من سورة التين إلى سورة البيّنة

المجلس الثالث - من سورة التين إلى سورة البيّنة

د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

سورة التين

(وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ﴿١﴾ وَطُورِ سِينِينَ ﴿٢﴾ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ﴿٣﴾ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴿٤﴾ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴿٥﴾ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴿٦﴾ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ﴿٧﴾ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴿٨﴾)

سورة العلق

(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴿١﴾ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴿٢﴾ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴿٣﴾ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿٤﴾ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴿٥﴾ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى ﴿٦﴾ أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴿٧﴾ إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ﴿٨﴾ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى ﴿٩﴾ عَبْدًا إِذَا صَلَّى ﴿١٠﴾ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى ﴿١١﴾ أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى ﴿١٢﴾ أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴿١٣﴾ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴿١٤﴾ كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ ﴿١٥﴾ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ﴿١٦﴾ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ﴿١٧﴾ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ﴿١٨﴾ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴿١٩﴾)

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد. فهذا هو المجلس الثالث من مجالس اليوم الختامي لدورة الأترجة المقامة في جامع شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى بحي الخليج في بريدة وهذا اليوم هو الخامس من شهر جمادى الثانية من عام ألف وأربع مئة وثلاثة وثلاثين.

سورة التين

ونبتدئ هذا المجلس بسورة التين وهذه السورة سورة مكية على الصحيح افتتحها الله عز وجل بأربعة أقسام فقال (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3)) هذه أربعة أشياء أقسم الله عز وجل بها على مُقسَم وهو قوله (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)). فأما قسمه الأول "التِّين" فهو التين المعروف على الصحيح، والزيتون هو الزيتون المعروف النبات الذي امتدحه الله عزّ وجل وامتدح زيته في القرآن. (وَطُورِ سِينِينَ (2)) هو الجبل الذي كلّم الله عليه موسى (وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3)) هو مكة. وفي الإقسام بهذه الأمور الثلاثة إشارة إلى مواطن الرسالات السماوية الثلاثة الأشهر في العالم وبدأ بها مرتّبة الأفضل ثم الأفضل منها. فبدأ برسالة عيسى عليه الصلاة والسلام المُشار إليها بقوله (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1)) لأن أرض فلسطين هي أفضل الأرض لهاتين النبتتين أو الشجرتين الكريمتين فهو إشارة إلى الموطن الذي بُعث فيه عيسى. (وَطُورِ سِينِينَ (2)) إشارة إلى الموطن الذي كلّم الله عليه موسى وهو الجبل المعروف في سيناء كلّم الله عز وجل موسى عنده. (وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3)) إشارة إلى المكان الذي بُعِث فيه خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم. وهذا إقسام عظيم من الله عز وجل بهذه الأمور الثلاثة أو الأربعة. قال العلماء كما في كتب علوم القرآن: لا يقسم الله بالشيء إلا لبيان منفعته أو عظمته. وقد اجتمع هذان في سورة التين فأقسم الله بالتين والزيتون لمنفعتهما وأقسم بالطور والبلد الأمين لعظمهما.

ثم لما أقسم بهذه الأمور العظيمة بيّن المُقسَم عليه فقال (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)) أي خلقناك أيها الإنسان على أحسن خِلقة وأكملها وأتمّها فأنت أحسن المخلوقات في تمام خِلقتك وفيما آتاك الله عز وجل من الآلات والامكانات فحريٌ بك أن تُسخِّر هذا لطاعة ربك سبحانه وتعالى فتؤمن وتعمل الصالحات.

قال الله عز وجل (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5)) ثم إن بعض الناس كفر بالله فردّه الله أسفل سافلين. وأسفل السافلين عبارة عن نار جهنم وهو المكان الذي أعدّه الله عز وجل لمن كفر به أي مع أن الله أكرم هذا الإنسان وحَسَّن خَلْقَه وأنعم عليه بأن فضّله على سائر المخلوقات إلا أن منهم من يقابِل هذه النعمة بالجحود والكفران حتى يصل إلى النار.

ثم قال (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا) إلا من آمن وعمل صالحاً (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) فهؤلاء لهم منا الجزاء الأوفى لهم أجرٌ غير منقوص (غَيْرُ مَمْنُونٍ (6)) أي غير منقوص ولا محسوب ولا مقطوع، فكلمة ممنون تأتي بمعنى منقوص وبمعنى محسوب وبمعنى مقطوع. ومن العلماء من قال (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5)) أي رددناه إلى الهَرَم والخَرَف بعد أن كان في أحسن تقويم وهذا المعنى غير صحيح لأنه لا يسمّى الهرم والخرف والردّ إلى أرذل العمر لا يسمى أسفل سافلين هذا أولاً، وثانياً كيف يُقسِم الله عز وجل بأمر عظيم على شيء لا يتحقق به كبير شأن، يعني هل يُقسم الله على أن الليل يطلع أو النهار يطلع؟ ما يقسم الله على ذلك، ما يقسم الله إلا على حقائق يريد من العباد أن يؤمنوا بها حقائق تغيب عنهم حقائق تحتاج إلى أن نؤكد لهم وقوعها بقسم. يعني أنا ما يليق بي أن أقول أُقسم بالله أن هذا الذي خلفي جدار، تقول خير ما يحتاج يا أخي! لكن لو قلت أقسم بالله أن وراء هذا الجدار حريق يستحق القسم أو ما يستحق؟ يستحق، لأنه شيء غائب عنكم. فكذلك هنا ما أقسم الله عز وجل على هرم الإنسان إنما أقسم على خلق الإنسان في أحسن تقويم ثم ردّه إلى أسفل سافلين إلى النار وهذه الآيات مثل قول الله عز وجل (وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)) هذا هو الصحيح في هذه الآية والعلم عند الله. قال (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا) إلا من آمن مصدّقاً مؤمناً قائماً بأمر الله عز وجل في قلبه ثم برهن على ذلك بالعمل والعمل يشمل عمل اللسان بالقول وعمل الجوارح بأداء العبادات والمفروضات (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ). والعمل لا يكون صالحاً كما يقول العلماء إلا بشرطين:

·         الشرط الأول أن يكون خالصاً لله،

·         والثاني أن يكون صواباً على منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال (فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6)) نكّر الأجر هنا ليعظّمه فإن التنكير يأتي للتهويل والتعظيم، لهم أجر (غَيْرُ مَمْنُونٍ) أي لا مقطوع ولا محسوب ولا منقوص، وهذا هو أجر الله عز وجل الذي يناله المؤمنون في الجنة. وهذه الآيات تماماً مثل الآيات التي وردت معكم في سورة الانشقاق (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (24) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (25)) كذلك هنا (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5)) أي رددناه في العذاب (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6)).

قال الله (فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7)) ما الذي يحملك على أن تكذِّب بالجزاء والحساب والبعث؟ ما الذي يحملك على ذلك؟ أيُّ شيء يدعوك إلى هذا؟ أتشكّ في قدرة الله الذي خلقك في أحسن تقويم؟! ما الذي يحملك على ذلك؟ أرُسُلي لم تبلغك بذلك؟ ألم يأتِك في كتبي ما يدلك على ذلك؟ ما الذي يحملك على أن تكذّب بيوم الدين؟.

قال الله عز وجل (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8)) بلى فإنه ما خلق الخلق هذه الخِلقة ثم بيّن لهم طريق الخير والشر، أنزل عليهم الكتب وأرسل لهم الرسل ثم بعد ذلك جازاهم بجزاءين إما نارٌ تلظى وردٌ إلى أسفل سافلين أو أجرٌ غير ممنون هذا هو حكم الله في عباده (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8)) بلى ونحن على ذلك من الشاهدين.

سورة العلق

ثم تأتي من بعد ذلك سورة العلق وهذه السورة مكية بالإجماع وأولها هو أول ما نزل من القرآن على الإطلاق بالإجماع أيضاً. وهي خمس آيات نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما كان يتعبّد في غار حراء الليالي ذوات العدد ثم ينزل عليه الصلاة والسلام إلى زوجه خديجة رضي الله تعالى عنها وأرضاها فيتزود لمثلها ليذهب ليخلو بربه فيتعبّد له. فإن قلت ماذا كان يفعل عليه الصلاة والسلام؟ كان يتعبّد لله عز وجل ولم يكن عنده إلا ما وصل إليه من الحنيفية ملّة إبراهيم ولم يتلوث عليه الصلاة والسلام بشيء من الشرك كما قال الله في حقّ أبيه (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135))[البقرة] (وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120))[النحل] وهو عليه الصلاة والسلام أزكى من أبيه وأعظم وأجلُّ قدراً فلم يكن يوماً من الأيام مشركاً عليه الصلاة والسلام وحاشاه من ذلك. عندما كان هنالك وأراد الله عز وجل به هذا الخير العظيم أنزل إليه جبريل فجاء إليه وهو في غاره غار حراء فأخذه فغطّه ضمّه إليه ضمّة شديدة حتى بلغ منه الجَهْد فقال له: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ أنا لا أحسن القراءة، فأطلقه ثم غطّه مرة ثانية قال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ يقولها عليه الصلاة والسلام بكل صادق ووضوح ثم أرسله ثم غطّه الثالثة فقال (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)). فهذه الآيات الخمس الأولى هي أول آيات نزلت من القرآن وهي تبيّن حقيقة هذا الدين وأنه مبنيٌ على العلم والقراءة والتلقّي وأخذ الوحي من الله وشكر نعمة الله على نعمتي القراءة والكتابة لأنهما من أعظم أسباب الهداية فمن قرأ ما ينفعه وأخذ به وتعلّم وجعل العلم هادياً له إلى الله فإنه لا بد أن يُهدى. ولاحظوا هذه السورة افتُتحت بـ"اقرأ" واختُتمت بـ"اسجد واقترب" ليدلنا على أن العلم عندنا ليس نافعاً وحده بل لا بد أن يقارنه عمل فلا خير في علم لا يهدي الإنسان إلى عمل.

قال الله عز وجل (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) أي مبتدأً ومستعيناً (بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)) وأضاف الربوبية إليه يعني الرب مضاف إلى كاف الخطاب هذه إضافة خصوصية، ربك الذي يختصّك بالإنعام وينعم عليك، هذه الربوبية الخاصة. (الَّذِي خَلَقَ (1)) وأطلق خلق الخلق كله وخلقك وخلق بني آدم ثم خصّ من الخلق الإنسان لأنه هو محل التكريم وهو محل التكليف أيضا قال (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2)) خلق الإنسان من قطعة دم يسيرة غليظة هذه تسمى علقة. وهذه القطعة سميت بهذا الاسم لأنها تشبه حشرة أو دويبة تكون في الماء تسمى العلقة سميت بذلك لأنها تعلق في جدار الرحم وصورة الجنين في تلك المرحلة تشبه صورة تلك الدويبة أو الحشرة التي تعيش في الماء تسمى العلقة.

قال الله عز وجل (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ) كرّر الأمر تأكيداً (وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3)) يعني إذا قرأت فإن الله عز وجل يُكرمك لأنه الأكرم ويعطيك ويهديك وينعم عليك بأعظم النعم وهي نعمة الوحي ونعمة الهداية ونعمة الدلالة على الله. (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4)) فالذي أمرك أن تقرأ هو (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4)) وتعليمه بالقلم من كرمه سبحانه وتعالى فلولا أن الله أكرمنا بأن تعلمنا الكتابة وأصبحنا نقيّد الأفكار بالأقلام لضاعت كثير من العلوم ولبقيت البشرية على ما كانت عليه عندما خلق الله آدم. فكيف تُنقل الحضارات ويستفيد الناس مما مضى ممن قبلهم ويعرفوا أوصاف الأشياء ويعرفوا توثيقها وتنقل لهم الآثار والعلوم والوحي وتوثّق لهم الأشياء إلا بالقلم. فالله قد أكرم العباد بالقلم، وانظروا إلى القلم على صغره إلا أن له أثراً جليلاً في حياة البشر.

قال الله عز وجل (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)) علّم الانسان أشياء لم يكن له بها علم ولم يكن له بها طاقة ولا وسع، وهي كثيرة وفي كل يوم تتجدد. شيخنا الشيخ ابن باز رحمه الله عندما جاؤوا إليه بفتاوى نور على الدرب وقد سجلت في اسطوانة واحدة في سي دي أو دي في دي وقيل له: يا شيخ هذه فيها ألف ساعة أو شيء من هذا القبيل من تسجيلاتك في فتاوى نور على الدرب، فقال الشيخ: أين هي؟ فأعطوه السي دي فتعجّب أنه لا وزن له يذكر فقال: كل هذا موجود هنا؟ قالوا: نعم، قال: لا إله إلا الله علّم الإنسان ما لم يعلم!. ونحن الآن نتعجب من مخلوق من مخلوقات الله التي هدانا الله إليها إذن فكيف هو اللوح المحفوظ الذي يُحصي كل ذرة تكون في الكون ما يفوت على الله منها شيء، ما من عمل عملناه ولا حركة تحركناها ولا لفظ تلفظناه إلا وهو مدوّن قبل أن يكون وبعد أن يكون في كتاب (لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا) [الكهف:49]

قال الله عز وجل (كَلَّا) حقاً (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6)) الإنسان الكافر ليطغى إذا حصلت له هذه الحال التي ذكرها الله عز وجل. قال (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7)) أي عندما يرى نفسه مستغنياً، هذا مالي (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي)[القصص:78] لا بد أن يصل إلى الطغيان شاء أم أبى والله عز وجل يقول (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6)) يتجاوز حدّه إذا رأى نفسه مستغنياً أما لو اغتنى كثُر ماله ولم يرَ نفسه مستغنياً عن الله بل رأى نفسه مفتقراً إلى الله وأن ما بيده من الله فإنه لا يطغى. ولذلك نبي الله سليمان عندما جاءه الكرسي في لمح البصر قال (هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي)[النمل:40] ما قال هذا من قوتي وجهدي وجنودي وقدرتي أيُّ ملك مثلي؟ لا، قال (هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ) هل طغى سليمان؟ حاشاه عليه الصلاة والسلام أن يطغى وهو يرى نفسه مفتقراً إلى الله وأن ما بيده كله من الله.

قال (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (8)) يعني كيف تطغى وأنت تعلم أن الرجعى كلها إلى الله؟! المرجع إلى الله أنت وما بيدك سترجعون إلى الله، هذا الذي بيدك تستغني به عن الله هو من الله وستعود أنت وإياه إلى الله.

قال الله عز وجل (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9)) هذا للتعجّب من حال هذا الشخص الذي ينهى وهو أبو جهل كما ذكر المفسرون. ينهى (عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10)) ينهى النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلّى عند الكعبة وأصنام المشركين عن يمينه وعن شماله. (أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11)) يعني أرأيت أيها الناهي إن كان هذا الذي تنهاه (عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12)) فكيف تنهاه؟ بأيّ حُجّة أنت تنهاه؟ هو الآن يعبد الله وأنت أيها الناهي تؤمن بالله وأنه الذي خلق السماوات والأرض فكيف تنهاه أن يعبد مولاه الذي خلقه وخلق السماوات والأرض؟! أرأيت إن كان هذا الذي تنهاه (عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13)) أرأيت إن كان هذا الناهي قد كذّب وتولى (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14)) هذه آية يجب أن تكون شعاراً للمسلم يضعها أمام عينيه (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14)) تهديد له كيف تنهى عبدي الذي يسجد لي ويعبدني وتكذب بالآيات وتتولى عن الإيمان بها وقد جاءتك واضحة صريحة؟! ألم تعلم بأن الله يراك وأنت تكذّب وأنت تنهى وأنت تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتهمّ بأن تلقي عليه ما تلقي من أجل أن تؤذيه عليه الصلاة والسلام ألم تعلم بأن الله يراك؟

قال الله عز وجل (كَلَّا) هذه ردعٌ وبهذا نعلم أنه جاءت كلا في هذه السورة مرة بمعنى حقاً ومرة بمعنى الردع والزجر. (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6)) هذه بمعنى "حقاً". (كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ) هذه ردعٌ له عن فعله السيء القبيح (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ) عن فعله وعن نهيه عبداً إذا صلى (لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (15)) لنأخذنه أخذاً شديداً ولنجبذنه من ناصيته جبذاً أو جذباً شديداً (لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16)) ذكر الناصية وأراد صاحبها بل وأرادها هي ما اختار الناصية إلا لحكمة وقد أشرت إلى هذا في بعض الأحاديث وهي أن هذه الناصية هي المحل المسؤول عن الأخلاق الكذب والصدق والحياء والكرم والاحترام والعلاقات مع الناس المسؤول عنها الفَصّ الأمامي من المخ. كيف اكتشف هذا؟ اكتشف حديثاً في إحدى المستشفيات جيء بإنسان قد صار له حادث وقد تهشمت جمجمته من الأمام فأجريت له عمليات ترميم ثم خرج فرأى أهله أنه قد خرج عاقلاً لكن أخلاقه متغيرة ليست أخلاقه هي أخلاقه الأولى في الحياء في الكرم في الاحترام في التقدير في غير ذلك فجاءوا إلى المستشفى وأخبروهم، الأطباء قالوا كل شيء سليم وليس هناك شيء نحن نستنكره حصل مثل ذلك مرة ثم مرة ثالثة فدون الأطباء أن هذا يدلّ على أن الفَصّ الأمامي من المخ هو المسؤول عن الأخلاق. عرضوا ذلك على العلماء فقال لهم العلماء في القرآن إشارة إلى هذا المعنى قال الله (نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16)) كيف نسب الكذب والخِطء وهو الإثم إلى الناصية؟ إلا لأن هناك علاقة بين الناصية وبين هذه الأعمال. ولذلك الرجل إذا تزوج بنى بامرأته دخل عليها في أول ليلة أول ما يفعل أنه يضع يده على ناصيتها فيقول: "اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه". لماذا؟ لأن مجال الإشكال الذي يكون بين الرجل والمرأة جانب الأخلاق المرأة تنشز عليه أو تتعالى عليه أو لا تطيعه أو تعانده أو تمكر به كل هذا المنطقة المسؤولة عنه هي المنطقة الأمامية من المخ ولذلك يضع الرجل يده على ناصية امرأته ويقول هذا الدعاء للعلاقة بين الدعاء والمكان الذي يُدعى فيه.

قال الله عز وجل (نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16)) وخاطئة بمعنى آثمة وخاطئ من خطئ فهو خاطئ أي آثم فعل الذنب قصداً أما مخطئ فهي من أخطأ الرباعي أخطأ يُخطئ فهو مخطئ وهذا من فَعَل الشيء عن غير عمد. قال النبي صلى الله عليه وسلم «لا يحتكر إلا خاطئ» أو «من احتكر فهو خاطئ» أي آثم. (إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31))[الإسراء] من خطئ خطئاً فهو خاطئ أي آثم أما مخطئ فهي بمعنى فَعَل الشيء عن غير قصد.

قال الله عز وجل (فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17)) لأنه قال مفتخراً على رسول الله أنا سيّد أهل الوادي وأنا أكثر أهل الوادي نادياً يفتخر بجلسائه ومن يكونون معه. قال الله عز وجل مهدداً إياه (فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18)) ندعو الملائكة الذين يُسمون الزبانية وهم ملائكة العذاب وسُموا زبانية من الزَبْن وهو الدفع مثل ما يقال زبوناً لأنه يدفع عن نفسه الخسارة أو يدفع المال في مقابل السلعة الملائكة سموا زبانية لأنهم يدفعون الظالمين والكافرين في نار جهنم.

(كَلَّا) ردعٌ وزجر لهذا الذي يفعل ذلك الفعل ويهدّد النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيدعو ناديه ليفخر به على محمد صلى الله عليه وسلم وينتصر بهم عليه. ثم قال (لَا تُطِعْهُ) يا محمد إذا نهاك عن الصلاة وعن السجود لله. (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)) لا تطعه يا محمد إذا نهاك (وَاسْجُدْ) اسجد لله وحده وتقرب إليه بذلك السجود. وقوله (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)) في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)) فأقرب حالة يكون فيها الإنسان بين يديّ الله هي حالة السجود قال: «فأكثروا من الدعاء فَقَمِنٌ أن يُستجاب لكم». ولاحظوا العلاقة بين قوله (نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16)) وقوله (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)) ما قال وصلِّي واقترب، قال "اسجد" لأن السجود هو الذي يجعل هذه الناصية الشريفة المكرمة ممرّغة لله عز وجل وذليلة بين يدي الله. وإذا ذلّت بين يدي الله أكرمها الله بأن جعلها ذات أخلاق عالية يقولون الحالة الوحيدة التي تتروى فيها النواصي بالدماء هي حالة السجود ولذلك المؤمن تجده كلما أكثر من السجود علاه الوقار والخشية والاحترام وعظُم أدبه وكثر خيره. هذه طبعاً آخر سجدة للتلاوة في القرآن الكريم.

سورة القدر

ثم ننتقل بعد ذلك إلى سورة القدر وهي سورة مكية وقيل مدنية والقول الأول كما قال الماوردي هو قول الأكثرين أنها مكية وأما الثعلبي فقال إن الأكثرين على أنها مدنية يعني الماوردي يثبت بأن الأكثرين على أنها مكية والثعلبي يثبت أن الأكثرين على أنها مدنية والظاهر أنها مكية.

قال الله عز وجل (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1))، (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ) أي القرآن فإن قلت الضمير هنا عاد على غير مذكور قلنا نعم، لأن الحديث في القرآن كثير جداً وقد جرت العادة أن الضمير إذا كان عن شيء غير مذكور وهو مناسب للقرآن فإنه يعود إلى القرآن، فهو كثير في كتاب الله عز وجل أن يعود الضمير إلى القرآن وإن لم يُذكر القرآن قبله. قال (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ) أي القرآن (فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1)) والمقصود بهذا النزول النزول جملة واحدة نزل من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا جملة واحدة وهذا النزول لتشريف هذا النبي وتشريف هذه الأمة وإعلام أهل السماء بهذا الحَدَث العظيم الذي هو إنزال خير كتاب على أهل الأرض. (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1)) وليلة القدر في رمضان وهي الليلة المباركة وإذا جمعنا الآيات الثلاث الواردة في هذا كمّل بعضها بعضاً وقد قال الله عز وجل في سورة البقرة (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) إذاً أُنزل القرآن في شهر رمضان، وقال في سورة الدخان (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) إذاً فهي ليلة مباركة من شهر رمضان، وقال (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1)) إذاً فهي ليلة القدر الليلة المباركة من شهر رمضان فعرفنا بذلك أن إنزاله أول ما نزل من اللوح المحفوظ إلى بيت العزّة في السماء الدنيا في ليلة القدر وهل يمنع ذلك أن يكون أول شيء نزل منه على رسول الله وهو قوله (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)) أن يكون في ذلك الليلة؟ لا مانع من ذلك، ونقول لا مانع أن يراد نزوله جملة واحدة إلى السماء الدنيا ونزول أول قطعة منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت في تلك الليلة.

قال (وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2)) أيُّ شيء هذه الليلة هذا من باب التفخيم قال سفيان بن عيينة: كل شيء في القرآن كل ما فيه "وما أدراك" فقد أخبر به وكل ما فيه "وما يدريك" فإنه لم يخبر به. يعني كل شيء قال "وما أدراك ما كذا" فإنه أخبر به وبيّنه وكل شيء فيه "وما يدريك" فإنه لم يُخبر به وهذه من القواعد الاستقرائية. قال (وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2)) ليلة القدر سميت بذلك إما من التقدير لأن الله يكتب فيها مقادير الخلائق وإما من القدر والشرف والمنزلة ولا مانع من اجتماع المعنيين في هذا الاسم. فهي ليلة القدر لأن الله يقدِّر فيها ما يكون في العام إلى ليلة القدر المقبلة، وهي ليلة القدر أي ليلة الشرف والمنزلة لأنه يقال فلان عظيم القدر أي عظيم المنزلة.

قال (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)) أي العبادة فيها تعدل عند الله عزّ وجل عبادة في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر وهذا كرمٌ عظيم من الله على هذه الأمة أن جعل فيهم ولهم هذه الليلة التي من عَبَد الله فيها وصدق وقام إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه وكانت له بعدل ألف شهر سبحان الله يعني تعدل عمل ثلاث وثمانين سنة وأربعة أشهر ومع ذلك كثير من الناس يتشاغل عنها ويُحرَم فضلها وأجرها.

قال الله عز وجل مبيّناً ما يكون فيها من الشرف (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا) أي في تلك الليلة تتنزل الملائكة تنزل ملائكة الرحمة تُسلِّم على العباد (وَالرُّوحُ) وهو جبريل على الصحيح (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) أي بأمره لا ينزلون إلا أن يأذن الله لهم فلا يفعلون شيئاً ولا يقومون بأمر إلا أن يأذن الله لهم فهم عباد مطيعون لله (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6))[التحريم]. (مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4)) أي بكل أمر يأمرهم الله به من خير ورزق وسعة وفضل ورحمة وغير ذلك.

ثم قال (سَلَامٌ هِيَ) أي تلك الليلة ليلة سلام تسلِّم فيها الملائكة على من تمر به من المؤمنين تسلِّم عليهم وتدعو له بالسلامة وهي ليلة سلامة لمن كتب الله له فيها خيراً (سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)) يعني حتى يطلع الفجر بهذا نستدل على أن الليل يكون نهايته بطلوع الفجر.

سورة البينة

ثم ننتقل بعد ذلك إلى سورة البينة التي تسمى سورة البينة وتسمى عند بعضهم سورة "لم يكن". قال الله عز وجل بسم الله الرحمن الرحيم سورة البينة وهي سورة مكية في قول بعض المفسرين ومدنية في قول الجمهور قال (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1)) أي لم يكن الكفار سواءً كانوا كتابيين أو كانوا من مشركي العرب تاركين ما هم عليه من الدين (حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1)) وهو (رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (2)) يعني أنه كانوا سيبقون على ما هم عليه من الدين المشركون على ما هم عليه من الشرك واليهود على ما هم من اليهودية والنصارى على ما هم عليه من النصرانية حتى تأتيهم بينة من الله عز وجل. وقد جاءت هذه البينة وهي (رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ) محمد صلى الله عليه وسلم (يَتْلُو) أي يقرأ (صُحُفًا مُطَهَّرَةً (2)) ليس فيها كذب وليس فيها غش ولا شرك ولا إثم (فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3)) أي فيها مكتوبات مستقيمة لا عوج فيها ولا انحراف وليس فيها منكر ولا ضلال بل كل ما فيها مستقيم لا عوج فيه كما قال الله عز وجل (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ)[الكهف:1-2] إلى آخر الآيات. فبعض المفسرين قال لم يكن هؤلاء جميعاً منفكين أي تاركين ما هم عليه من الدين حتى يأتيهم رسول وقد جاءهم ذلك الرسول (رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (2) فِيهَا) مكتوبات أي فيها كلام قد كُتِب فيها قيّم أي مستقيم.

ثم تعجّب الله منهم قال (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4)) يعني كانوا يقولون قبل أن يُبعث محمد قد أظل زمان نبي يبعث نؤمن به ونتّبعه ونقاتلكم عليه أيها المشركون فنقتلكم قتل عادٍ وإرم -أو كما قالوا- فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا فمنهم من آمن برسول الله ومنهم من كفر، عجباً لكم! كنتم مجتمعين على كلمة واحدة كلكم تقولونها وتؤمنون بها فما الذي فرّقكم؟! قال (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4)).

ثم بيّن الله عز وجل أمراً واحتجّ به عليهم أيها الناس هذا الرسول الذي هو بيّنة من الله عندما جاءكم بمَ أمركم؟ هل أمركم بشيء تنكرونه؟ قال لكم مثلاً اكفروا بالأنبياء، سبّوا موسى وعيسى، لا تؤمنوا بالله، أشركوا مع الله غيره، اُعبدوا الأصنام، هل قال لكم شيئاً من ذلك؟ حتى تقولوا لا، لا، لا نؤمن به. لا إنه لم يقل شيئاً من ذلك. قال الله عز وجل (وَمَا أُمِرُوا) أي ما أمرهم محمد هذا الذي كذبوا به وتفرّقوا عليه (إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) أي قائمين بالتوحيد قد مالوا إلى التوحيد أو مالوا عن الشرك إلى التوحيد قصداً (وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ) أي يؤدّوها كاملة مكمّلة (وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5)) هذا هو دين الأنبياء المستقيم الذي جاءت به الأنبياء، فما الذي أنكرتم من حال محمد صلى الله عليه وسلم حتى تقولوا لا، لا نؤمن به؟! إن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يأتِ بشيء زائد على ما جاءت به الأنبياء في عقائدهم وأمورهم وحقائقهم الكلية والأنبياء كما تعلمون دينهم واحد (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ)[آل عمران:19] نعم شرائعهم تختلف لكن ليس هذا هو محل الإشكال دينهم الذي يدعون إليه شيءٌ واحد فما الذي أنكرتم من حاله حتى تكفروا به وقد يكون المراد في قوله (وَمَا أُمِرُوا) أي ما أمر هؤلاء الكتابيون من اليهود والنصارى في كتبهم إلا بشيء واحد هو الذي جاء به محمد، أُمروا في كتبهم أن يعبدوا الله (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) أي غير مشركين (وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5)) وهذا هو الذي جاءكم به محمد فما الذي أنكرتم مما جاءكم به؟!

قال الله عز وجل مبيّناً الجزاء بعد أن بيّن الحجة وأقام الدليل عليهم قال (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ) أي ليست النار خاصة بهؤلاء المشركين الذين يعبدون الأصنام بل هي لكل من كفر من يهودي أو نصراني أو مشرك وليس قوله (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) أن أهل الكتاب فيهم من يكفر وفيهم من لا يكفر "من" هنا بيانية أو يقصد بها (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) من كان يهودياً فكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا) هذا وعيدهم عند الله عز وجل. (أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6)) أولئك هم شر الخليقة وهذا فيه دلالة على أن الخيرية والشرية إنما تقاس بالإيمان والعمل الصالح وليس بالصناعات وليس بالتقدّم العلمي والتكنولوجي هذا كله من متاع الدنيا الزائل الذي لا يأبه الله به ولا يساوي عند الله جناح بعوضة. ولذلك بعض الناس لما مات أحد المخترعين الكبار في العام الماضي قال مثل هذا حرام يُعذَّب حرام نقول إنه في نار جهنم سبحان الله! أنحن نستدرك على الله؟! أنحن نستدرك على كتاب الله فنقول حرام يدخل فلان الجنة وإلا حرام يدخل النار؟! هذا ليس حكماً لنا ولا منا، هذا من الله الذي خلق العباد وليست القضية قضية صناعة أو حضارة أو رقي هذه الدنيا كلها ما خلقت إلا للابتلاء وهي ممر من عمل فيها صالحاً وآمن استحق الجزاء الأوفى والأكرم من الله الكريم ومن كذّب وعصى وانشغل وتلهّى فإن الله عز وجل قد توعّده بهذه النار.

ثم قال (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح (أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7)) أي خير الخليقة التي برأها الله وأنشأها. (جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) ولاحظوا بدأ بالعندية تكريماً لهم وأنه ليس المهم أن ينالوا الجنة، أهمّ منه أن يكون ذلك عند الله ولذلك كما قالت امرأة فرعون (قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا) أهم شيء أكون قريبة منك، أصل إليك يا ربي. (جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا)، (جَنَّاتُ عَدْنٍ) أي جنات إقامة خلود فلا موت، خلود فلا انقطاع ولا انقضاء. (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) في غير أخاديد فالأنهار تجري من تحت كيف؟ الله أعلم (مِنْ تَحْتِهَا). (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) ولما جاء إلى جزاء المؤمنين أكّده بالأبدية اطماعاً لهم بأنهم سينالون عند الله جزاء لا ينقطع ولا ينقضي. (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) لما آمنوا وعملوا الصالحات واختاروا الإيمان والعمل الصالح (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) رضوا عن الله عندما لقوا من جزائه ما لقوا لأن من رضي الله عنه فلا بد أن يُرضيه. (وَرَضُوا عَنْهُ). (ذَلِكَ) أي الجزاء (لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8)) فانظروا كيف ختم هذه السورة بأمر الخشية وهذه السورة العظيمة بالمناسبة أُمِر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرأها على أُبَيّ بن كعب فجاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى أُبَيّ بن كعب وقال له: إن الله أمرني أن اقرأ عليك سورة "لم يكن" فقال: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. فبكى أُبَيّ فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وليس المقصود من قرآءته عليه أن يتعلم منه فهو عليه الصلاة والسلام هو المعلِّم ولكن هذا تكليم لأُبَيّ وإقامة للحجّة أيضاً عليه وعلى من وراءه.

 

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل