من سورة الفجر إلى سورة البلد

الأسبوع الحادي عشر والأخير

تفسير النصف الثاني من جزء عمّ – الدكتور محمد بن عبد العزيز الخضيري

الدرس 156 : تفسير من سورة الفجر حتى سورة البيّنة - د. محمد بن عبدالعزيز الخضيري

موعدها : 12:42:00 م 1433/06/05 هـ

درس الظهر

المجلس الأول - من سورة الفجر إلى سورة البلد

(وَالْفَجْرِ ﴿١﴾ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴿٢﴾ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴿٣﴾ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ﴿٤﴾ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ﴿٥﴾ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴿٦﴾ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ﴿٧﴾ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴿٨﴾ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ﴿٩﴾ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ ﴿١٠﴾ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ﴿١١﴾ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ﴿١٢﴾ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ﴿١٣﴾ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴿١٤﴾)

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلّ له ومن يُضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرًا، أما بعد. فهذا هو المجلس الأول من مجالس اليوم الختامي لهذه الدورة المباركة دورة الأترجة والمقامة في جامع الشيخ شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله بحي الخليج في بريدة وهذا اليوم هو يوم الخميس الخامس من جمادى الثانية من عام ألف وأربع مئة وثلاثة وثلاثين.

ونبتدأ التفسير بسورة الفجر هذه السورة سورة مكية على الصحيح من أقوال أهل العلم وقد حكى بعضهم أنها مكية بالإجماع كما ذكر ذلك ابن الجوزي رحمه الله تعالى في "زاد المسير". افتتحها الله عز وجل بقوله (وَالْفَجْرِ (1)) وهذا قسم من الله جل وعلا بالفجر المعروف وهو عامٌّ في كل فجر وليس فجر يوم بعينه وإن كان بعض المفسرين حمله على فجر يوم بعينه كفجر يوم النحر أو يوم عرفة ونحو ذلك. فأقسم الله بالفجر ثم أقسم بعده بقوله (وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2)) وهذه الليال لما حددها بأنها عشر علمنا أنها ليال معلومة وقد ذكر أكثر السلف وحكاه بعضهم إجماعاً على أن الليالي العشر هي ليالي عشر ذي الحجة وذلك لأنها ليالي معروفة ومعظّمة في الجاهلية وفي الإسلام وهي أحب الأيام إلى الله عز وجل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من عشر ذي الحجة قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء». وأما من قال: إنها ليالي عشر الأخيرة من رمضان فإن رمضان لم يُعرَف ويكن صيامه واجباً وركناً من أركان الإسلام إلا بعدما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وما عُرفت فضيلتها إلا في الإسلام أما عشر ذي الحجة فإن فضيلتها أو فإن تعظيمها معروف عند العرب في الجاهلية. قال الله عز وجل (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3)) أقسم الله عز وجل قسماً عاماً شاملاً فقال (وَالشَّفْعِ) أي أقسم بكل شيء زوج يعني كل شيء بُنيَ على الزوجية والثنائية أقسم به وهذا قسم ينتظم أكثر المخلوقات إلا لم يكن كلها. ثم قال بعدها (وَالْوَتْرِ) والوَتر لغة في الوِتر فهذه لغة حجازية والوِتر لغة تميمية. والوَتر كل شيء فرد وإن كان بعض العلماء حمله على شيء معين فقالوا الوَتر هو يوم عرفة لأنه تسعة والشفع هو يوم النحر لأنه عشرة وهذا يعتبر كالمثال للشفع والوتر، إذاً فهذا القسم يصح على كل ما يسمى شفعاً وكل ما يسمى وتراً. ثم قال الله (وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4)) أقسم الله عز وجل بالليل في حالة سريانه وذهابه ومضيه (وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4)) وراؤه كما ترون مكسورة إشارة إلى الياء المحذوفة (وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4)) ولذلك الأمثل فيها الترقيق عند الوقف تقول (وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4)).

قال الله عز وجل (هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5)) أي هل في هذا الإقسام معتبر لصاحب العقل؟ لأن العقل يسمى حِجراً لأنه يحجر على صاحبه أن يفعل الخطايا والموبقات ويفعل ما لا ينبغي له أن يفعله فيسمى عقلاً لأنه يعقل صاحبه عن فعل ما لا يليق وحِجراً لأنه يحجر عليه ونُهية لأنه ينهاه ولُبّاً لأنه هو خلاصة ولب لهذا الإنسان. (هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5)) أي هل في الإقسام بهذا معتبر لصاحب العقل؟ بلى والله فإن الله ما أقسم بها إلا ليعظِّم الذي يريد أن يقسم به وما هو الشيء الذي أقسم عليه؟ أقسم الله عز وجل على بعثنا ومجازاتنا فهو يقول (وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4)) لتبعثن ولتجازن بأعمالكم. وجواب القسم محذوف مأخوذ من هذه السورة وما نزلت فيه من بيان جزاء الكافرين وجزاء المؤمنين.

قال الله عز وجل (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6)) ألم تعلم يا محمد -هذه الرؤية علمية- ألم تعلم يا محمد كيف فعل الله عز وجل بعاد وهي القبيلة المعروفة التي كانت في جزيرة العرب ونبيهم هود ثم أبدل منهم فقال (إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7)) أي هذه العاد عاد إرم، وهو اسم لهذه القبيلة. (ذَاتِ الْعِمَادِ) أي ذات الخلق العظيم أو ذات البيوت التي بناؤها طويل جداً لما آتاهم الله من الطول والبسطة كما قال الله (وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً)[الأعراف:69] فالله سبحانه وتعالى قد خلقهم على نحو عظيم لم يخلق مثله في البلاد ولذلك قال (إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8)) فتميزوا على سائر الناس في عصرهم ومن جاء بعدهم بعظم خلقهم.

قال الله جل وعلا (وَثَمُودَ) وإنما يضرب المثل بعاد وثمود لأن العرب يعرفون هؤلاء ويروون تاريخهم ومساكنهم موجودة في الجزيرة العربية ونبيهم هو صالح ومساكنهم وادي القرى في المكان المعروف الآن مدائن صالح تسمى العلا ووادي القرى ونحو ذلك. قال (وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9)) أي ثمود الذين جابوا بمعنى قطعوا يقال جاب فلان البلاد يعني قطعها وفلان يجوب البلاد يقطعها وليست هذه من كلام العامة الذي يقولون جاب فلان كذا هذه أصلها جاء فلان بكذا، أما هذه جاب يجوب بمعنى قطع، (جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ) أي قطعوا الصخر بالوادي والوادي هو الوادي المعروف والموجود إلى اليوم اسمه وادي القرى. (وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10)) أي ألم تر كيف فعل الله عز وجل بعاد وثمود وفرعون الذي وصفه الله عز وجل بأنه ذو الأوتاد؟ وقد قيل في الأوتاد أقوال كلها يمكن أن تكون صحيحة فقيل الأوتاد هم الجنود أي ذو الجنود الكثيرة وقد كان ذا جنود كثيرة جداً ولذلك لجأ إلى القوة في صد بني إسرائيل عن الخروج عن أرض مصر (إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56))[الشعراء] وأمر الناس أن يخرجوا في اللحاق بهم وردّهم إلى أرض مصر. وقيل ذي الأوتاد هذه أوتاد كان يضعها فيعلق بها الذين كان يعذبهم من المسلمين ومنهم امرأته آسية بنت مزاحم سيدة من سيدات نساء العالمين آمنت بموسى عليه الصلاة والسلام وقيل ذي الأوتاد أي الملاعب كانت له ملاعب يلعب بها وهذا يدل على مدى اللهو الذي وصل إليه فرعون.

قال الله عز وجل (الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11)) هذه عائدة على عاد وثمود وفرعون ومعنى طغوا أي زادوا في العتو والكفران لأن الطغيان هو الزيادة فهؤلاء طغوا أي زادوا في العتو والكفران. (طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12)) وهذا يدل على أن الإنسان إذا طغى وخرج عن حده وتجاوز ما أمر به فإنه لا بد أن يفسد شاء أم أبى. قال الله عز وجل (فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13)) إذاً كيف يأتي العذاب؟ يطغى الإنسان ثم ينتج من ذلك كثرة الفساد كما هو الحاصل الآن في هذه النظم الغربية التي جاءتنا بالفساد في مناحٍ كثيرة من مناحي الحياة وخصوصاً فيما يتصل بعلاقتنا مع الله عز وجل ثم يأتي بعد ذلك العذاب (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13)) أي أنزل بهم بأسه ونقمته وعذابه. ومعنى (سَوْطَ عَذَابٍ) أي نوع عذاب وقد قيل أن هذا إشارة إلى أن هذا العذاب الذي نزل بهم في الدنيا ما هو إلا شيء يسير مما ينتظرهم في الآخرة فهو بمثابة ضربة السوط على المعذَّب.

قال الله عز وجل (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)) أي إن الله عز وجل لراصد لأعمال هؤلاء لا يفلت منهم أحد ولا يفوت عليه شيء من أعمالهم.

قال الله عز وجل مبيناً بعض الأعمال التي تقع من هؤلاء والتي يستحقون عليها العذاب (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ) ويقصد بالإنسان هنا الإنسان الكافر لأن الانسان يذكر في القرآن ويراد به مرة عموم الإنسان ويراد به في بعض الأحيان بحسب السياق الإنسان الكافر، ففي قوله عز وجل (وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2))[العصر] أي كل بني الإنسان بدليل أنه استثنى فقال (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا)[العصر:3] فلا يصح حمل الآية على "إن الإنسان الكافر لفي خسر إلا الذين آمنوا" لأن الاستثناء لا يكون هكذا. فقوله (إِنَّ الْإِنْسَانَ) وفي سورة الإنسان مثلاً (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ)[الإنسان:1-2] فالإنسان هنا عموم الناس. وفي هذه الآية التي معنا المراد به الإنسان الكافر. قال (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ) أي الإنسان الكافر (إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15)) هذه هي طبيعة الإنسان الكافر يظن أن الكرامة في الدنيا والغنى وسعة الرزق دليل على مرضاة الله وهذا من سفههم وقلة عقولهم وعدم معرفتهم بأمر الدنيا وأنها حقيرة عند الله سبحانه وتعالى فليست محلاً للجزاء لا للكافر ولا للمؤمن "لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء". وهؤلاء لعظم الدنيا في قلوبهم وعقولهم يظنون أن من أكرم في الدنيا فهذا دليل أن الله راضٍ عنه ومع الأسف هذا يقع في قلوب بعض الناس حتى من المسلمين فإذا رأى إنساناً قد أنعم عليه ووسع عليه قال هذا ربنا راضي عليه يحبه ولذلك يعطيه لا يا أخي الله عز وجل قد يمنع الدنيا أحب عباده إليه ولذلك نجد في الغالب أن الدنيا تكون بيد من لا يكون صالحاً ولا تقياً وتجد كثيراً من الأتقياء والصالحين يحيون حياة الكفاف أو حياة الفقر إلا في استثناءات معلومة فالله عز وجل يرد عليهم هذه العقيدة الخاطئة فيقول (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15)). يقول هذه الكلمة بناء على اعتقاده هذا الخاطئ وقوله (رَبِّي أَكْرَمَنِ) أصلها أكرمني لكن الوقف على نون الوقاية معروف عند العرب وأهل القصيد يقفون على هذه النون كثيراً وهذا من الشواهد لهذا الأمر.

قال الله عز وجل (وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ) أي امتحنه (فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ) أي ضيق عليه في الرزق ومعنى قدر أي ضيق فضيق عليه رزقه (فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16)) فيقول ربي لا يحبني ولا يكرمني لأنني لست عنده بمحل ولا بمكان يستشهد على ذلك بضيق الرزق وهذه عقيدة جاهلية خاطئة.

قال الله عز وجل (كَلَّا) ردع وزجر لهؤلاء الذين يقولون هذه المقالة أو يظنون هذا الظن أو يعتقدون هذه العقيدة. ثم قال (بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17)) أيضاً هذا من اعتقاداتهم وهذا أفعالهم فهم يظنون هذه المقالة أو يظنون هذه العقيدة وفي الوقت ذاته هم لا يكرمون اليتيم وعدم إكرامهم له في نوعين:

·         أولاً يمنعونه حقه الذي وجب له إن كان له ميراث أو نحو ذلك ويأكلونه ظلماً وعدواناً.

·         والثاني لا يحنون عليه ويلاطفونه ويرحمونه.

فإن الواجب في حق اليتيم أمران: الأمر الأول أن يحفظ له ماله وأن يرعى حقه الذي ورثه واستحقه بأمر الله عز وجل. والثاني أن يزاد على ذلك بالرعاية والحنان والإكرام قال النبي صلى الله عليه وسلم «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين» وقد وصى بهم النبي صلى الله عليه وسلم الوصية العظيمة وجاءت الوصية بهم في القرآن في مواطن كثيرة سواء كانوا أغنياء أو كانوا فقراء.

قال الله عز وجل (وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18)) هذا أمر ثالث من الأمور التي يذكرها الله عز وجل من أعمال الكفار وهي أنهم لا يتحاضون على طعام المسكين لا يحض بعضهم بعضاً على إطعام المسكين فضلاً عن كونهم لا يطعمونه لا يحث بعضهم بعضاً على إطعامه، فعندنا هنا شيئان أن تطعم هذا أمر والثاني أن تحث غيرك على الإطعام وهذه منزلة تصلح لكل الناس بخلاف الأولى فإنها لا تكون إلا من أصحاب الجِدَة والسعة فأنا قد لا يكون معي ريال واحد أطعم به المساكين لكني أذهب إلى فلان أقول يا فلان جارك فلان مسكين وجارك وابن أخيك فلان محتاج وهذا الذي يصلي معنا ليس عنده إيجار البيت أو ما عنده بيت يسكن فيه ويؤويه هو وأولاده فأحث على إطعام المساكين. بل إن هذه الآية ذكر بعض المفسرين قال (وَلَا تَحَاضُّونَ) يعني لا تحضون غيركم ولا تحضون حتى أنفسكم. (عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18)) ينبغي للإنسان أن يحث نفسه على إطعام المساكين والمسكين هو من أصابته المسكنة والمسكنة هي الذل الذي يلحق بالإنسان بسبب الفقر.

قال الله عز وجل (وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20)) تأكلون التراث أي الميراث، (أَكْلًا لَمًّا) أي أكلاً شديداً حتى لا تدعوا للضعفاء ولا للنساء ولا للأيتام شيئاً منه من شدة حرصكم على الدنيا لماذا؟ لأنهم يرون أن الدنيا هي نهاية العالم ولذلك يريدون أن يعبّوا من المال ويستأثروا به ويأخذوا لذتهم ومتاعهم في هذه الحياة. (وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20)) أي حباً كثيراً فلا تنفقونه تقبضون عليه تجمعونه وتمنعونه.

قال الله عز وجل (كَلَّا) هذا ردع لهم عن هذه الأعمال وهي: عدم إكرام اليتيم، عدم الحض على طعام المسكين، انهماكهم في أخذ المواريث وجمعها من غير حلها، حبهم للمال الحب الذي يصرفهم عن طاعة الله عز وجل وإلا فحب المال مركوز في النفوس لكن المذموم هو الحرص عليه وجعله غاية في هذه الحياة هذا هو المذموم أما كون الإنسان يحب المال فما من إنسان إلا وقد وضع في قلبه محبة للمال حتى يسعى ويكد ويجتهد في طلب هذه الحياة وتدور الحياة دورتها بحب المال تدور الحياة لكن هذه المحبة إن اشغلت عن طاعة أو أوقعت في معصية أو جعلت الإنسان جموعاً منوعاً أو جعلت همه وتفكيره فيه فهذا الحب مذموم ولذلك قال (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20)). ثم قال (كَلَّا) وهذه للردع والزجر و"كلا" تأتي بمعنيين بمعنى الردع والزجر إذا جاء قبلها شيء يردع عنه إما أن تكون مقالة أو اعتقاد أو فعل وقد تكون بمعنى (حقاً) وستأتي إن شاء الله أمثلة لذلك فيما يأتي من الآيات مثل قول الله عز وجل (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6))[العلق] أي حقاً إن الإنسان ليطغى.

قال الله عز وجل (كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21)) أي سيأتي يوم تدك فيه هذه الأرض وهو يوم القيامة بأمر الله عز وجل والدكّ الذي يأتيها دك شديد عنيف قاصف. وفي ذلك اليوم يجيء الرب سبحانه وتعالى (وَجَاءَ رَبُّكَ) سبحانه وتعالى مجيئاً يليق بجلاله وعظمته لا نكيّفه ولا نمثّله ولا نشبّهه ولا نعطّله بل نؤمن به كما جاء في نصوص الكتاب والسنة ونقول تلك القاعدة القرآنية العظيمة (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11))[الشورى]. (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ) يعني والملائكة (صَفًّا صَفًّا (22)) أي صفوفًا منتظمة، فينزل ملائكة كل سماء ويكونون صفاً ولذلك قال بعض المفسرين: إن صفوف الملائكة بين يدي الله عز وجل في يوم فصل القضاء سبعة صفوف والعلم في ذلك عند الله.

(وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ) أي في ذلك اليوم يؤتى بجهنم تأتي هذه جهنم يؤتى بها لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرّونها أي عدة الملائكة أربعة مليار وتسع مئة مليون ملك يجرّون جهنم. الملك الواحد لا ندري كيف خلقه وعظمه ومع ذلك أربعة مليار وتسع مئة مليون ملك يجرون هذه النار بأمر الله عز وجل. (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ) أي في تلك الساعة (يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ) ما أسلف وما قدم وما مضى من عمره (وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23)) قد بعدت عليه الذكرى ليس هذا موطن التذكر فقد ذهب ذلك كله.

قال الله عز وجل (يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24)) أي في تلك اللحظة يقول متمنياً ولا تنفع الأماني (يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي) هذه هي الحياة أما تلك فهي سراب خادع قد مضت، ذهبت، خلت، بما كان فيها ما كأنها مرت ولا قرّت.

قال الله عز وجل (فَيَوْمَئِذٍ) أي ففي ذلك اليوم (لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25)) أي لا أحد يعذب عذاباً كعذاب الله. (وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26)) أي لا أحد يوثق وثاقاً كوثاق الله عز وجل إذا أوثق هؤلاء الكفار وتُقرأ (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25)) أي لا يُعذَّب الكافر كعذابه أحد (وَلَا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26)) أي لا أحد يوثق كوثاق الكافر.

ثم لما ذكر الله عز وجل عذابهم ذكر نعيم المؤمنين قال الله عز وجل (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28)) تنادى النفس عند إقبالها على الله وحشرجة الموت وساعة الاحتضار فيقال (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27)) مطمئنة بماذا؟ بالإيمان وبذكر الله عز وجل ومطمئنة بوعد الله (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ) عودي إلى الله عز وجل (رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28)) راضية عن ثواب الله وجزائه وحسن ما يلاقيها من الوعد الكريم، مرضية من الله سبحانه وتعالى قد رضي الله عنها وأرضاها.

قال الله عز وجل (فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29)) أي يا أيتها النفس ادخلي في عبادي أي في عبادي الصالحين كما قال يوسف عليه الصلاة والسلام (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101))[يوسف]. (وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19))[النمل] ادخلي في عبادي الذين هم أوليائي والخُلَّص من عبادي الذين صنعت كرامتهم بيدي. (وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)).

سورة البلد

ثم ننتقل بعد ذلك إلى سورة البلد وهي سورة مكية قال الله عز وجل فيها (لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1)) هذا التعبير في قول الله (لَا أُقْسِمُ) بمعنى أقسم و(لَا) هنا مؤكدة للقسم يقول العلماء زائدة في اللفظ زائدة للمعنى وهي مثل قول الله عز وجل (مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ)[الأعراف:12] أصلها "ما منعك أن تسجد" ومثل قول الله عز وجل في سورة الحديد (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ) أي ليعلم (أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ). إذاً (لَا أُقْسِمُ) على الصحيح بمعنى (أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1)) وهذا البلد هو مكة وأقسم الله به عز وجل لعظمه وعلو شأنه فهو خير البقاع وأحبها إلى الله.

(وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2)) يقسم الله بهذا البلد في حال كون النبي صلى الله عليه وسلم حلالاً بها، الله أكبر! هذا في مكة فالله يخبر أنه سيأتي يوم يحلّ فيه هذا البلد لمحمد صلى الله عليه وسلم، فهذا من إعجاز القرآن الغيبي فقد أخبر عن مغيّب وقد حصل. فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم حصل بينه وبين المشركين من الوقائع إلى أن جاءت السنة الثامنة وجاء عليه الصلاة والسلام بجيش قوامه عشرة آلاف وفتح الله له مكة وقال: «إنها أحلت لي ساعة من نهار وإنها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي» فالله هو الذي أحلها له ليحررها من رجس هؤلاء الذين دنسوها بالشرك قال (وَأَنْتَ حِلٌّ) أي حلالٌ (بِهَذَا الْبَلَدِ (2)). (وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3)) أقسم الله بالوالد وبمن ولد (ما ولد) بمعنى من ولد ومن هو هذا الوالد؟ هل هو إبراهيم ومن ولد أبناؤه أو آدم وأبناؤه؟ الظاهر هو آدم، أن الله أقسم بآدم وبولده فلما ذكر المساكن وهي البلد ذكر الساكن وهو آدم وبنيه فقال (وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3)) ولا مانع أن يكون هذا قسم من الله بكل والد وبكل مولود على شاكلة الأقسام الموجودة في القرآن العامة كما في قوله (فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39))[الحاقة] ماذا تركت؟ ما تركت شيئاً في الكون كله علويه وسفليه إلا دخل في هذا القسم كما في قوله عز وجل (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3))[البروج] كذلك قسم بكل شيء كما في قوله (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3))[الفجر] هذا أيضاً قسم بكل شيء وهنا (وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3)) قسم بكل هذه المخلوقات.

قال الله عز وجل مبيناً على أي أقسم (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4))، (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ) كل الناس، (فِي كَبَدٍ) أي في تعب ونصب لا بد أن يلاقوه ولكن من الناس يجعل هذا التعب في طاعة الله ومن الناس من يجعل هذا التعب في معصية الله عز وجل ولذلك تجد الناس كلهم يشقون في هذه الحياة الطيب والخبيث والبر والفاجر والمؤمن والكافر وكل أحد يشقى لكن من الناس من يجعل ما يصيبه من الكد والتعب والنصب في سبيل الله وفي مرضاة الله ومن الناس من يجعله في غير ذلك سيبين الله عز وجل شيئاً من هذا التعب الذي يصيب الإنسان. قال (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4)) أي في تعب ونصب وجهد وبلاء وقال بعض العلماء (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4)) أي خلقناه منتصباً ذو خلقة منتصباً بخلاف سائر الحيوان يبين الله حسن خلقته وأن الإنسان لا بد أن يشكر نعمة الله عليه وهذا قول لبعض السلف وأكثرهم على القول الأول.

قال الله عز وجل (أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5)) أيظن الإنسان أن لن يقدر عليه أحد لأن الإنسان من طبعه أنه إذا قدر واغتنى وكثر ماله وتمكن من الأشياء ظن أنه فوق كل أحد فالله عز وجل يقول (أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) يَقُولُ) متكبراً متجبراً وطاغياً (أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (6)) مالاً كثيراً في شهواتي وفي أعمالي وأغراضي ويتبجح عندي كذا وسافرت كذا وصلحت كذا واشتريت كذا ويبين أنه تزوج الفنانة الفلانية بكذا وكذا مليون وفعل كذا وكذا في الحفلة الفلانية التي بزواجه أهلكت مالاً كثيراً في شهواتي بل أحياناً في الكيد لدين الله ولأولياء الله.

قال الله عز وجل (أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7)) أيظن هذا الإنسان أن الله لا يراه وهو يفعل ذلك كله! ثم يذكره بنعمه عليه قد آتيتك يا عبدي نعماً فاشكرني عليها واجعلها في طاعتي. (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8)) يبصر بهما (وَلِسَانًا) يتحدث به (وَشَفَتَيْنِ (9)) يجملانه ويضمان فمه ويستران جوفه (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)) أي هديناه ودللناه على طريق الخير وطريق الشر فهو يرى الحق ظاهراً بأدلته ويرى الباطل ظاهراً بأدلته.

قال الله عز وجل (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11)) فهلا عندما أعطيناه ذلك ومكناه منه (اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) أي تجاوزها والعقبة المقصود بها إما أن يكون النار وإما أن يكون شهوات الإنسان وما يصيبه في هذه الدنيا هلا اقتحم هذه كلها من أجل أن ينال رضا الله عز وجل. هلا تجاوزها من أجل أن ينال رضى الله عز وجل. (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11)) وبعض المفسرين يقول (فَلَا) هنا نافية يعني أعطينا الإنسان هذا كله فلم يقتحم العقبة بل وقع فيها. والعقبة تطلق على الطريق الوعر الذي يكون بين جبلين يعني أن الإنسان إما أن الله عز وجل يدعوه ويحثه على أن يقتحم هذه الطريق الوعرة وهي طريقة الحياة لا بد أن تقتحمها وإما أن يكون الله عز وجل يبين أن الإنسان يخسر كثيراً فلا يقتحم هذه العقبة وهي شهواته ومراداته ورغباته. ثم فخم الله هذه العقبة وعظم من أمرها (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12)) أيُّ شيء هذه العقبة؟ إنها شيء عظيم فكرة العقبة يا إخواني هو أن الله خلق آدم في الجنة ثم عصى فأهبطه إلى الأرض وطلب منه أن يعود إلى الجنة عوده إلى الجنة يحتاج إلى جهد وعمل وبذل وسعي وكد واجتهاد هذه هي عقبة لا بد تقتحمها وإلا فإنك ستنزل مرة أخرى إلى أسفل سافلين ولذلك العمل الذي فيه مرضاة الله فيه جهد ومشقة تصوم، تقوم الليل، تنفق المال، تبر، تحسن، تتغلب على شهوات نفسك تصارعها تجاهدها حتى تلقى الله.

قال الله عز وجل مبيناً كيف تقتحم العقبة قال (فَكُّ رَقَبَةٍ (13)) في قراءة (فَكَّ رَقَبَةً)، "فلا اقتحم العقبة ففك الرقبة أو أطعم في يوم ذي مسغبة" هذه قراءة، والقراءة التي عندنا نحن (فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14)). فك الرقبة يعني بعتقها (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14)) أي ذي مجاعة شديدة يطعم في ذلك اليوم يرجو ما عند الله عز وجل فاليوم الذي فيه مجاعة الناس ماذا؟ تمسك الطعام وتدخره تخشى أن يصيبها ما يصيب الناس من الجوع لكنه ينفقه لله. قال الله عز وجل (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا) يعني يطعم في يوم المجاعة الشديدة (يَتِيمًا) أي قد مات أبوه (ذَا مَقْرَبَةٍ (15)) قريباً منه وليس بعيداً عنه وإنما اليتيم القريب يوصي الله به. (أَوْ مِسْكِينًا) فقيراً قد أصابه الذل والمسكنة بسبب فقره. (ذَا مَتْرَبَةٍ (16)) قد لصق بالتراب من شدة الفقر. (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) لا يقبل هذا العمل ولا يكون سبباً لاقتحام العقبة إلا بشرط الإيمان فلو أن الإنسان أنفق ما أنفق وأحسن ما أحسن على عباد الله الفقراء والأيتام ولم يكن مؤمناً بالله فإنه قد خسر جواز العبور ولا يستطيع بذلك أن يقتحم العقبة. (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) أي وصى بعضهم بعضاً بالصبر على طاعة الله والصبر عن معصية الله والصبر على أقدار الله المؤلمة فالصبر ينتظم هذه الأركان الثلاثة (وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17)) أي وصى بعضهم بعضاً برحمة من يستحقون الرحمة من عباد الله عز وجل من الأطفال والنساء والفقراء والأيتام والمساكين وذوي الاحتياجات الخاصة من المعاقين وغيرهم لا بد أن نتواصى بالتراحم عليهم. ولذلك لا بد أن يقوم فينا رجال يوصوننا دائماً برحمة الضعفاء والمساكين والمنقطعين والمضطرين ويقومون بحاجاتهم وأن تقام بذلك مؤسسات خيرية وأن تنتشر المؤسسات الخيرية في المجتمعات المسلمة حتى لا تدع شيئاً من ألوان الرحمة إلا انتظمته لقد كانت الأمة الإسلامية شيء من ذلك عجيب تصوروا من ضمن أوقاف المسلمين أوقاف للحمير التي سيّبها أصحابها ما عاد يحتاجونها لأنها صارت هزيلة هناك وقف ينفق على هذه الحمير ويغذيها ويطعمها حتى تموت، كان هناك وقف كان في الأمة الإسلامية للطيور التي انكسرت أجنحتها تبقى في مكان تأكل فيه وتشرب إلى أن تموت إلى هذه الدرجة بلغت هذه الأمة درجات عالية في الرحمة ما بلغته أمة في العصر واليوم نحن بحاجة إلى أن نتواصى بهذه المرحمة.

قال الله عز وجل (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (18)) أي هؤلاء الذين آمنوا وأعتقوا وأطعموا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة هم أصحاب اليمين. ثم قابلهم بقوله (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (19)) أي أصحاب الشمال نعوذ بالله من حالهم. (عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (20)) أي مطبقة لا يخرجون منها نسأل الله العافية والسلامة.

 

بهذا نصل إلى ختام هذا المجلس من مجالس دورة الأترجة في اليوم الختامي منها وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل