أضواء المقاطع - الجزء 11 - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

أضواء المقاطع - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

الجزء 11

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد فهذا هو المجلس الحادي عشر من برنامج أضواء المقاطع واليوم نتحدث في الجزء الحادي عشر في سورة يونس الآية 61، قال الله عز وجل (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (61) أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64)) هذه الآيات تحيي في نفوس المؤمنين مراقبة الله سبحانه وتعالى وتُعلِمنا بأن الله سبحانه وتعالى مطلع علينا لا يخفى عليه شيء من أمرنا كما قال سبحانه وتعالى (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (59) الأنعام) فالمؤمن عندما يقرأ هذه الآية يمتلئ قلبه من مهابة ربه ومن خشيته ومن علمه باطلاع الله عليه في كل أحواله، لا يعزب عن ربنا سبحانه وتعالى مثقال ذرة مما نعمل ولا مما نقول ولا مما نُضمر ولا مما نجهر به. يقول جل وعلا (وَمَا تَكُونُ) أي يا محمد وإن كانت صورة الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم إلا إنها عامة في حق كل أحد، (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ) أي شأن كان، شأن في بيتك، شأن مع الناس، شأن في الليل شأن في النهار شأن يخص شأن يعم الناس، إلى آخر ما هنالك (وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ) أي ما تتلوه من هذا الكتاب من قرآن أي من آية أو جملة أو كلمة. (وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) ما تعملون من عمل ولاحظوا كيف تأتي المبالغة في هذه الآية بالاتيان بكلمة (من) فإن (من) هنا إنما يؤتى بها لللمبالغة في العموم أي تعم جميع الأشياء، ما تعملون من عمل أيّ عمل كان صغيراً كان أو كبيراً قليلاً كان أو كثيراً يُرى عند الناس أو يكون سراً في الظلام أو تحت الشمس. (إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) يعني إذ تعملون ذلك الشيء وتقومون به وتأخذون في صنعه والقيام به. (إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا) أي نحن مطلعون، عالمون لا يخفى عنا شيء ولا يعزب عنا مثقال ذرة. وقال الله عز وجل (وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ) لاحظوا كيف تأتي (من) مرة ثانية وثالثة للإستغراق في العموم والدلالة على أن أيّ مثقال مهما كان قليلاً فإنه داخل في هذا العموم. (وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ) ومثقال الذرة شيء لا يكاد يرى بالعين المجردة ومع ذلك ربنا سبحانه وتعالى يبين لنا أن هذا لا يعزب أي لا يغيب ولا يخفى عن الله سبحانه وتعالى ولا عن علمه ولا أيضاً عن كتابته. فكل ما يكون في هذا الكون من حركات وسكنات سواء كان لبني الإسنان أو كان للجان أو كان للثقلين أو غير الثقلين من دواب الأرض ومن الطيور وغيرها إلا والله سبحانه وتعالى يعلم أحوالها وقد دوّن ذلك في كتاب وإن ذلك على الله يسير. قال (وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء) سواء كان ذلك في الأرض أو كان في السماء (وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ) ما هو أصغر من الذرة وما هو أكبر منها كله في كتاب مبين ومعلوم أن الكتابة هي مرحلة من مراحل الإيمان بالقدر. فالإيمان بالقدر إيمان بعلم الله عز وجل الواسع الشامل وسع كل شيء رحمة وعلماً ثم الإيمان بكتابته لهذا العلم فالله عز وجل لما خلق القلم قال له اكتب فكتب ما هو كائن وكان ذلك قبل أن يخلق الله السموات والأرض بخمسين ألف سنة ثم بعد ذلك المشيئة مشيئة الله للأشياء ثم خلقه لها وإيجاده لها بعد العلم والكتابة والمشيئة فهذه مراتب الإيمان بالقدر لا بد على المسلم أن يؤمن بها وأن يعلم أن كل ما كان وكل ما يكون من أعمالنا وأحوالنا وأعمال غيرنا من الإنس والجن ومن في السماء حتى حركة الدواب كل ذلك قد دون وسجل ولا يخفى على الله منه شيء.وإذا كان هذا المخاطب به هو ما يتصل ببني الإنسان أو المكلفين الذين أُنزل عليهم القرآن فإن الله عز وجل قد بيّن في آيات أخرى أن حركات حتى الحيوانات محسوبة ومقدرة ومكتوبة ومقدرة (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) الأنعام) فإذا كان هذا في غير المكلفين فما بالكم بغير المكلفين؟! وبهذا نعلم أن مجالسنا هذه وأن هذا الجهد وهذه الخطوات التي نخطوها لبيوت الله عز وجل كلها مكتوبة وكلها محسوبة ولا شيء يخفى على الله عز وجل منها. قال الله جل وعلا (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62)) يبين الله سبحانه وتعالى أن أولياءه لا خوف عليهم ولا يحزنون وهؤلاء أضيفوا إلى الله جل وعلا إضافة تشريف وتكريم وهم القريبون من الله الذين عبدوا الله حقاً وقد جاء تفسيرهم في الآية التي تليها بقوله (الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ) فهؤلاء هم أولياء الله ولذلك لا ينبغي أن يختلف في تفسير الولي لأنه قد جاء تفسيره في القرآن العظيم فهذا مما جاء البيان في القرآن بتبيانه وكشفه فلا حاجة لنا لمعرفة ما يقال في غير القرآن. ولي الله هو الذي آمن واتقى الله ولذلك ليس الولي هو الذي تجري على يده المعجزة أو الخارقة أو الكرامة ولكن الولي الذي يؤمن ويتقي ولذلك قال الإمام الشافعي إذا رأيت الرجل يمشي على الماء أو يطير في الهواء لا يغرنّك حتى ترى إلى عمله أيوافق الكتاب والسنة أو يخالفهما؟ فنحن لا نعرف الناس بالكرامات ولا نعرف الأولياء بخوارق العادات وإنما نعرفهم بإيمانهم وتقواهم لله عز وجل فإذا كان متخلفاً عن أداء الواجبات ومتهاوناً في أداء المفروضات ومتعدياً لحدود الله منتهكاً لحرماته فلا والله لا يمكن أن يكون ولياً لله حتى وإن تمخرق على الناس وجاء بالعجائب. فالله عز وجل بيّن لنا حالهم هنا وقد جمع وصفين (الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ) فالإيمان وصف دائم ثابت لهم والتقوى وصف أيضاً من أوصافهم العظيمة وحقيقة التقوى أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية بفعل أوامره واجتناب نواهيه كما قال الشاعر:

خلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى

واصنع كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى

لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى

 

هذه هي حقيقة التقوى فسّرها بعض السلف بتفسير التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله وأن تترك معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله. وعلى كل الأحوال فتفسير العلماء للقتوى يدور حول هذا التفسير. هؤلاء الأولياء قال الله عز وجل (لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ) لهم البشارة والبشارة هي ما يقدم للإنسان قبل حصوله على الجائزة فيبشر ويُسر بسماع الخبر السار أبشِ{ برضوان الله وأبشر برحمة الله. (لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ) يقول العلماء إن هذه البشرى تكون بالرؤيا الصالحة التي يراها المؤمن أو تُرى له وهذا بحمد الله كثير فإن كثيراً من الصالحين يُرى ما أعد الله عز وجل له من المنزلة والكرامة سواء يرونه بأنفسهم أو يراه غيرهم لهم وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن النبوة ذهبت وبقيت المبشرات، قيل وما المبشرات يا رسول الله؟ قال الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو تُرى له. هذا واحد من المبشرات والثاني هي تلك البرشى التي ينالها أو يسمعها أو يحصل عليها المؤمن عندما يكون في اللحظات الأخرى من حياته كما قال الله عز وجل (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ (31) فصلت) فالمؤمن إذا كان في حالة الاحتضار تأتيه الملائكة وتبشره وتقول له أبشر بما يسرّك عند الله فالملائكة تبشر وبذلك يُسر المؤمن ويُرى المؤمن في كثير من الأحوال ضاحكاً مسروراً مبتهجاً هذا السرور لأنه رأى ملائكة بيض الثياب فيهم من الدلالات والعلامات ما يسر المؤمن كما ورد في حديث البراء بن عازب إن المؤمن إذا حضره الموت جاءه ملائكة بيض الوجوه بيض الثياب فقالوا اخرجي أيتها الروح الطيبة إلى روح وريحان ورب غير غضبان فتخرج من فمه كما تسيل القطرة من فم السقاء وهذا في حديث طويل رواه الإمام أحمد وأبو داوود والنسائي وغيرهم. قال الله عز وجل (لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ) لهم البشر في الآخرة بدخولهم الجنة فهم إذا خرجوا من الصراط جاءت الملائكة تبشرهم تتلقاهم الملائكة وتبشرهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون تبشرهم بالجنة فيسروا وتقر عينهم. وايضاً تكون لهم البشرة بعد دفنهم فإنهم يأتيهم من يأتيهم في قبورهم فيبشرهم بجنة الله عز وجل حتى إنه يفتح لكل واحد من المؤمنين باب إلى الجنة فيأتيه من روحها وريحانها فيقول يا رب أقم الساعة يا رب أقم الساعة لما يعلم أن ما ينتظره خير مما هو فيه. قال الله عز وجل (لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ) أي ذلك وعد من الله حتماً سيقع والله لا يخلف الميعاد والله لا يغيّر ما وعد به عباده فعل المسلم أن يطمئن وأن يعلم أن هذا الوعد من الله لا تغيير فيه ولا تبديل. قال الله عز وجل (ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) أي ذلك الفوز الذي فازه هؤلاء والخير الذي حصّله هؤلاء الأولياء جعلني الله وإياكم منهم هو الفوز الذي يجب أن يتنافس الناس فيه وهو أعظم الفوز أن ينالوا هذا الرضوان وأن ينالوا هذه المبشرات في الدنيا والآخرة. أسأل الله بمنّه وكرمه أن يجعلني وإياكم من أوليائه المتقين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون أسأل الله بمنه وكرمه أن يجعلني وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل