أضواء المقاطع - الجزء 16 - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

أضواء المقاطع - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

الجزء 16

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فهذا هو المجلس السادس عشر من برنامج أضواء المقاطع ونحن الآن في الجزء السادس عشر من القرآن وفي سورة الكهف تحديداً وفي الآية 103، يقول الله سبحانه وتعالى فيها (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (108)). في هذه الآيات يبين الله سبحانه وتعالى لنا قوماً من الكفار حالهم أنهم يجتهدون في العمل ويظنون أنهم باجتهادهم يحسنون صنعاً وما دروا أن الله سبحانه وتعالى لم يقبل منهم لا صرفاً ولا عدلاً ويقابل ما عملوه بأن يجعله هباء منثوراً كما قال في سورة الفرقان (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا (23)). هؤلاء القوم وصفهم الله بقوله (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) فهم أصيبوا بالضلال فهم كانوا يسعون وكانوا يجتهدون وكانوا يبادرون إلى أعمال كثيرة ولكنها مع كل أسف لم تكن متوجة بالإيمان ولم يرد بها طاعة الرحمن ولم تكن على منهاج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وبذلك خسروا تلك الأعمال وشقوا في الحياة وضل سعيهم الذي سعوه. لقد سماه سعياً مما يدل على أنهم كانوا جادين في عملهم وكانوا بهذا السعي يستحقون أن يجازوا ولكن هذا السعي لما فقد شرطه الأساس وهو الإيمان بالله وتوحيد الله سبحانه وتعالى لم يقبل منهم شيء من ذلك العمل الذي تقدموا به أو تقربوا به. قال الله سبحانه وتعالى مبيناً حال هؤلاء الأخسرين أعمالاً (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) إذن قد يظن الإنسان أنه يحسن صنعاً ولكن لا ينبغي للإنسان أن يظن أن مجرد نيته الطيبة أو ظنه أنه يحسن صنعاً أنه كاف في بلوغ الأجر والوصول إلى الحال الحسنة التي يحبها الله. إنك لن تبلغ رضوان الله ولن تكون على منهاج الله حتى تطيع الله وتطيع رسوله صلى اله عليه وسلم وتؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره وتقوم بالأعمال التي أوجبها الله عليك ولا تظن أن صدقاتك وزكواتك وأعمالك وبرك وصلتك ستؤجر عليها عند الله سبحانه وتعالى فإن هذا كله لا ينفعك كما قال الله عز وجل في سورة البلد (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ﴿١١﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ﴿١٢﴾ فَكُّ رَقَبَةٍ ﴿١٣﴾ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴿١٤﴾ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ﴿١٥﴾ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ﴿١٦﴾ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ﴿١٧﴾ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ﴿١٨﴾) فهؤلاء هم الفائزون. وكذلك قال الله عز وجل (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ (19) الإسراء) لا بد من الإيمان، إذا لم تأت بهذا الشرط الذي تزكو به الأعمال والذي هو شرط قبولها عند الله سبحانه وتعالى فإن سعيك يضل ولا ينفعك يوم أن تلقى ربك وتلقى الجزاء عليه في الدنيا لكنك في الآخرة لن تحصّل منه شيئاً. قال (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) هل هذا مراد به المسلمين؟ لا، هذا يراد به الكفار بدليل قوله سبحانه وتعالى (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) كانت لهم أعمال حبطت لأنهم كفروا بآيات ربهم وكفروا بلقاء الله عز وجل ولم يؤمنوا بالله واليوم الآخر. كما سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ابن جدعان وكان رجلاً كريماً محسناً يفك العاني ويغيث الملهوف ويطعم الجائع فقالت أنافعه شيء من ذلك يا رسول الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنه لم يقل يوماً رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين. قال (فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) أي ذهبت فلم يلقوا من جزاء تلك الأعمال شيئاً لأنهم جاؤوا بها بغير شرطها الذي أراده الله سبحانه وتعالى من كل عامل. قال (فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) يعني يكونون في ذلك اليوم قد خفّت أوزانهم قال الله عز وجل (فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) المؤمنون) وقال (فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11) القارعة) فبيّن الله عز وجل أنه لا يقيم لهم وزناً أي لا يزنون عند الله شيئاً. والميزان يوم القيامة توزن به على الصحيح من أهل العلم الجامع لكل الأحاديث والآيات الواردة في هذا الباب أنه يكون للعامِل وللعمل وللصحيفة فالعامِل يوزن والعمل يوزن والصحيفة التي كتب فيها العمل أيضاً توزن ومن تتبع الايات والأحاديث وجد ذلك واضحاً. وهذه الآية قال الله تعالى فيها (فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) يكونوا خفيفي الوزن إذا وضعوا على الميزان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه البخاري ورواه أبو هريرة رضي الله عنه "إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة وقال اقرأوا إن شئتم (فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا). ولما كان الصحابة يوماً جالسين عند شجرة فصعد ابن مسعود فبدت ساقه وكانت دقيقة جداً فضحك الصحابة من دقة ساقه فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنها لأثقل في الميزان من جبل أُحد. فدلّ ذلك على أن العامل يوزن والعمل يوزن والصحيفة أيضاً توزن. (فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106)) لاحظوا كيف أن القرآن لا يأتي بالعقوبة مجردة من دون ذكر الأسباب التي توقع في تلك العقوبة بل تذكر العقوبة ويذكر السبب الموصل إلى تلك العقوبة كما يذكر الوعد ويذكر السبب الموصل إلى ذلك الوعد الكريم من الرب العظيم. قال (ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا) أي بسبب كفرهم ولأنهم (وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا) استهزؤا بالله واستهزؤا برسل الله صلوات الله وسلامهم عليهم فكذبوهم واتهموهم بالسحر والشعر والكهانة وبأنهم جاؤوا باساطير الأولين وقالوا فيهم أقاويل يربأ المسلم أن يتلفظ بها في حق هؤلاء الثلة الأخيار من أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم. لكن يأتي سؤال وهو أن المؤمن يقرأ هذه الايات فيخاف وأن الصحابة رضوان الله عليهم قد حملوا هذه الايات على بعض المسلمين. نقول نعم، هذه الآيات تحمل على من شابه الكفار في شيء من أعمالهم فمن عمل عملاً من الأعمال الصالحة وهو يعمله لا يتقرب به إلى الله فإن عمله ذلك لن ينفعه وكذلك من عمل عملاً في نظره أنه صالح ولكنه لم يتبع به منهج رسول الله وظن أن عمله هذا يوصله إلى الله سبحانه وتعالى فنقول له انتبه لئلا تكون من الأخسرين أعمالاً. وقد حمل بعض الصحابة هذه الآية ونظائرها على الخوارج لأنهم كانوا يعملون أعمالاً يحقر أحدكم صلاته عند صلاتهم ويقرأون القرآن ولكنه لا يجاوز تراقيهم كما ورد في الحديث فقد كانوا يتعبدون وانوا يفعلون افعالاً ولكن من دون علم فضلّوا وأضلّوا نسأل الله العافية والسلامة. ولذلك حمل بعض الصحابة مثل هذه الآيات عليهم وعلى أمثالهم علماً أن الخوارج لم يكونوا إلا بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم لما ذكر الله هؤلاء ذكر في مقابلهم أهل الإيمان على عادة القرآن في ذكر الوعد والوعيد والترغيب والترهيب وتثنية أحدهما بالآخر فقال جل وعلا (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا) فبدأ بالإيمان ثم ثنّى بالعمل الصالح مما يدل على أنهما قرينان وأنه لا يليق بأحد أن يدعي الإيمان دون أن يكون عنده ما يصدق ذلك الإيمان من العمل الصالح. ولا يجوز لأحد أن يعمل صالحاً دون أن يكون معه سلاح الإيمان الذي تقبل به الأعمال. ماذا لهم؟ (كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا) كأنها من تحقق وقوعها قد صارت ومضت وحكمت وقضي بها لهم علماً بأنهم لم يملكوها ولم يصلوا إليها بعد ولكن من شدة التحقق وتأكيد الوقوع قال (كَانَتْ لَهُمْ) وليست لأحد سواهم. (جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا) وجنات الفردوس هي أعل الجنان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ل"إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة". قال (جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا) ضيافة فالله يجعلها بمثابة الضيافة لهم ولشدة كرامتهم عند الله ولكونهم يكرمون في كل يوم ويبالغ في إكرامهم جزاء ما قدموه وما فعلوه جُعلت الجنة كأنها ضيافة يعني ليست مجرد سكن ومستقر بل إنهم يعيشون فيها كالأضياف. ماذا تفعل بضيفك إذا جاء إليك؟ إنك تكرمه وتحسن غليه وترعى حقه قدر ما تستطيع وتفعل به كل ما بوسعك من الإكرام والإحترام والتقدير. قال الله عز وجل (خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا) أي إن الله كتب لهم الجنة وكتب لهم ما هو أعظم من الجنة وهو الخلود فيها. فإنه لو قيل لك إنك ستدخل الجنة يوماً ثم تموت أو تفنى الجنة، قلت وماذا بعد؟ّ ماذا أنتفع بهذا الخير إن كان لمدة يوم أو لمدة عام أو عامين أو أكثر أو أقل إذا لم يكن خالداً باقياً. قال (خَالِدِينَ فِيهَا) وخلودهم هذا من ورائه شيء وهو أنهم لا يبغون عنها حولا، لا يريدون أن يتحولوا عنها لشدة رضاهم بما آتاهم ربهم فيها، فهم مطمئنون ومرتاحون وملتذون ومسرورون وهو في كل يوم يزدادون نعيماً على النعيم الذي يعطيهم الله سبحانه وتعالى إياه. تأملوا في هذه الاية فإن الله ما ذكرها إلا لأنها تخالف الواقع الذي نعيشه في الحياة، في الحياة إما أن نؤتى النعيم فنفى نحن نموت وندع ذلك النعيم أو يذهب النعيم ونحن نراه وهو يفنى أمام أعيننا فتزداد حسرتنا. أما في الجنة فإن نعيمها لا يزول، شبابها لا هرم بعده ولباسها لا يفنى ونعيمها لا يتحول، لا إله إلا الله! ثم إنه قال (لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا) الدنيا مهما بلغت في لذتها وحبورها وجمالها وأعطت صاحبها ما أعطت إن الإنسان يملها ويبغي عنها حولا يبني البيت فيحسنه ويجمله ويتمه ويفعل به كل ما يشتهيه فإذا سكنه ملّ منه ثم طلب بيتاً آخر أما في الجنة فإن أهلها لا يبغون عنها حولا. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهلها. اللهم اجعلنا من أهل الفردوس الأعلى من الجنة. اللهم اجعلنا ووالدينا ومن نحب وجميع المسلمين من أهل الفردوس الأعلى من الجنة. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل