أضواء المقاطع - الجزء 13 - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

أضواء المقاطع - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

الجزء 13

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فهذا هو المجلس الثالث عشر من مجالس هذا البرنامج المبارك أضواء المقاطع نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما فيه من العلم والهدى والإيمان. في هذا المجلس نأخذ مقطعاً من الجزء الثالث عشر من سورة إبراهيم من الآية 35، قال الله عز وجل (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (36) رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللّهِ مِن شَيْءٍ فَي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء (38) الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء (39) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41)) إلى آخر الآيات التي ذكرها الله عز وجل من قصة إبراهيم ودعواته في سورة إبراهيم. في هذه الايات يذكر الله سبحانه وتعالى قصة إبراهيم ليحتج بها على المشركين. المشركون الذين اشركوا في البلد الحراك ليقول لهم إن أباكم إبراهيم جاء بالتوحيد وبالحنيفية وبنبذ الأصنام ودعا الله سبحانه وتعالى أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام فكيف خالفتم طريقته وسلكتم غير مسلكه وجئتم بهذا الشرك العظيم الذي غيرتم به ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام. ولذلك قال (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ) أي واذكر يا محمد إذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمناً. والذي يظهر والله أعلم أن هذا الدعاء كان بعد أن بنى إبراهيم البيت وبعد أن كبر إسماعيل عليه الصلاة والسلام بخلاف الدعاء الذي كان في سورة البقرة (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126)) ولذلك نكّر (بلداً) في سورة البقرة وعرّفها في هذه السورة لأن هذا البلد صار موجوداً ولذلك قال (رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِنًا) فدعا الله سبحانه وتعالى أن يجعله آمناً ما يقصده جبار بسوء إلا قصمه الله. ولذلك أبرهة لما  قدم إلى البيت يريد أن يفسده وأن يهدمه قصمه الله سبحانه وتعالى وأرسل عليه الطير الأبابيل فجعله الله عز وجل آمناً وأمر بأن يأمن وأن يؤمّن (وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا (97) آل عمران) لذلك لا ينفر فيه الصيد ولا يصطاد لأنه إذا دخل الصيد فيه دخل في هذا الحكم وهو أن يكون آمناً. (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ) إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع قربه من ربه وكونه إمام الحنفاء واب الأنبياء إلا أنه لا يدع الدعاء. بل إني لا أعلم في القرآن نبياً ذكرت أدعيته كما ذكرت عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ويكاد ذلك يكون مضطرداً في سائر المواطن التي ذكر فيها إبراهيم عليه الصلاة والسلام ما من موطن إلا وتجد له فيه دعاء أودعاءين أو عدداً من الدعوات. وهنا قال (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ) إجعله آمناً ليقرّ من فيه وليكون الأمن سبباً لأن يعبدوك ويوحّدوك ولا يشركوا معك أحداً سواك. ولذلك قال بعدها (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ) وهذا يدعونا لأن نتذكر أن من أعظم أسباب وقوع الخوف وأعظم اسباب حصول المكروه في الأمن هو أن لا يعبد الناس ربهم سبحانه وتعالى وألا يفردوه بالعبادة وهذا ما حصل للمسلمين في هذه العصور الأخيرة لما اختل أمر الشرك فيهم بمعنى أنه دخل عليهم الشرك واختل أمر التوحيد دخل عليهم الخوف ولن يعود إليهم الأمن حتى يعيدوا هذا التوحيد ويكونوا على الجادة التي كان عليها إبراهيم ومحمد صلى الله عليه وسلم وعليها سائر الصحابة رضوان الله عليهم ومن سار على نهجهم. وهذا أمر في غاية الدقة والخطورة كما قال الله عز وجل (الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (82) الأنعام) بظلم أي بشِرك، فمتى أخللنا بالتوحيد جاءنا الخوف ومتى حققنا التوحيد جاءنا الأمن بإذن الله عز وجل. الأمن في الدنيا والأمن في الآخرة. ثم قال إبراهيم (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ) ماذا نستفيد من هذا؟ نستفيد أن إبراهيم على جلالة قدره وعلو منزلته وقربه من ربه سبحانه وتعالى يخاف على نفسه من عبادة الأصنام فيقول (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ) وهل المراد ببنيه جميع ذريته أو المراد من بنيه الذين من صُلبه؟ الذي يظهر أن المراد هنا هم من كان من صلبه فقد وقاهم الله سبحانه وتعالى أن يعبدوا الأصنام بل كان الذين من صلبه أنبياء أخيار من خيرة عباد الله وهم إسماعيل وإسحق. قال (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ) أي هذه الأصنام أضلت كثيراً من الناس واليوم هذه الأصنام لا تزال تضل كثيراً من الناس وما يزال كثير من الناس يخضع لها ففي الهند وحدها يعبد من الآلهة ملايين كل ما يُخاف وكل ما يُرجى وكل ما يُحب وكل ما يُطمع يُعبد حتى فرج المرأة وذكر الرجل يُعبد من دون الله عز وجل وهكذا في سائر أمم الأرض إلا من وقاهم الله وجنبهم عبادة الأصنام فإنهم قد ضلوا بعبادة هذه الأصنام. قال (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) أي من عصاني فأشرك وعبد الأصنام فإنك غفور رحيم وليس في هذا بيان لطلب إبراهيم بأن يشفع لهم ولكن بيان لتمام مشيئة الله وأنه يتصرف في عباده كيف يشاء. قال الله عز وجل (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) يقول لربه سبحانه وتعالى مناجياً ومخاطباً وداعياً إني أسكنت من ذريتي أي من أولادي لأنه لم يذكر كل ذريته وإنما أسكن هاجر التي أهدتها له سارة وولدها إسماعيل قال (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) يعني الوادي الذي فيه البيت الحرام وادي مكة. (عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) هذا البيت الذي جعله الله سبحانه وتعالى محرّماً فلا يحل فيه الصيد ولا القتل ولا القتال هذا البيت المعظم المشرّف. قال (رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ) أي جعله الله محرّماً من أجل أن يقيموا فيه الصلاة أي من أجل أن يكون محلاً للعبادة. ولما كانت العبادة شيئاً كثيراً ذكر الله عز وجل أعلاها وأجلّها وهي إقامة الصلاة فقال (رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) انظروا كيف جاء الدعاء قال (أفئدة من الناس) ولم يقل أفئدة الناس لأنه لو قال أفئدة الناس لغالبنا على البيت كما قال ابن عباس فرس والروم وجميع أمم الأرض ولكن إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال أفئدة من الناس وهي افئدة المؤمنين فهؤلاء تهوي قلوبهم وتأوي وتشتاق أشد الشوق لبيت الله الحرام وهذا شيء شاهدناه ورأيناه في عباد الله، رأينا كيف أن المسلم منذ أن يفتح عينيه على الدنيا وهو يشتاق إلى بيت الله وذلك إجابة لدعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام فما زالت دعواه مباركة وما زالت إلى اليوم. والعجيب أن هذه الآيات جاءت بعد قول الله عز وجل (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء (24)) ما هي الكلمة الطيبة؟ قيل لا إله إلا الله وقيل كل كلمة طيبة أصلها ثلبت وفرعها في السماء وكذلك كلمة إبراهيم عليه الصلاة والسلام أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها فالناس في كل زمان وفي كل مكان ومن ذاك العصر إلى اليوم وهم يتفيئون ظلال وبركة دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام. قال الله عز وجل (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) أي إجعل هذا البيت آمناً ليقيموا الصلاة واجعله محرّماً ليقيموا الصلاة وارزقهم من الثمرات لعلهم أن يعبدوك ويتفرغوا لعبادتك ومكة من بين بلاد الله من سائر الأزمان ترزق من الثمرات بما لا يرزق بها غيرها. فتجد فيها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء وتجلب لها الخيرات من كل أصقاع الأرض وتأتي مع الحجيج من كل مكان وهي أرض جرداء لا زرع فيها ولا ماء ولكن الله سبحانه وتعالى بفضله ومنّه وكرمه وإجابته لدعوة خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام قد جلب لها الأرزاق وهيأ لها الأمور. ثم قال الله عز وجل (رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ) يعني إني لم أقصد بهذا الدعاء إلا وجهك ولا أريد إلا الخير لبيتك وحرمك ولقطان هذا الحرم ولمن وحدوك قال (وَمَا يَخْفَى عَلَى اللّهِ مِن شَيْءٍ فَي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء) انظروا كيف يخلط إبراهيم في دعائه الثناء على ربه والاعتراف له والانطراح بين يديه والخضوع التام له جل جلاله. قال (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء) كأنه يقول إسمع دعائي وأجبني يا رب كما سمعت دعائي الأول وأجبتني إليه عندما دعوتك أن ترزقني بالذرية فرزقتني بإسماعيل وإسحق على كبر من سني، رزق إسماعيل وعمره 99 ورزق إسحق وعمره 112 عاماً. قال الله عز وجل (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء) ختم بإقامة الصلاة لأن إقامة الصلاة هو عنوان العبودية قال النبي صلى الله عليه وسلم "الصلاة خير موضوع فمستقلٌّ ومستكثر" اي خير شيء وضعه الله. (وَمِن ذُرِّيَّتِي) قال بعض العلماء هذه للتبعيض أي من ذريتي من يقيم الصلاة لأنه قد علم أن بعضهم يكفرون ومنهم من قال أن (من) هنا بيانية أي واجعل ذريتي كذلك. (رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء) هذا فيه مشروعية أن يقول الإنسان اللهم تقبل دعائي في ختام دعائه. ثم يختم بالاستغفار (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) ودعا لوالديه قبل أن يُنهى عن الدعاء لأبيه فإنه لما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه. قال (وَلِلْمُؤْمِنِينَ) أيضاً فيه مشروعية الدعاء للمؤمنين ومشروعية إذا دعا الإنسان أن يدعو لنفسه أولاً ثم لوالديه ثم للمؤمنين يوم يقوم الحساب. أسأل الله أن ينفعني وإياكم بكلامه وكتابه وأن يجعلنا وإياكم من الهداة المهتدين. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل