أضواء المقاطع - الجزء 14 - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

أضواء المقاطع - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

الجزء 14

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فهذا هو المجلس الرابع عشر من برنامج أضواء المقاطع نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بكتابه وأن يجعلنا من الهداة المهتدين الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. مقطعنا من الجزء الرابع عشر ومن سورة النحل تحديداً من الآية 112، قال الله عز وجل (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (112) وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113) فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلالاً طَيِّبًا وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالْدَّمَ وَلَحْمَ الْخَنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (115)) في هذه الآيات يبين الله سبحانه وتعالى جزاء من يكفرون بنعمة الله وهذه السورة سورة النحل يسميها كثير من السلف سورة النعم لأنها ذكرت نعم الله النعم التي أنعم بها على الإنسان وقال الله عز وجل فيها (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا (18)) أي إن نعم الله عليكم كثيرة لو اجتمع الناس على عدها لم يستطيعوا إحصاءها. وقد ذكرت هذه النعم إجمالاً وتفصيلاً تأصيلاً وتفريعاً وهنا قال في ختام السورة (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ) هذا يقال إنه مثل لأهل مكة ضربه الله لهم بأمة سبقت وأمة بادت حلّت بها عقوبة الله جل وعلا وقال بعضهم بل المقصود بهم أهل مكة فالذين قالوا إن المقصود بهم أهل مكة قالوا إنهم بالفعل كانوا أهل قرية آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فبعث الله لهم محمداً صلى الله عليه وسلم فكفروا بأنعم الله وكذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجحدوا هذا الخير العظيم من الله بأن عبدوا مع الله غيره، الله يرزقهم وهم يعبدون سواه ويشركون معه أحداً غيره، فماذا فعل الله بهم؟ أذاقهم الله لباس الجوع والخوف. جعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسلط عليهم سنيناً كسني يوسف عليه السلام فسلطت عليهم سبع سنين رأوا فيها شدة حتى إنهم في أحد هذه السنين ذهب لهم كل شيء حتى أكلوا الجلود وأكلوا الذي لا يؤكل في العادة من شدة الجوع الذي حلّ بهم. وكذلك سلط الله عليهم الخوف وذلك عندما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم فإنهم حصل لهم خوف من رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كانت سراياه تصل إلى نواحي مكة وكان يخافون من أن يتغلب عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ينزل بهم بأسه عليه الصلاة والسلام. وقال بعضهم بل هذا ضرب مثل لأمة حصل لها هذا الأمر فخوف أهل مكة بهم يعني إحذروا يا أهل مكة إن كفرتم وتماديتم فيما أنتم فيه فإن الله قادر على أن يعيد لكم هذا الأمر الذي فعله بمن قبلكم. وهذا يبين لنا أن التاريخ كما يقال يعيد نفسه وأن هذه السنن تتكرر وتأتي مرة بعد أخرى. قال الله عز وجل (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً) آمنة لا تخاف أحداً كما قال الله عز وجل عن أهل مكة (وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا (57) القصص) فالله عز وجل يمتن عليهم بـن من كان حولهم من قبائل العرب كانت تغزوهم القبائل الأقوى منهم وكانوا يتعرضون للسلب والنهب والقتل وكانوا يخافون على أنفسهم وأهليهم وذراريهم وأموالهم وأما أهل مكة فكانوا في أمن مطبق ولم يكن بمكة حصون ولم يكن بها شيء يقيها من الأعداء لِما أمنها الله سبحانه وتعالى به. قال (كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ) وهذا ما قلناه عن مكة لأن الله استجاب فيها دعاء إبراهيم (وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) إبراهيم) أهل مكة كانت تأتيهم الثمار والزروع والفواكه من كل مكان وكانت لهم رحلتان رحلة الشتاء إلى أرض اليمن ورحلة الصيف إلى أرض الشام وكانوا يجلبون من هاتين المنطقتين خيرات كثيرة غير ما يجلبه العرب لهم من الأرزاق والسمن والذبائح والخيرات التي لم تكن لغيرهم من أهل الأرض. قال الله عز وجل (يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا) أي واسعاً كثيراً شاملاً لكل أنواع الطيبات (مِّن كُلِّ مَكَانٍ) وليس من مكان معين كما يحصل في كثير من البلاد، دخلنا بلاداً لا يعرفون بعض أنواع الفواكه أو لا يعرفون بعض أنواع الخضار أو لا يعرفون بعض أنواع الأقوات ولم يروها وذلك لأن الرزق الذي يأتيهم إما من بلادهم أو من مناطق معينة أما مكة وكذلك ما جاور مكة فإن الرزق يأتيهم رغداً من كل مكان تأتيهم الفواكه من التشيلي ومن اسبانيا ومن الصين ومن روسيا ومن اليابان ومن اندونيسيا ومن كل مكان. قال الله عز وجل (فَكَفَرَتْ) يعني قابلت هذه النعم بالكفران والجحود، جحود هذه النعمة أول ما تكون بأن تنسب إلى غير الله وأن يُعبد غير الله سبحانه وتعالى وهو الذي أنعم وتفضل وجحود هذه النعمة أن تصرف في غير طاعة الله فيستعمل مثلاً التمر للخمر ويستعمل الرز ليقدم لمن يعصون الله سبحانه وتعالى ويستعان بع على النوم عن صلاة الفجر. (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ) ماذا فعل الله عز وجل بها عندما كفرت؟ (فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ) تأملوا كيف جاء بالفاء الدالة على الترتيب والتعقيب كأن عقوبة الكفر كفر أنعم الله تكون عاجلة وسريعة وغير مؤجلة لمن كفر بنعم الله. وهذا الكفر ليس المقصود به الكفر العملي وإنما الكفر التام المطبق وقد يُلحق الله عز وجل بعض الكافرين كفراً عملياً بهذا النوع من أنواع العقوبة. ثم قال (لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ) يعني كأنهم ألبسهم هذا الجوع وألبسهم هذا الخوف، كيف ذلك؟ يلبسهم يعني كأنما يحيط بهم من كل جانب فالجوع يأتي إليهم بسبب قلة المطر وبسبب انقطاع الطريق وبسبب غلاء الأسعار وبأسباب كثيرة وكذلك الخوف ياتيهم بسبب تسلط أعدائهم عليهم وبسبب كثرة السُراق وقطاع الطرق وبستت عدم تأمن الطرق واشياء كثيرة من هذا القبيل. فالله سبحانه وتعالى قادر على أن يبدل أمننا خوفاً وشبعنا جوعاً وذلك بيده وحده فلا نأمن عقوبة الله وإيانا وإيانا أن نأمن مكر الله عز وجل بنا إن نحن كفرنا نعم الله!. ما هو المقابل لذلك؟ إن المقابل لذلك هو أن نشكر نعم الله سبحانه وتعالى فإن شكرنا فإن الله لم يعدنا بأن تبقى هذه النعم بل وعدنا وعداً قاطعاً أن يزدنا كما قال في سورة إبراهيم (لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ). قال الله عز وجل (فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ) أي بسبب ما كانوا يصنعون، ليس تقديراً من الله سبحانه وتعالى دون أن يكون السبب منكم فالسبب منكم والفضل منه وحده فهو الذي أنعم وهو الذي تفضل فلما تسببتم بقطع هذه النعمة وقطع هذا الفضل جزاكم بذلك الجزاء وقطع عنكم هذا الخير. قال الله عز وجل (وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ) انظروا ما هو السبب؟ جاءهم رسول منهم يعرفون صدقه ويعرفون أمانته ويعرفون نسبه ويعرفون حاله فكذبوه قابلوا دعوته بالتكذيب فأخذهم العذاب ولاحظوا تأتي كل هذه الجمل معطوفة بالفاء الدالة على التعقيب يعني أن العقوبة تأتي عاجلة لهؤلاء المكذبون. وهم ظالمون لم يظلمهم الله ولكنهم ظلموا أنفسهم نسأل الله العافية والسلامة. ثم يوصينا الله عز وجل ويامرنا بأن نأكل من رزقه وأن نأكل من الطيبات وأن نستمتع بها لكن بشرط أن نشكر نعمة الله فيقول (فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلالاً) أي دون ما سواه (طَيِّبًا) عليكم بالطيب دون ما عداه (وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) اشكروا هذه النعمة. لما كانت هذه لسورة سورة النعم جيء بكلمة (وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ) علماً بأن هذه الاية موجود لها نظير في سورة البقرة قال (وَاشْكُرُواْ لِلّهِ (172)) لكن هذه السورة سورة النعم قال (وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّه) والشكر يكون بالاعتراف بالقلب وإيمانه الصادق الجازم أنه ما من نعمة إلا من الله والشكر يكون باللسان أن يذكر الإنسان نعمة الله على لسانه ويحمد الله عليها والشكر يكون أيضاً بالجوارح كما قال الله عن آل داوود (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13) سبأ). قال (وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) دل بذلك على أن الشكر لا يكون إلا بعبادته وهنا يتبين لنا أننا إذا أردنا أن ننجو من عذاب الله العام أو الخاص فإنه يلزمنا للنجاة من عذاب الله أن نبتعد عن مساخط الله وأن نقابل نعم الله علينا التي لا تعد ولا تحصى بالشكر مقابلها بأن لا نكفر. كم من بيننا من ينعم الله تعالى عليه بالليل والنهار ويغدق عليه الرزق ويعطيه ثم يعطيه ثم يعطيه لكنه مع ذلك غافل عن الله. لو أحسن إليه رجل من عباد الله بأن أعطاه مبلغاً يسيراً أو كفاه مؤونة شيء أو قام معه في أمر تفريج كربة فإنه يجد في قلبه محبة لهذا الرجل ويتمنى أن يرد إليه الإحسان والله سبحانه وتعالى ينعم علينا في الليل والنهار، في الصغر والكبر في أنفسنا وفي أهلينا وفي ديارنا وأوطاننا وفي كل حال من أحوالنا ومع ذلك ننسى الله وننسى نعمته علينا. أسأل الله أن يعينني وإياكم جميعاً على أن نقوم بشكر نعمته علينا. اللهم اجعلنا من الشاكرين واجعلنا من الذاكرين واجعلنا من الصابرين واجعلنا من القائمين بطاعتك على كل حال يا رب العالمين. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل