من سورة الشمس إلى سورة الشرح

المجلس الثاني - من سورة الشمس إلى سورة الشرح

د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

(وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)).

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد. فهذا هو المجلس الثاني من مجالس التفسير في هذه الدورة المباركة دورة الأترجة المقامة في جامع شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في حيّ الخليج في بريدة وهذا اليوم هو اليوم الختامي لهذه الدورة المباركة يوم الخميس الخامس من جمادى الثانية من عام ألف وأربع مئة وثلاثة وثلاثين.

ونبدأ التفسير بتفسير سورة الشمس هذه السورة مكية وآياتها خمس عشرة آية وقد جاءت لبيان عظم شأن تزكية النفس فقد أقسم الله عز وجل على ذلك بأحد عشر قسماً فقال (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7)) أحد عشر قسماً (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)). أقسم الله بهذا على هذا الأمر العظيم وهو أن من زكى نفسه فقد أفلح وهذا يؤكد المعنى الموجود في سورة البلد (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13)) كيف تزكّى هذه النفس؟ تزكى بالطاعات والأعمال الطيبات وبالانكفاء عن السيئات والمعاصي والخبائث والقبائح.

قال الله عز وجل (وَالشَّمْسِ) أقسم الله بالشمس وهي هذه الآية العظيمة. (وَضُحَاهَا (1)) قيل إن ضحاها هو النهار، وقيل ضحاها هو حرها، وقيل ضحاها هو ضوؤها، ولا مانع من أن يكون المعنى هذا، وهذا، وهذا، فهذا من اختلاف التنوع.

(وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2)) أي أقسم الله بالقمر إذا تلا الشمس وتبعها فإنه يخرج ويبرز للناس عند غروب الشمس.

(وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3)) أقسم الله بالنهار هذه الآية العظيمة إذا جلّا الشمس أي وضّحها وبيّنها أو جلّا الظلمة التي كانت مخيّمة على الكون.

(وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4)) أقسم الله بالليل إذا يغشى تلك الشمس فيغطيها ويذهب بها.

(وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5)) أقسم الله بالسماء هذه القبة العظيمة الهائلة. (وَمَا بَنَاهَا) (ما) هنا يصح أن تكون مصدرية تكون "والسماء وبنيانها" فيقسم الله بالسماء ويقسم ببنيانها يعني بهذا البناء العظيم كيف بنيت بهذا الفعل منه سبحانه وتعالى بنيان هذه السماء. أو (وَمَا بَنَاهَا) والذي بناها وهو الله سبحانه وتعالى فهو يقول أقسم بالسماء وأقسم بمن بناها ومثلها ما جاء بعدها (وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6)) أقسم بالأرض وطحيها وهو بسطها وتسويتها أو بالأرض ومن طحاها وهو الله سبحانه وتعالى. وكذلك (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7)) أقسم الله بالنفس وتسويتها أو أقسم بالنفس والذي سوّاها وسيأتي نظير لذلك في سورة الليل. قال (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)) مثل ما جاء في سورة البلد (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)) فالله عز وجل جعل في هذه النفس قابلية لقبول الحق ولقبول الباطل ومعرفة بالحق وبالباطل فلا يجوز لأحد أن يحتج على الله بأنه ما رأى الحق أو ما قامت له دلائل الحق ولا يجوز لأحد أن يحتج على الله بأنه ما قدر أن يفعل ذلك الحق يعني ليست عنده القدرة والامكانات على أن يفعل الحق أو يتّبعه بل كل نفس قد ألهمت الفجور والتقوى وكل نفس قد هديت النجدين وبان لها الطريقان طريق الحق وطريق الضلال. وهذا شيء نراه ونلمسه نحن من أنفسنا وكل واحد منا يعرفه من واقعه، أنت الآن تأتي إلى المسجد باختيارك وتذهب إلى الحرم وإلى مكة باختيارك لا تجد أحداً يؤزّك يدفعك وأنت كاره ولا يمنعك وأنت راغب فليس من حق أحد أن يحتج على ما هو فيه بالقدر المغيب عنه، يقول هذا قدر الله في قدر الله غيب عليك ما تعرف عنه شيئاً قال (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)).

ثم ذكر المُقسَم عليه فقال (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)) ولم يأتي باللام قال العلماء لطول الفصل بين المُقسَم به والمُقسَم عليه. (قَدْ أَفْلَحَ) و(قَدْ) للتحقيق أي تحقق فلاح من زكى هذه النفس وتزكية النفس تكون بشيئين: بتخلية وتحلية، والتخلية تكون في الأمور القلبية وفي الأمور القولية وفي الأمور العملية، والتحلية تكون في الأمور القلبية أو الأعمال القلبية والقولية والعملية انتبهوا هذا جماع التزكية تزكية تكون تخلية وتحلية، أين؟ في القلب وفي اللسان وفي الجوارح لا بد من هذا، فأنت لن تكون زاكياً وقد زكّيت نفسك حتى تخلّي قلبك من الكفر والشرك والحرص والحسد وسوء الظن والكبر والرياء والقائمة الطويلة من الأعمال القلبية، تخلّي قلبك من هذا، تجاهد نفسك على أن يتخلى القلب من هذا. رأيت أخاك وأنت تعمل أنت وإياه في مكان واحد أو في سوق واحد فرزق برزق عظيم ولم ترزق بشيء ماذا وقع في قلبك؟ إن كان وقع في قلبك حسد مباشرة تشتغل على إطفاء هذا الحسد وإزالته، تخلية، تخلّي هذا القلب من الحسد لأنه ما خلا جسد من حسد. ثم تحلّي القلب تحليه بماذا؟ بالإيمان، بالصدق، التوكل، الرجاء، حُسن الظن بالله، إلى آخره من الأعمال القلبية التي يجب على الإنسان أن يحلّي قلبه بها سواء كانت واجبة أو مستحبة. ثم في اللسان تترك الأقوال الخبيثة وتتكلم بالأقوال الطيبة ما تقول لفلان تسبه أو تشتمه وفي الوقت ذاته تُكثر من الدعاء لهذا، ولهذا، ولهذا، وتقول لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، تكبّر وتؤذِّن وتصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، لا بد من هذا تخلّي وتحلّي. كذلك في الأعمال تترك الزنا وشرب الخمر والسعي في الخبائث والموبقات وتحلّي نفسك بالطيبات من الصلوات والصيام والزكاة والعمرة والحج والجهاد في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى آخره هذا هو جماع التزكية. فإن قلت هذا شديد، قلنا نعم، هي عقبة ولا بد أن تقتحم العقبة لن تعود إلى المكان الذي كنت فيه حتى تجهد والمكان الذي أنت فيه عالي وهذا العلو يحتاج إلى رقي والرقي كما تعلمون شديد على النفوس.

قال الله عز وجل (وَقَدْ خَابَ) أي خسر وهلك، (مَنْ دَسَّاهَا (10)) أي أخفاها وغيّبها بسوء صنيعه وجعلها خافية طامنة سافلة لأن الانسان إذا لم يعمل بهذه الطاعات ويزكي نفسه ويرفعها خملت واختفت واندسّت وذهبت حتى تصل الى قعر جهنم فإياك إياك أن تطيع هذه النفس.

قال الله عز وجل (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11)) يضرب لنا الآن مثالاً على من دسّوا أنفسهم أو دسّسوا أنفسهم بمعاصيهم وطغيانهم. (كَذَّبَتْ ثَمُودُ) لماذا كذّبت؟ هل لأنه لم يبن لها الحق؟ أو لم يرسل لها الله عز وجل آيات بينات؟ بلى والله إن الآية التي جاءت إلى ثمود من أعظم وأبيّن الآيات، ناقة تخرج من صخرة ثم تكفي أمّة، ترد الماء فتشرب فتسقيهم اللبن ويشربون (لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155))[الشعراء] كيف هذه الناقة وهي مولودة من غير أم ولا أب؟! سبحان الله شيء عجيب! أيُّ آية أبلغ وأعظم من هذا ومع ذلك كذّبوا وطغوا وقد جاءتهم الآيات والنذر، وماذا فعلوا؟ هذه الآية عدوا عليها وقتلوها. (إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12)) وهو قِدَارُ بن سَالِف كما يذكر المفسرون. (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ) قال لهم صالح اِحذروا ناقة الله أن تمسوها فإنكم إن مسستموها بسوء أنزل الله بكم بأسه وعذابه. (وَسُقْيَاهَا (13)) احذروا أن تمنعوها من الماء الذي تستقي منه. (فَكَذَّبُوهُ) كذبوا صالحاً في دعوته وما أمرهم به (فَعَقَرُوهَا) عقروا تلك الناقة وذبحوها والعقر إنما يكون للجِمال. (فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14)) أي فأطبق عليهم ربهم بسبب ذلك الذنب العظيم الذي أحدثوه وهو تكذيبهم بصالح وعقرانهم لهذه الآية العظيمة التي جعلها الله لهم. (فَسَوَّاهَا) أي سوّى الدمدمة عليهم فلم ينجو منهم أحد أو فسوّى الأرض عليهم. انظروا هذا مثال لمن دسّى نفسه، آية بيّنة تكون بين يديه ثم يأبى إلا أن يعصي ويخالف، تبين له الحجة وتقوم له الدلائل ومع ذلك يعاند ويستكبر على الله سبحانه وتعالى. قال (فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ) أي أطبق عليهم ربهم العذاب بسبب ذنبهم (فَسَوَّاهَا) أي سوّى الدمدمة عليهم والإطباق أو سوّى الأرض عليهم. (وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (15)) الوحيد سبحانه الذي لا يخاف عاقبة ما يصنع هو الله وإلا فإن الإنسان مهما بلغ من القوة والجبروت والتمكن من أعدائه مهما يريد أن يفعل فإنه يخاف من العاقبة لا يدري ماذا تكون عليه الأمور إلا الله جل جلاله فإنه لا يخاف عاقبة ما يصنع لان الأمور كلها بيده وهو المتمكّن منها جلّ جلاله.

سورة الليل

ثم ننتقل بعد ذلك إلى سورة الليل وهي سورة مكية وعدد آياتها إحدى وعشرون آية افتتحها الله عز وجل بالقسم بقوله (وَاللَّيْلِ) وهو هذه الآية العظيمة التي تغطّي الكون. (إِذَا يَغْشَى (1)) أي يغطّي الكون بظلامه .(وَالنَّهَارِ) قابَلَ بين الليل والنهار، لماذا هذه المقابلة بين الليل والنهار؟ لأن السورة فيها مقابلة بين مؤمنين وكفار بين صنفين من الناس كما في السورة الأولى قابل بين أشياء متقابلة الشمس والقمر، الليل والنهار، إلى آخره، السماء والأرض، وكذلك من زكوا أنفسهم ومن دسّوا أنفسهم. وهنا في هذه السورة سيقابل الله بين صنفين من الناس ويبين جزاءهما. قال (وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2)) أي ظهر وانكشف وبان. (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3)) "ما" هنا يصح أن تكون مصدرية فيكون المعنى "وخَلْقِ الذكر والأنثى" فأقسم الله بخلق الذكر والأنثى، ويصح أن تكون "ما" بمعنى "الذي" أو "مَنْ" فتكون "والذي خلق الذكر والأنثى" فيكون قسماً بالله عز وجل ولا مانع أن تحمل على المعنيين فالله يقسم بنفسه وهو الذي خلق الذكر والأنثى ويقسم بخلقه وفعله جل جلاله وخلق الذكر والأنثى. ولعلكم تقرؤون أن أبا الدرداء رضي الله تعالى عنه وابن مسعود كانا يقرآن هذه الآية "والذكر والأنثى" وهذا وارد في صحيح البخاري فإن قيل أين هذا ليس موجوداً؟ نقول نعم، هذا مما نزلت عليه هذه السورة ولكنه نسخ في العرضة الأخيرة ولم يثبت عثمان في المصحف إلا ما ثبت في العرضة الأخيرة ولذلك يعتبر هذا من الشاذّ الذي لم يقرّ في المصاحف العثمانية وإن كان صحيح الإسناد.

ثم بيّن الله المُقسم عليه على ماذا أقسم؟ أقسم الله عز وجل بثلاثة أشياء: بالليل وبالنهار وبنفسه أو بخلق الذكر والأنثى. (إِنَّ سَعْيَكُمْ) لمختلف وهذا يبين خطأ من يقولون لا، أبداً كل الناس يسعون سعي واحد وكلهم ممتازون وكلهم طيبون وكلهم يدخلون الجنة المؤمن والكافر، الموحِّد والمشرك، والمسلم والنصراني واليهودي والبوذي كل هؤلاء لن يدع الله أحدًا في النار وما فيه شيء اسمه نار، سبحان الله! الله عز وجل يقول (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4)) سعي الناس مختلف وليسوا واحداً في السعي بل لكل ناس سعي مختلف عن سعي غيرهم بل حتى المؤمنون سعيهم مختلف وما منا من أحد إلا يسعى ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أحب الاسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأصدقها حارث وهمام» يعني أصدق اسم ينطبق على الإنسان هو حارث لأنه يُكثِر الحرث، يعمل، ما يدع العمل فإما أن يكون عمله في طاعة الله وإما أن يكون عمله في معصية الله ولا خيار. وهمّام لأنه يهمّ بالعمل طبيعة الإنسان يهم حتى لو لم يمكّن من العمل قيدت يداه ورجلاه فإن قلبه يشتغل بالهموم والحركة والذهاب والإياب في أودية العالم. وقال عليه الصلاة والسلام في حديث آخر عظيم جداً «كلُّ الناس يغدو» يعني كل الناس يخرج في الصباح غادياً «فبائعٌ نفسه فمعتقها أو موبقها» فإما أن يبيع نفسه فيعتقها من عذاب جهنم أو يوبقها في عذاب جهنم، ليس هناك خيار. (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37))[المدثر] لا يتوقف أنت إما أن تتقدم فتنال أجر الله في كل لحظة من لحظات عمرك أو تتأخر. قال (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4)) ما هو سعينا؟ قال (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى) بذل المال (وَاتَّقَى (5)) اتقى الله عز وجل في عطائه، ما أعطى رياء ولا أعطى سمعة ولا أعطى قريباً غنيّاً من الزكاة وتجب عليه مثلاً نفقته واتقى المنّ بعطائه. (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6)) أي صدّق بالخَلَف من الله يعطي ويتقي الله عز وجل في عطائه وفي الوقت ذاته يصدّق بالحسنى أي بالخَلَف من الله عز وجل، يعلم أن الله يُخلف عليه ما ينفقه، وهذا قول هو المناسب للسياق سياق السورة والآية. ومن العلماء من قال صدّق أي بلا إله إلا الله أي كان مؤمناً ومنهم من قال صدّق بالجنة وهذا تفسير بلفظ عام، صحيح الحسنى تطلق على الجنة لكن تأويلها بما يناسب السياق والمقام أولى من تأويلها بلفظ عام وإن دلّ عليه القرآن.

قال الله عز وجل (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7)) نيسره للأعمال الصالحة ونيسره لطريق الجنة ونيسر عليه حياته وهذا يلاحظه المؤمن مهما تعطي وتبذل وتحسن إلى عباد الله تجد أن الله عز وجل ييسر أمورك ويبعد عنك البلايا والعقبات وتجد كل باب مغلق قد فُتِح لك.

قال (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ) أمسك المال (وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)) استغنى عن ثواب الله عز وجل (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9)) كذب بالخلف من الله عز وجل قال أطلّع فلوس ثم يأتيني مثلها أو أضعافها؟ كيف؟! هذا كلام دراويش هذا ما يمشي يا تطلعه معناه خلاص ما عاد يرجع مرة ثانية وهذه عقيدة هؤلاء الكفار الذي لا يؤمنون بالله والذي لا يؤمنون بقول النبي صلى الله عليه وسلم «أن الله يبعث في كل يوم ملكين يدعوان اللهم أعطي منفقاً خلفا وأعطي ممسكاً تلفا». فالمؤمن مأمور بالإنفاق الإنفاق في وجوه البر والإحسان. قال الله عز وجل (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9)) أي كذب إما بلا إله إلا الله أو كذب بالجنة أو كذب بالحسنى أي بالخلف من الله وهذا أقرب إلى السياق. (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)) سيكون طريقه معسراً ويهدى إلى أعسر الأمور ولذلك تجده دائماً في عسر وضيق حتى الضيق النفسي لا يسلم منه، لما أمسك أمسك الله عليه منافذ الانشراح والراحة في الدنيا.

قال الله عز وجل (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11)) أيُّ شيء يغني عنه ماله إذا تردى في نار جهنم؟ أنت تمسك المال ما ينفعك هذا المال إذا تردّيت في نار جهنم لأن المال أمسكته ثم أمسكته ثم أمسكته ثم متّ وتركته ثم في يوم القيامة تُحاسَب وتعذب به فتردّ في نار جهنم، الذي كسبته من الملايين ماذا أغنى عنك؟ ماذا نفعك؟ ما نفعك شيئاً، لن يردّ عنك شيئاً من عذاب الله إذاً قوله (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ) إما أن تكون "ما" نافية "لا يغني عنه ماله إذا تردّى" وإما أن تكون استفهامية "أيُّ شيء يغني عنه ماله إذا تردى"؟ لا يغني عنه شيئاً والنتيجة واحدة إذا قلنا إنها نافية أو قلنا إنها استفهامية.

قال (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12)) أي الهدى على الله عز وجل فهو الذي يبيّن طريقه وهذا المعنى كما ترون قد جاء في سورة الشمس وجاء في سورة البلد (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10))، (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8))، (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12)) نحن ندل العباد ونهديهم ونبين لهم لكن سنجعل لهم الاختيار بأن يختاروا طريق الحق والضلال. وقيل (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12)) أي إن الهدى موصل إلينا كما قال الله في سورة النحل (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ) يعني قصد السبيل توصِل الى الله ويكون مقرّها أن تصل إلى الله سبحانه وتعالى. (وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (13)) ملك الدنيا والآخرة لنا ونحن الذين أعطيناكم وأعطيناكم وأمرناكم بما أمرناكم به فأنفقوا خيراً لكم.

ثم قال الله عز وجل (فَأَنْذَرْتُكُمْ) حذّرتكم (نَارًا تَلَظَّى (14)) أي تتلظى، أي يشتدّ لظاها وسعيرها وحرّها وتوقدها. (لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15)) أي لا يُصلى ولا يدخلها مخلّداً فيها إلا الأشقى الشقيّ الذي كتب الله عليه الشقوة، من هو؟ (الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16)) كذّب بما جاء من الآيات والنذر والحقائق العظيمة التي جاءت بها الأنبياء ونزلت بها الكتب وتولى وأعرض عن العمل بها والإيمان بها والقيام بحقوق الله جلّ وعلا الواجبة عليه.

قال الله عز وجل (وَسَيُجَنَّبُهَا) أي هذه النار التي تلظّى (الْأَتْقَى (17)) أي الذي اتقى الله عز وجل حق التقوى، من هو هذا الأتقى؟ وصفه الله بقوله (الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18)) أي يعطي المال يطلب بذلك زكاة نفسه، سبحان الله! هذا يفسر لنا ما جاء في سورة الشمس (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)) وما جاء في سورة البلد (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14)). قال (الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ) يطلب بذلك أن تزكو نفسه ويطلب بذلك مرضاة ربه سبحانه وتعالى.

قال (وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19)) يعني ليس يعطي العطاء من أجل أنه يجازي أحداً على نعمة أسداها له، ففلان أكرمك لما مررت به أو سافرت إليه فهو إذا جاء أنت تكرمه، هذه كرامة مقابل كرامة فليس لك فيها من الحظّ مثل ما لو أكرمت أحداً ليس له عليك يد فيكون حظّك عند الله عظيماً وأجرُك على الله كبيراً. وهذه الآيات بإجماع العلماء نزلت في حقّ أبي بكر رضي الله تعالى عنه وليست خاصة به بل كل من سار على منهجه وسلك سبيله فله من الأجر والحظ مثل ما حصّل أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. (وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19)) أبو بكر يأتي إلى الأعبد العبيد أهل مكة الذين آمنوا برسول الله فينفق في إعتاقهم الأموال الكثيرة فكان أبوه يقول كيف تضع مالك في مثل هؤلاء؟ هؤلاء لا يستحقون ضعها في شيء مهم وعظيم، فيقول يا أبي إن لي ما أريد أنا لي نية في هذا الأمر فأنزل الله عز وجل في مدحه والثناء عليه هذه السورة العظيمة وهي نازلة في حق أبي بكر رضي الله تعالى عنه وهي عامة يعني إن كان السبب خاصاً فاللفظ عام والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. (وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20)) يعني ما يريد بعطائه ولا يرجو بما ينفق ويتصدق (إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ) ولذلك هو يخفي صدقته ويجتهد في أن لا يطّلع عليها أحد حتى لا تعلم شماله ما تنفقه يمينه من صدقه وإخلاصه مع الله عز وجل. ليس لنفسه ولا لأحد من الخلق عليه في ذلك شيء، إنما يرجو بها ما عند الله سبحانه وتعالى. قال (إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21)) أي سيرضيه الله عز وجل إذا ابتُعِث ذلك اليوم لأنه سعى ولم يكن له مقصود إلا أن يرضى ربه عنه. ليس لأحد عنده من نعمة تُجزى لا يريد أن يرضي أحداً من الناس لأجل ذلك المخلوق وإنما يريد رضى الله سبحانه وتعالى ولذلك هو لا يطلب من المال شيئاً ولا يشترط في المال شيئاً، وهذه ميزة المؤمن أنه ليس منّاناً ولا متعجرفاً حتى في صدقته لأن بعض الناس يتعجرف، أنا أريد تضع هذا المال في أفقر إنسان، ما يصلح هذا، هذا تشديق، تصدّق بسماحة نفس اطلب ما عند الله والله لو وقعت صدقتك هذه في يد غني أو في يد زانية أو يد قريب ليس مستحقاً فإنها مقبولة عند الله سبحانه وتعالى، خلّ نيتك واسعة وخلّ قلبك سمح وخلك ممن يعطي ويتقي الله عز وجل في عطائه ويبالي بعد ذلك إلا بأن ينال رضا الله سبحانه وتعالى.

سورة الضحى

ثم ننتقل بعد ذلك إلى سورة الضحى، لما تحدثت سورة الليل عن أبي بكر كان من المناسب أن تتحدث عن من صنع أبا بكر فتأتي سورة تتحدث عمن ربّى أبا بكر عمن تعلّم على يديه أبو بكر، من هو؟ رسول الله. إذا كان الله عز وجل قد مدح أبا بكر بقوله (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17)) وأن له عند الله ما يرضيه (وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21)) فإن محمداً صلى الله عليه وسلم الذي ربّى أبا بكر وأخرج مثل هذا الرجل العظيم له مقام عند الله جليل، ما هو مقامه؟ اِسمعوه في هذه السورة.

قال الله عز وجل في سورة الضحى وهي سورة مكية وعدة آياتها إحدى عشرة آية (وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2)) والضحى هو المعروف الذي يكون أول النهار وقال بعضهم إنه عبارة عن النهار كله ولا مانع أن يراد به ذا وذا، والله أقسم وله أن يُقسم بما شاء من خلقه. (وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2)) أي والليل إذا سكن أو غطّى الكون بظلامه.

ثم بيّن المُقسم عليه فقال (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3)) هذه الآية أو هذه السورة نزلت لأن النبي صلى الله عليه وسلم تلبّث عليه الوحي ليلتين أو ثلاث وكانت أم جميل وهي زوجة أبي لهب عمّ النبي صلى الله عليه وسلم شديدة الغيظ على رسول الله والعداوة له عليه الصلاة والسلام، فلما رأت أن الوحي قد تلبّث عليه ليلتين أو ثلاثاً قالت: مالي أرى شيطانك قد قلاك؟ يعني قد هجرك وأبعدك. ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم غايته في هذه الدنيا "الله" اشتدّ عليه أن يقال إن الله قد قلاه أصابه عليه الصلاة والسلام شيء عظيم، من يتحدث بعلاقته مع الله؟! من يشكّك في علاقة ربي بي وعلاقتي بربي سبحانه وتعالى؟! فأنزل الله هذه السورة مطمئناً له وابتدأها بقوله (وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2)) فكأن هذا الوحي الذي أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو النهار والنور الذي يأتي بعد الظلمة. يقول الله (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3)) أي ما تركك ربك وما أبغضك وقلاك وهجرك.

(وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4)) ما ودّعك وستكون الآخرة خيرٌ لك من الأولى، هذه الأولى سيصيبك فيها الضعف والمرض والفقر ويصيبك بها شيء من الشقاء لكن الآخرة ستكون نعيماً خالصاً.

(وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)) انظروا أقسم على نفي اثنين ثم على اثبات اثنين. فأقسم أنه لم يودّعه ربه ولم يقلاه لم يُبغضه ثم أقسم على أن له ثنتين: الأولى أن الآخرة خيرٌ له من الأولى وأن الله سوف يعطيه في الآخرة حتى يرضى. وقد قال بعض العلماء إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرضى حتى يُدخل أمته الجنة فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يدخلون الجنة بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم. قال (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ) وأضاف الربوبية إليه من باب الإضافة التي تدلّ على العناية، ربك أنت المعتني بك وإلا فهو ربٌ للعالمين لكن ربوبيته لمحمد صلى الله عليه وسلم ليست كربوبيته لسائر الخلق قال (فَتَرْضَى (5)).

ثم بيّن له الدلائل على أن الله لم يهجره ولم يُبغضه ولم يتركه قال مذكِّراً له بما سَلَفَ من نعمه عليه (أَلَمْ يَجِدْكَ) هذا استفهام للتقرير (أَلَمْ يَجِدْكَ) يا محمد (يَتِيمًا) قد مات أبوك بل ومات جدك ثم أعقب ذلك أن ماتت أمك ثم بعد ذلك بزمن طويل مات عمك الذي كان يحميك ويرعاك. (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6)) أي آواك من ذلك اليُتم بأن سخّر لك جدّك يكفلك ثم من بعد جدّك عمّك يكفلك على ما كان عليه من الفقر وكثرة العيال. (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7)) ضالّاً هنا بمعنى لا تعرف شيئاً من هذا النور والوحي والشرع الذي أوحي إليك فهداك إليه ودلّك عليه. (وَوَجَدَكَ عَائِلًا) أي فقيراً (فَأَغْنَى (8)) فأغناك والغنى هنا ينتظم أنواع الغنى وأعظمها وأجلُّها غنى النفس. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الغِنَى عن كثرة العَرَض ولكن الغِنَى غِنَى النَّفس» يعني أن يمتلئ قلبك غنىً بالله عز وجل فأنت لا تبالي بما جاءك من الدنيا وما فاتك منها. يرزقك الله القناعة وكما قالت العرب القناعة كنز لا يفنى.

قال مبيناً ما يجب على النبي صلى الله عليه وسلم في مقابل هذه النعم: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ) ألم تكن يتيماً فآواك؟ (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9)) أي لا تقهره حقه، لا تقهره بأن تسيء إليه ولا تقهره حقه بأن تأخذ منه ما وجب له من المال بل أكرِمه وأنعِم عليه وأعطف عليه وارحمه. (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10)) كلمة السائل تقابل الآيتين وهما قوله (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8)). أما السائل سائل العلم فلا تنهره وهذه في مقابل قول الله (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7)) وأما السائل سائل المال وهذه في مقابل قوله (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8)) فذكّره بثلاث نعم مضت من الله عليه، يتيم وضالاً فهدى وعائلاً فأغنى وذكّره بأنه يجب أن يقابل كل نعمة من الله بشكر فقال (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ) سائل العلم فاهده كما هداك الله وسائل المال أعطِه كما أعطاك الله. (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10)) لا تزجره عندما يأتيك بل أقبِل عليه وارحمه وأكرِمه وأعطه مما أعطاك الله سألك مالاً أو علمًا.

ثم قال بعد ذلك من تمام الشكر أن تحدّث بنعمة الله (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)) ونعمة هنا اسم جنس وقد أضيف فيدلّ على العموم أي "وأما بنعم ربك فحدث" وهذا من كلام العرب. قال الله عز وجل (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ)[النحل:18] ليست نعمة هنا نعمة واحدة بل نعمة هنا مفرد وهو اسم جنس أُضيف فيدل على العموم، أي "وإن تعدوا نعم الله لا تحصوها". قال (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)) شاكراً لله عز وجل ما أنعم عليك. وهنا كلمة "حدِّث" جاءت مطلقة فتشمل حدث نفسك وحدث من تحب وحدث عموم الناس بعموم نعم الله عليك ولهذا يقال للإنسان دائماً تحدّث بنعم الله عليك وذكر نفسك بنعم الله عليك وقل الحمد لله إذا سألك إنسان كيفك يا فلان؟ الحمد لله أنا في نعمة أنا في خير، الحمد لله أنا في سعة من أمر الله ورزقه وفضله وإنعامه لا أحصي ثناء على الله. ترى هذا لا بد يُسمع منك لأنه من تمام شكر نعمة الله على عبده. ولا تضيّق نعمة الله في المال نِعَم الله عليك أكثر من ذلك والله لو كنت مريضاً ما أغناك المال شيئاً ولا نفعك شيئاً ولا تنظر إلى ما أوتيت من المال فتقيس نعم الله بهذا المال أو تُبعِد نعم الله عن ناظريك ولا تذكر منها إلا المال، بل اُذكر كل شيء وتذكّر كل نعمة ويا ليت إن الواحد منا يكتب نعم الله عليه، كثيرة جداً، تتجدد للإنسان في كل لحظة في كل ثانية في كل طرفة عين.

سورة الشرح

قال الله عز وجل بسم الله الرحمن الرحيم (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1)) هذه سورة الشرح. وسورة الشرح جاءت إتماماً لما جاء في سورة الضحى، فسورة الضحى ذكرت نِعَم الله على رسوله النِعَم الحسّية (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا) عائلاً، ضالاً، وأما سورة الشرح فجاءت للنعم المعنوية والنعم العظمى والكبيرة، فتلك سورة الضحى هيأت للدخول في سورة الشرح. قال الله عز وجل فيها وهي سورة مكية (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1)) هذا استفهام تقريري يراد به "قد شرحنا لك صدرك" وبالفعل لقد شرح الله صدر محمد صلى الله عليه وسلم فاتسع فأصبح عليه الصلاة والسلام حليماً رفيقاً وإلا فكيف يحمل هذه الأعباء العظيمة ويقوم بهذه الدعوة دعوة الخلق التي لم تشرق عليها الدنيا وحده عليه الصلاة والسلام إلا وقد شرح الله صدره. تعرفون أن من دعاء موسى عليه الصلاة والسلام عندما كلّفه الله وابتعثه (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25)وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26))[طه] وهذا يدلنا على أن أصحاب الهمم العالية والأعمال الكبيرة لا بد أن يتسموا بانشراح الصدور حتى ينجزوا تلك الأعمال ويقوموا بتلك المهام. (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1)) أي قد شرحنا لك صدرك ولا مانع أن يدخل في هذا الشرح "الشرح الحسّي" وهو أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد شُرح صدره ثم أخذ منه حظُّ الشيطان كما حصل له عندما كان مرتضعاً في بني سعد وجاء إخوانه وأخبروا أمهم حليمة السعدية بما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم.

قال (وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2)) غفرنا لك ذنبك وحططنا عنك الآثام والخطايا. (الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3)) أي أثقل ظهرك فإذا كان محمد صلى الله عليه وسلم يثقل ظهره بالذنب فماذا أقول أنا وماذا تقول أنت أيها العبد الضعيف المُذنِب؟!! كل ما تجده من الثقل والهم والغم والكسل عن طاعة الله والتباطؤ وتشويش الفكر كلّه بسبب إثقال الذنب لك، فالذنب يُثقل الإنسان ولذلك لا يزكو الإنسان حتى يتطهّر من هذه الذنوب ويخرج منها. (وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2)) فالله قد غفر لمحمد صلى الله عليه وسلم ما تقدّم من ذنبه وما تأخر فضلاً منه ونعمة على نبيه وخليله محمداً صلى الله عليه وسلم.

قال (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)) جاء برفع الذكر بعد غفران الذنب لأن رفع الذكر جزاء فلا يكون إلا بعد أن تُحطّ الذنوب وهذا يدلنا على أن الإنسان لا يُرفع ذكره في العالمين حتى يكون مستغفراً قد حطّ الله عنه ذنوبه. رفعنا لك ذكرك حتى جعلنا ذكرك مقارناً لذكرنا فلا يُذكر الله في الأذان إلا ويُذكر معه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن ذكر رسول الله المرفوع أنه عليه الصلاة والسلام لا ينقطع ذِكره من الأرض ثانية واحدة منذ بُعث عليه الصلاة والسلام وإلى اليوم. قال (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)) الآن هناك ناس تؤذن الظهر، وناس تؤذن العصر، وناس تؤذن المغرب، وناس تؤذن العشاء، وناس تؤذن الفجر في هذه اللحظة وعلى امتداد الكرة الأرضية فلا ينقطع ذكر محمد صلى الله عليه وسلم وأيُّ ذكر أعظم من هذا.

قال (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6)) يعني انتبه يا محمد ستصيبك مشاق لكن الله عز وجل قد جعل مع هذه المشاق يسراً تخرج به من تلك المشاقّ. فما من عسر ينزل بك إلا والله قد يسّر وأنزل معه يسراً وفرجاً وجعل لك منه مخرجاً. وهذه الآية عظيمة، هي بشرى لكل من نزلت به كربة أو حلّت به مصيبة. ما من عسر ينزل بالعباد إلا وقد جعل الله عز وجل فيه يسراً فيه يسراً أنه لم يكن أكبر مما هو عليه وفيه يسراً أن الفرج يأتي من بعد ما يشتد العسر، وقد قال ابن عباس في هذه الآية أو هاتين الآيتين: لن يغلب عُسْرٌ يُسرين. وإذا نظرت إلى الآيتين وجدت أن فيها عسرين ويسرين لكن العسرين قد ذُكِرا معرّفين واليسرين ذُكِرا منكّرين والنكرة إذا تكررت في الكلام دلّت على متعدد تقول أخذت درهماً وأعطيت درهماً هذان درهمان، أخذت درهماً وأُهدي إليه درهم هذان درهمان، وتقول أخذت الدرهم وأنفقت الدرهم هو درهم واحد. فالمعرفة إذا تكررت في الكلام دلّت على واحد والنكرة إذا تكررت دلّت على متعدد ولذلك هنا (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6)) هذان العسران عُسرٌ واحد واليسران يسران انتبهوا لها وهذا من فضل الله علينا أنه لا ينزل بالعبد عُسرٌ إلا وقد أنزل الله معه يسرين.

ثم قال الله عز وجل مبيّناً شكر تلك النعم: يا محمد هناك (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)) هنا (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7)) في عبادة ربك، متى فرغت من شغل أنت قائمٌ به انصب في عبادة الله عز وجل. ويمكن أن يكون المعنى أوسع من ذلك متى ما فرغت من شغل دنيا فانصب في شغل آخرة ومتى ما فرغت من شغل آخرة فانصب في شغل دنيا، وهذه طريقة المؤمن أنه لا يبقى فارغاً لا في شغل دنيا ولا في شغل آخرة لأن النفس متى فرغت وتوطّنت على الفراغ جاءها الفساد، نسأل الله العافية والسلامة.

قال (وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)) أي فاقصِد إلى الله وأعظِم له الرغبة واطلب منه وحده لا من أحد سواه فإن الله عنده النعم كلها والفضائل والخير كله، ارغب إليه ولا ترغب إلى أحد سواه. وقد جاءت هذه الآية بصيغة الحصر قال (وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)) ولم يقل: وارغب إلى ربك، يعني إلى ربك لا إلى غيره فارغب.

 

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال وأن يجعلني وإياكم من أهل القرآن وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل