أضواء المقاطع - الجزء 10 - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

أضواء المقاطع - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

الجزء العاشر

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. هذا هو المجلس العاشر من برنامج أضواء المقاطع وحديثنا اليوم في الجزء العاشر وفي سورة التوبة في الآية 71 يقول الله عز وجل (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72)) يصف الله سبحانه وتعالى المؤمنين بأنهم يوالي بعضهم بعضاً ويحب بعضهم بعضاً وينصر بعضهم بعضاً ولا يرضى أحد منهم أن يصل لأخيه شيء من الأذى فهو يرى أن أخاه هو جزء منه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر". فهذا هو حال المؤمنين ولذلك يجب علينا أيها المسلمون أن نراعي حق الولاية للمؤمنين متى ضعفت هذه الولاية في قلبك فاعلم أن هذا دليل على ضعف إيمانك لأن الله تعالى قال (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ) وهذا الأمر يتحتم علينا في مل عصر وفي كل مصر ولا يجوز أن نخضعه للاختلافات السياسية والعصبيات الجاهلية وننسى ما أوجبه الله علينا من الولاية الإيمانية فنحن يجب علينا أن نحب إخواننا وأن ننصرهم وأن نكون معهم في سرّائهم وفي ضرّائهم وأن نتفقد أخبارهم ونعينهم عندما يصيبهم ضيم أو ظلم هذا مقتضى الولاية الإيمانية ولا نخضع هذا للخلافات السياسية أو للمشاكل التي بين الدول وبين الأحزاب بل يجب علينا أن نتقي الله في ذلك فنقوم بهذه الولاية خير قيام. قال الله عز وجل (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ) لما ذكر أن بعضهم أولياء بعض ذكر الصفات وهذه الصفات لها علاقة بهذه الولاية لأن المؤمنين إذا تولى بعضهم بعضاً لا شك أنهم سيقومون بهذه الصفات التي ذكرها الله وهي أولاً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله. هل تتصورون أن مؤمناً يكون موالياً لمؤمن لا يأمره بالمعروف ولا يدله على طريق الجنة ولا ينهاه عن المنكر ولا يحذّره من طرق النار؟ لا يمكن ذلك. المحبة العاطفية الجوفاء الباردة الباهتة التي تكتفي بالابتسامات والكلمات الحلوة ليست هي مقصود الولاية وإنما مقصود الولاية أخوة إيمانية صادقة تجعل من المؤمن إنساناً مشفقاً على أخيه ناصحاً له محباً للخير أن يصل إليه في دنياه وفي أخراه. وقد عاهد النبي صلى الله عليه وسلم جملة من أصحابه على النصح لكل مسلم بل قال النبي صلى الله عليه وسلم ما هو أبلغ من ذلك قال: "الدين النصيحة" قلنا لمن يا رسول الله؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. فبيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الدين هو النصيحة وأن النصيحة تكون لله بتوحيده واتّباع أمره وتكون لرسوله كذلك وتكون لكتابه أيضاً وتكون لأئمة المسلمين وعامتهم بنصحهم ونصرتهم والأخذ على ايديهم ودلالتهم على الخير في كل حال أئمة المسلمين وكذلك عامتهم. وهنا عندما ذكر الولاية ذكر أول مقوم من مقوماتها وأول مظهر من مظاهرها وهو أن نكون مترابطين وأن يخشى كل واحد منا على أخيه كما يخشى على نفسه ولذلك إذا رأى أخاه قصّر في معروف نبهه وإذا رآه قد وطيء على منكر حذّره دعاه وأشفق عليه وناداه، فلنتقي الله سبحانه وتعالى في هذه الولاية. ثم قال (يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) تأملوا كيف بدأ بهما وهذا من أعاجيب هذه الآية مع أن الذي جاء بعدهما أولى منهما ولكن أبرزهما الله عزووجل اعتناءً بهما ودلالة على أن الولاية لا تكون صادقة ولا تتحقق إلا بهما وإلا طاعة الله ورسوله هي أولى من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن أردنا أن نفصل، علماً أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من طاعة الله ورسوله ولكن طاعة الله ورسوله أعمّ وأشمل وتستوعب الدين كله، فلننتبه لذلك. إنما قُدِّما إعتناء بهما وقُدِما لصلتهما بالولاية الإيمانية والأخوة التي يجب أن تكون بين المؤمنين. قال (يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ) ما هو المعروف؟ المعروف هو كل ما عُرِف بالشرع والعقل حسنه فهم يأمرون به كل ما كان حسناً عند الله وعند الناس مما لا يخالف الشرع فإنه يجب علينا أن نأمر به وندل عليه. تأمر بالصلاة لأنها معروف وتأمر ببر الوالدين لأنه معروف وتأمر بصلة الأرحام وتأمر الإنسان أن يغير إطار سيارته لأنه قديم فهذا أمر بالمعروف وتأمر فلان أن يضع اللون الفلاني على جدار بيته لأنه أصلح له فهذا أمر بالمعروف. إذن كل ما عرف حسنه بالشرع والعقل فهو معروف فنأمر به. ثم قال (وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَر) يحذرون ويأخذون بحجز إخوانهم عن الوقوع في المنكر، فما هو المنكر؟ المنكر هو كل ما عُرِف قبحه بالشرع والعقل، فما عُرِلإ قبحه بالشرع والعقل ينهون عنه سواء كان ذلك نهياً عن الزنا أو عن الشرك أو عن شرب الخمر أو عن النميمة والغيبة أو حتى نهياً عن الأشياء التي لا تصلح بها الحياة فلو أراد إنسان أن يشرب مشروباً يضر به وقلت له يا فلان إحذر هذا المشروب فهذا من النهي عن المنكر. قال الله عز وجل (وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ) أتبع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بغقامة الصلاة لأن إقامة الصلاة عونٌ على إقامة بهاتين الشريعتين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأقم الصلاة ترى من نفسك قوة وقدرة وطاقة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولاحظوا كيف أن الصلاة عندما ذكرت لم تذكر بلفظ يصلّون وإنما بلفظ يقيمون الصلاة وهذا يكاد يكون في سائر القرآن إلا ما شذّ وهو قليل مثل قوله عز وجل (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) الكوثر) فيقول يقيمون الصلاة أي يؤدونها على وجه الإقامة قائمين بشروطها وأركانها وواجباتها خاشعين فيها مقبلين فيها على الله عز وجل متبعين فيها لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذه هي الصلاة التي تأمرك بالمعروف وتنهاك عن المنكر وهي التي تعينك على الأمر بالمعروف وعلى النهي عن المنكر كما قال الله عز وجل (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45) العنكبوت). قال (وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) لما ذكر حق الله ذكر حق المخلوقين لأن هذا هو بناء الدين. الدين ليس حقاً خالصاً لله عز وجل بمعنى عبودية من العبد لربه فقط بل هي حق لله وقيام أيضاً بحقوق المخلوقين الذين أوجب الله علينا أن نقوم بحقوقهم كالوالدين والأصدقاء والأقارب والزوجة والولد والأيتام وكل من أوجب الله عز وجل علينا تجاههم حقاً. فالله عز وجل ذكر حقه بإقامة الصلاة ثم ذكر حق المخلوق بقوله (وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) ونلاحظ في سائر القرآن أن إيتاء الزكاة يقترن بإقامة الصلاة أولاً لأنهما ركنان في الإسلام مقترنان وثانياً لأن إقامة الصلاة حق الله وإيتاء الزكاة حق المخلوق ولا قيام للدين إلا بالقيام بحق الله وحق المخلوق. وأيضاً لأن من اقام الصلاة رزقه الله ومن رزقه الله وجبت عليه الزكاة ولذلك قال الله عز وجل (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132) طه) فمن أقام الصلاة واصطبر عليها رزقه الله ومن رزقه الله وجبت عليه الزكاة. ثم قال الله عز وجل مبيناً ما هو أعم من ذلك شاملاً كل مسائل الدين لأننا لا نأخذ جزءاً من الدين مما نهوى ومما لا نهوى أو مما هو سائر في بيئتنا وسائر في جماعتنا وندع ما سوى ذلك بل نحن نطيع الله ورسوله في السراء والضراء وفي المنشر والمكره وفيكل أمر. قال الله عز وجل (وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ) وعطف الرسول على الله لأن طاعة الرسول هي طاعة لله سبحانه وتعالى والنتيجة فيهما واحدة. قال (أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ) من أراد الرحمة فعليه بالقيام بهذه الأمور الخمسة يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله هؤلاء هم الحقيقون بالرحمة ليس كما يقول بعض الناس الله غفور رحيم وهو يرتكب المعاصي وينتهك حدود الله ولا يقوم بما أوجب الله، لا، الحقيقون برحمة الله هم أولئك الذين يفعلون هذه الأمور ويؤدونها حق الأداء قال الله عز وجل (إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). إذن إذا أردنا أن نكسب رحمة الله وأن نستجلبها لأنفسنا فعلينا القيام بشروطها التي ذكرها الله عز وجل أسأل الله أن يعينني وإياكم على ذلك. أقول في ختام هذا اللقاء اللهم اجعلنا ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويطيع الله ورسوله في كل حال إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل