنه يريد إكرامك. قال الله عز وجل (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ) إذا جاءت هذه الوساوس إلى قلبك وبدأت ترد على فؤادك فاحذر والجأ إلى الله لردّها فإنك لا تستطيع أن تدافع إبليس. المسيء إليك من بني الإنسان تدفعه بالإحسان (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) أما إبليس فلا تنفع معه مداراة عدو حقيقي لدود لا يرضى إلا أن تدخل معه في نار جهنم، هذا الذي يرضيه، إذن ماذا تفعل؟ في هذه الحالة مالك إلا شيء واحد وهو أن تستعيذ بالله وأن تعتصم بجنابه الكريم فتقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فيندحر أو تقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إنه هو السميع العليم أي الله فيندحر إبليس أو تقول أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم فيندحر إبليس. هذا الذي يجب علينا عندما ينزغ الشيطان في قلوبنا نلجأ إلى الله ونستعيذ بجنابه. وهنا قد يسأل سائل لماذا؟ لأن الشيطان لا يُرى ولا يُعرف مكانه والأعلم بكيده ونزغاته ووساوسه هو الله والأقدر على ردّ ذلك هو الله، إذن اختصر الطريق، تجلس أنت تدافع وتدافع، إلى متى؟ أنت تمل وهو لن يمل وسيبقى لأنه خلق من أجل هذا وأنت لا قدرة لك ولا طاقة بك على المصابرة في هذا الباب إذن إختصر الطريق واتصل بالله الذي خلقك وخلقه وهو أدرى بضعفك وأسمع لدعائك وقل أعوذ بجنابك يا الله من شر هذا الشيطان فيندحر الشيطان ويذهب ولا يصل إليك بإذن الله. أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه وأن يجعلنا جميعاً ممن يأخذون العفو ويأمرون بالعرف ويعرضون عن الجاهلين وإذا نزغهم من الشيطان نزغ استعاذوا بالله إنه هو السميع العليم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل