من سورة الزلزلة إلى سورة التكاثر

الدرس 157 : تفسير من سورة الزلزلة حتى سورة الناس - د. محمد بن عبدالعزيز الخضيري

موعدها: 04:17:00 م 1433/06/05 هـ

درس العصر

المجلس الأول - من سورة الزلزلة إلى سورة التكاثر

(إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ﴿١﴾ وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ﴿٢﴾ وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا ﴿٣﴾ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ﴿٤﴾ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ﴿٥﴾ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ ﴿٦﴾ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿٧﴾ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴿٨﴾)

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلّ له ومن يُضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرًا. أما بعد، فهذا هو المجلس الرابع من مجالس اليوم الختامي في هذه الدورة المباركة دورة الأترجة المقامة في جامع شيخ الاسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله بحيّ الخليج في بريدة، وهذا اليوم هو اليوم الخامس من جمادى الآخرة من عام ألف وأربعمائة وثلاثة وثلاثين من الهجرة النبوية الشريفة.

ونبتدئ بقرآءة سورة الزلزلة وتفسيرها. هذه السورة "سورة الزلزلة" مكيّة عند بعض المفسرين ومدنية عند أكثرهم. يقول الله عز وجل فيها (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا) أي إذا حُرِّكت واضطربت لقيام الساعة. (زِلْزَالَهَا) أي اضطرابها الشديد المناسب لعظمها وهو اضطراب مهول عظيم يحيّر كل من كان عليها. (وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا) أي في ذلك اليوم تُخرج الأرض كل ما فيها من كنوز ومن موتى فتلقيهم على ظهرها وأنتم تعلمون أن الأرض مليئة بكل شيء لو لم يكن فيها إلا بنو آدم منذ أن خلقهم الله وإلى اليوم. قال الله (وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا) كلمة الانسان قد تأتي لعموم الناس وقد تأتي للرجل الكافر ففي مثل قول الله عز وجل (هل أتى  خلقنا الانسان) هذه لعموم الناس، وقد تأتي ويراد بها الانسان الكافر وقد يكون منها هذه الآية وهو قوله (وَقَالَ الْإِنسَانُ) أي المُنكِر للبعث (ما لها)، هذا إن كان القول بعد أن يُبعث الناس فهو إذا بُعث قال ما لنا بعثنا؟ ما الذي جاء بنا إلى هنا؟ ما هذه الدار التي أتينا إليها؟ أما إن كان ذلك قبل أن يفنى الخلق وكان المقصود من قيام القيامة هو انتهاء الدنيا فإن من يقول (ما لها) قد يكون مؤمنًا وقد يكون كافرًا والعلم عند الله عز وجل. قال (وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا) منكرًا لتلك الحالة (يَوْمَئِذٍ) في ذلك اليوم تحدِّث الأرض أخبارهم أي تُنبئ بما عُمل عليها من خير وشر وتقول ما كان عليها من أي أحد. قال الله عز وحل (﴿٢﴾ وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا ﴿٣﴾ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ﴿٤﴾ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ﴿٥﴾) أي بسبب أن الله أمرها بذلك وأوحى لها بأن تُخبر بما عُمل عليها. وهذه تجعل كل واحد منا يحرص على أن يزرع الأرض خيرًا وأن يعمل على كل بقعة يمرّ بها خيرًا لأن الأرض ستُخبر بما عُمل عليها فاجتهد ألّا يراك الله عز وجل على معصية في بقعة من بقاع هذه الأرض، واجتهد أن تصنع في كل موطن خيرًا، بل اِحرص على أن تفعل الطاعة في الموطن الذي لا يفعل الناس العادة الطاعة فيه، انتبه لهذا، أحياناً يكون الإنسان في طائرة والناس منشغلون بقرآءة الصحف أو المجلات أو الأكل أو بالتسلي بالألعاب أو غير ذلك صلّ في هذه الطائرة ليكن ذلك مما يشهد لك يوم لقيامة وإذا أخبرت عنك تلك الطائرة أو ذلك المكان الذي كنت عليه وإذا بها تُخبر خبرًأ حسنًا يسرك أن تسمعه يوم القيامة.

قال الله عز وجل (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا) أي أمرها بذلك وقد ورد في الحديث الذي رواه الترمذي: تشهد على كل عبد أو أمة بكل ما عمل على ظهرها. (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ) أي ينصرفون من موقف الحساب ليروا جزاء أعمالهم فيرون ماذا يجازيهم الله عز وجل به وما هو الذي كانوا يوعدون به من خير أو شر وما يبقى من الناس أحد إلا وهو يصدر لا بد أن يرى إما خيرًا وإما شرًّا.

قال الله عز وجل (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿٧﴾ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴿٨﴾) هذه آية عامة جامعة لم تدع شيئًا من الخير ولا شيئًا من الشر إلا تضمنته فأي خير تعمله ستراه سواء كان الخير خفيًا قليلًا قلبيًا أو كان ظاهرًا جليًا يُرى بالأبصار، كل ذلك ستراه. يعلم خائنة الأعين، حتى خيانة عينك التي تبصر بها ما لا يحل لك ستراها يوم القيامة وحتى قولك سبحان الله والحمد لله وكل شيء يصدر منك من خير أو شر فإنك ستراه ومعنى قوله ستراه أي ستراه أمامك وتجزى به وليس المقصود أن تراه بل إنك ستراه وتجزى به وهذا يدلنا على أن موازين الرب سبحانه وتعالى وحسابه لأعمال الخلق لا يدع منها شيئًا لأنه قال (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿٧﴾ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴿٨﴾) ومثقال الذرة شيء لا يمكن أن نوجد له ميزانًا نزنه به في الدنيا، من الخير ستراه والله لو كانت مثل راس الدبوس من الدمع يخرج من عينك رحمة على مسلم أو من خشة الله ستراه يوم القيامة ولا يضيع عند الله جل وعلا.

سورة العاديات

ثم ننتقل إلى سورة العاديات وهي سورة أيضاً اختلف فيها هل هي مكية أو مدنية والظاهر من آياتها أنها مدنية، قال الله عز وجل فيها (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا ﴿١﴾ فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ﴿٢﴾ فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا ﴿٣﴾ فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ﴿٤﴾ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ﴿٥﴾) أقسم الله بالخيل في حالة عدوها والضبح هو صوت الخيل عندما تُسرع وتعدو، (فالموريات ) توري النار أي يظهر الشرر من وقع حافرها على الحصى عندما تجري على الأرض. (فالمغيرات  ) أي تغير على العدو في وقت الصباح الذي هو أفضل أوقات الإغارة. (فأثرن) أي فأثارت تلك الخيل (به) أي بالمكان الذي كانت فيه أثارت الغبار، (فوسطن به) أي بالغبار (جمعا) توسطت بذلك الغبار وأصبحت تتفانى في الدفاع عن صاحبها والقيام بحقه عليها. إن هذا قسمٌ من الله بالخيل إذا غدت للقتال وهي مسرعة وأثارت النقع وأغارت في الصباح وأورت الحجارة وتوسطت جمع المقاتلين. على ماذا؟ قسمٌ على أمر عظيم وهو حال هذا الانسان الذي يكرمه ربه ويمنحه ويعطيه ويدلّه ويُنعم عليه ومع ذلك يقابل نعم الله عز وجل بالكفران والكنود والجحود وهذا أمر على العباد أن يتفطنوا له فإن هذه عادة مركوزة في نفوس الناس إلا من سلُمه الله عز وجل بالإيمان وخلصه بالرجوع إليه وحده.

(إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴿٦﴾) أي إنه لنعم الله عز وجل عليه (لَكَنُودٌ) أي لجحود فيقول هذه النعم مني (إنما أوتيته  ) أنا من زرع وأنا من بني وأنا من شيّد وأنا من فعل، ويقول ماذا فعل الله بي؟ ما أعطاني شيئاً! أنا سكين أنا دائماً منكود ومقرود وإلى آخره من العبارات التي يجحد بها نعمة الله عليه، فاتّقِ الله يا عبد الله واحذر أن تكون كذلك. ولذلك قوله (إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) لكفور يجحد بنعم الله، هذه معناها إن الإنسان الكافر وأما المؤمن فيسلِّمه الله عز وجل من ذلك.

(وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ) (وَإِنَّهُ) أي الانسان (عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴿٧﴾) شهيد على كفرانه هو بحاله ومقاله يشهد على كفرانه وأنه يجحد نعم الله عز وجل ويمكن أن يعود الضمير لله عز وجل وإنه أي الله على كفران الناس لشهيد يشهد عليك الله بكفرانك لنعمه.

قال الله عز وجل (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) (وَإِنَّهُ) الانسان (لِحُبِّ الْخَيْرِ) أي المال (لَشَدِيدٌ ﴿٨﴾) أي شديد الحرص على المال وكلمة الخير تأتي في القرآن بمعاني منها معنى المال أنه يحب المال فالخير يأتي في القرآن بمعنى المال ويأتي بمعنى المال الكثير كما في قول الله عز وجل (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا (180) البقرة) أي مالًا كثيراً الوصية. ويأتي خير بمعنى أفضل (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم (110) آل عمران) وتأتي بمعاني أخرى مذكورة في كتب الوجوه والنظائر. قال (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) قد طبع على أن يحب المال حبًا شديدًا كما قال الله في سورة الفجر قال (كلا بل لا تكرمون اليتيم * ولا تحاضون على طعام المسكين * وتأكلون التراث أكلاً لمّا * وتحبون المال حبًا جما) أي حبًا شديداً وكثيرًا.

ثم قال الله عز وجل مهددًا هذا الانسان ومذكِّرًا له بمصيره بين يدي الله (أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ ﴿٩﴾) ألا يدري هذا الانسان أنه يأتي يوم يبعث فيه ويُخرج من القبور؟، بعثر بمعنى أُثير وأُخرج، ستُخرج من هذه القبور وترد على الله في دار لا فناء بعدها. (وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ﴿١٠﴾) لماذا جاء بتحصيل ما في الصدور؟ لأن السورة ذكرت كنود الانسان وكفوره والكفور في القلب يكفر الإنسان نعمة الله ويجحدها في قلبه ويبدو أثر ذلك على لسانه وجوارحه فالله يهدده بأنه سيحصل ما في الصدور أي سيخرج ما في هذه الصدور ويجازي الانسان على ذلك.

قال (إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ﴿١١﴾) أي إن الله عز وجل ربهم الذي رباهم بنعمه وأعطاهم من النعم فوق ما طلبوا (بهم) وقدّمهم اعتناءً بهم وتذكيرًا لهم أنهم هم المقصودون (بهم)، (يومئذ) أي في ذلك اليوم (لخبير) والخبرة كما أسلفنا مرارًا هي العلم بدقائق الأمور فالخبير هو الذي يعلم دقائق الأشياء وخفيات الأمور، فالله عز وجل عندما يذكر الأشياء الخفية يذكر اسم الخبير كما في قوله عز وجل (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) النور) لماذا؟ لأن المذكور في الآية متعلق بأشياء خفية وهي غضّ البصر وحفظ الفرج فذكر بعدها أنه خبير بما يصنعون. وهنا لما كان كنود الانسان في قلبه وحبه للمال وشدة حرصه عليه أيضًا في قلبه ذكر الله عز وجل ما يتعلق بهذا الشيء الخفي الذي لا يطلع عليه الناس وهو (إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ) أي يوم يبعثهم ويبعثر قبورهم ويحصّل ما في صدورهم لخبير بهم فلا تخفى عليه من أعمالهم ولا أحوال قلوبهم شيء.

سورة القارعة

ثم ننتقل بعد ذلك إلى سورة القارعة، هذه السورة التي ذكرت القيامة باسم من أسمائها وهو اسم القارعة وهي سورة مكية وعدد آياتها ثماني آيات وسميت القيامة بالقارعة لأنها تقرع القلوب بشدة هولها وعِظَم خطبها وصيحتها وصوتها. قال الله عز وجل (الْقَارِعَةُ ﴿١﴾) ثم استفهم معظّماً شأنها (مَا الْقَارِعَةُ ﴿٢﴾) أيُّ شيء هذه القارعة؟ إنها لشيء عظيم، وهذا الاسلوب معروف عند العرب وهو أسلوب تكرار الكلمة للتهويل، لما تقول ذهبنا إلى بستان، أيّ بستان، تقصد تفخيمه وتعظيم أمره ويكتفى بهذا عن عبارات كثيرة تقال في تفخيم شأن ذلك الأمر الذي يراد تفخيمه وتعظيمه. (مَا الْقَارِعَةُ ﴿٢﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ) ما أنبأك وأعلمك بشأنها؟ (﴿٣﴾ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ﴿٤﴾) الآن بدأ يفصِّل في ذلك اليوم الذي تكون فيه القارعة. قال (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ) كل الناس (كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ) أي كالجراد المنتشر وسماه مبثوثًا لأنهم يخرجون يوم القيامة لا يدرون ما يصنعون من شدة الهول وعظم الخطب مثلما تدور هذه الحشرات حول النار فإنها تلفّ هكذا وتذهب وتجيء، كذلك حال الناس من شدة ما يصيبهم من الهول في ذلك اليوم فهم كأنهم جراد منتشر وهنا (كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ) يموج بعضهم في بعض حتى يُدعوا إلى الحساب ثم يجيبوا فيذهبوا إلى أرض المحشر والمنشر.

قال الله عز وجلّ (وَتَكُونُ الْجِبَالُ) أي في يوم القارعة (كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ﴿٥﴾) كالصوف إذا نُدِف ونُفِش، هذه الجبال الراسية القوية المتينة التي لا يستطيع الإنسان أن يشقّ منها شيئًا إلا بشقّ الأنفس في يوم القيامة تصير حالها إلى أن تكون مثل الصوف المندوف من خفّتها، من الذي غيّرها وقلب حالها؟ الذي بيده مقاليد الأمور كلها يقول للشيء كُن فيكون. وذلك اليوم هو يوم الانقلاب الكوني الهائل الشمس تنطفئ وتسقط، النجوم تنكدر تتساقط وتُظلم، الجبال تُسير وتكون كالعهن المنفوش، البحر الذي هو مصدر الماء يكون مصدراً للنار، الوحوش تأتي وتسير مع الناس حيث ساروا لا تمسهم ولا تقربهم ولا يخافون منها ولا تخافهم، كل شيء يتغير، لماذا؟ لأن الذي وضع الكون على هذا النظام يريد أن يخبرك بأن بيده تغيير هذا النظام إلى نظام آخر، فلا تظنّ أن هذا الذي يجري من حولك أمر لا يمكن تغييره بل الذي بدأه قادر على أن يغيّره ويبدّله كما يغيّرك أنت ويبدّلك.

قال الله عز وجل (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ) هذه مرحلة من مراحل الجبال في يوم القيامة فأول مراحلها أن تدك فإذا دُكّت صارت كثيبًا مهيلًا ثم تكون كالعهن المنفوش ثم تُسيّر (وسيرت الجبال فكانت هباء منبثًا) ثم تكون قاعًا صفصفًا لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا. قال الله عز وجل (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴿٦﴾) أي في ذلك اليوم الذي تخفّ فيه الجبال ويكون الناس فيه كالفراش المبثوث ويصيب الناس فيه الهول لا ينتفع الانسان بشيء إلا بعمله الذي قدّمه في الدنيا، تعرض على الله وعلى موازينه (فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ) بالعمل الصالح والايمان الصادق ورجحت حسناته على سيئاته (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ﴿٧﴾) أي في الجنة (راضية) اي ذات رضى بأن يرضاها وأن تكون مرضية له فيقال عيشة هانئة أي قد هنئ فيها صاحبها وعيشة وجنة راضية اي قد رضي أصحابها فيها. (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ﴿٨﴾) أي ليس عنده من العمل الصالح ما يثقل به الموازين. (فَأُمُّهُ) أي مسكنه (هَاوِيَةٌ ﴿٩﴾) وهي النار فيقال للمسكن أُمًّا لأن الانسان ياوي إلى المسكن ويقال أيضًا للرأس ووسطه أمًاً وعلى هذا المعنى (فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ) أي أنه يُكبُّ في النار على رأسه " وهل يكبّ الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم" أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم. فقوله (فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ) أي أنه يُكبُّ ويهوى في النار على أم رأسه. قال الله عز وجل (وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ﴿١٠﴾) ما أدراك ما هذه الهاوية؟ أيُّ شيء هذه الهاوية؟ إنها شيء عظيم!. (نَارٌ حَامِيَةٌ) نار قد احتمت وغلت فهي تتّقد وتغلي أُوقد عليها ألف سنة ثم ألف سنة ثم ألف سنة حتى اسودّت فهي سوداء مظلمة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن النار قد فُضلت على ناركم هذه في الدنيا بتسعة وستين جزءاً، قالوا يا رسول الله: إنها لكافية؟ (يعني لو عُذبنا بهذه النار لكانت كافية) قال: لقد فٌضّلت عليها بسبعين جزءًا. يعني هذه النار التي تصهر الحديد وتُذيب أصلب الأشياء في هذه الحياة يوم القيامة تُضاعَف على من يكونون فيها نسأل الله العافية والسلامة حتى تكون أثقل وأشدّ وأعظم بسبعين مرة، قال الله عز وجل (نَارٌ حَامِيَةٌ).

سورة التكاثر

(أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ﴿١﴾ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ﴿٢﴾ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٣﴾ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٤﴾ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ﴿٥﴾ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ﴿٦﴾ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ﴿٧﴾ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴿٨﴾)

ننتقل إلى سورة التكاثر، هذه السورة جاءت أيضاً للتهديد ولتذكير أؤلئك الغافلين عن الاستعداد ليوم الوعيد الذين ألهاهم تكاثرهم وأطلق هنا التكاثر ولم يذكر شيئاً متكاثرًا به ليبين أن كل شيء تُكاثر به ما لم يكن في طاعة الله فهو مما يلهي ويندكم عليه الإنسان أيًّا كان ذلك الشيء، لا يقتصر على المال لأن من الناس من لا يكون حريصًا على جمع المال شديداً لكنه حريص على الجاه ومن الناس من هو حريص على الشهادات، ومن الناس من هو حريص على جمع النساء ومن الناس من يكاثر بالبنين ومن الناس من يكاثر بالشهادات ومن الناس من يكاثر الرحلات والسفرات ومن الناس من يكاثر بالكتب والمؤلفات: أنا مكتبتي أكثر من مكتبتك وشهاداتي أكثر من شهاداتك ومعلوماتي أكثر من معلوماتك، كل ما لا يدلك على الله وتسلك به صراطه وتدخل به جنته فهو مما يُلهي ويُشغل فإياك إياك! ولا تشغلك الصور تقول هذه كتب وتقول هذه شهادات وليست أموالاً أو فلوسًا أو دراهم أو دولارات،لا، كل ما تشاغلت به عن طاعة الله ولم تحصّل به إيماناً صادقاً وعملاً صالحاً فهو مما كاثرت به فأنت تندم عليه يوم تلقى ربك. ولذلك قال هنا (الهكم التكاثر) أشغلكم أيها الناس تكاثركم، أعظم شيء يلهي الناس هو التكاثر فتجد الانسان عنده راتب عشرة آلآف ريال يستطيع أن يجد به كفايته ويعول به أهله ويستر به نفسه ويستطيع فيما تبقى من الوقت أن يخصصه لطلب العلم والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاصلاح في الأرض ولكن ينظر إلى أخيه وشقيقه فإذا به يستلم خمسة عشر ألفاً وينظر إلى صديقه وإذا به يستلم سبعة عشر الفًا وينظر إلى جاره وإذا به يستلم عشرين الفًا لكن أخاه وجاره وزميله يعملون ضعف العمل الذي يعمله مثلاً فتجده يقول أبحث عن عمل آخر فيتشاغل من أجل أن يكاثر حتى إذا جلس في مجلس أو بدأ يحسب حسابات يقول أنا أكثر من فلان، أنا مثل فلان. سُئل أحد التجار قيل له كم يكفي الانسان لكي ينال نعيم الدنيا في تقديرك؟ فقال يكفيه خمسين مليون ريال، قيل له فما الذي يحمل التجار على أنهم إذا حصّلوا هذا المبلغ صاروا يسعون أشد من سعي بقية الناس ويجتهدون أكثر من اجتهاد الفقراء في طلب المال؟ ما الذي يحملهم على ذلك؟ لا تفسير لذلك إلا التكاثر، وإلا ما من إنسان يجمع مثلاً مليون أو مليونين إلا وهي تكفيه حتى يموت ولكنه ما يحمله على الطلب واللهث وترك الصلاة أو الانشغال عنها أو البخل بالزكاة أو الشح في النفقات الأخرى التي أوجب الله إلا أن يكاثر أصدقاءه وزملاءه والتجار والناس حتى يقال أنه أثرى وأفضل وأغنى وأحسن وأجمع من فلان وفلان وفلان فالتكاثر خطير كما قال الله عز وجل (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا (20) الحديد) راجع نفسك إذا رأيت نفسك تجمع الأشياء لأجل أن تكون أفضل من فلان وفلان فاعلم أن هذا مما يلهي ولا ينفعك والله حتى لو كانت مصاحف لو كانت كتب علم شرعي ما دمت تريد أن تقول عندي أكثر مما عند فلان فقد ألهاك التكاثر وانشغلت عما خلِقت له.

قال الله عز وجل (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2)) أي حتى متّم فوردتم على المقابر وهذا هو المعنى الصحيح للآية خلافًا لمن قال إن المشركين تفاخروا وتكاثروا فقالوا منا فلان ومنا فلان ومنا فلان حتى ألجأهم ذلك إلى أن يذهبوا إلى المقابر فيذكروا موتاهم تقول كل قبيلة منا فلان يشيرون غلى المقابر ومنا فلان ومنا فلان. ولكن الظاهر أشغلكم أيها الناس بما تتكاثرون به عمّا خُلقتم لأجله حتى متم فزرتم المقابر. وسمى الدخول إلى المقابر زيارة لأن الزائر لا يلبث عادة عند من يزروه إلا قليلاً فالوقت الذي سنمضيه في قبورنا هو وقت يسير مثل وقت الزيارة الذي تقضيه عند أحد أصدقائك بالنسبة لما يأتي بعده، فما أعجل الزائر أن يرحل إلى دار فيها إقامة!.

قال الله عز وجل (كَلَّا) ردعٌ للناس عن لهوهم بالتكاثر وغفلتهم عما خُلِقوا له حتى يدخلوا المقابر، (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) عاقبة تكاثركم (ثُمَّ كَلَّا) ردعٌ لهم مرة أخرى (سَوْفَ تَعْلَمُونَ) إذا وردتم على الله في الدار الآخرة. (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) أي في قبوركم عاقبة تكاثركم لأنه في قبرك سيأتيك شيء واحد يؤنسك فيه عملك فإن كان صالحًا رحّبت به وقلت فوجهك الذي يأتي بالخير من أنت رحمك الله؟ أنا عملك الصالح، ويأتيك إنسان مظلم موحش فتقول له من أنت؟ فيقول أنا عملك السيء فتقول وجهك الذي يأتي بالسوء نسأل الله العافية والسلامة. فأنت تعلم في قبرك عاقبة ما تكاثرت به وانشغلت به عن الدار الآخرة. ثم تعلم إذا وردت على الله في الدار الآخرة (ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) ستعلمون إذا بُعثتم عاقبة تكاثركم.

ثم قال (كَلَّا) ردعٌ مرة ثالثة (لَوْ تَعْلَمُونَ) لما تكاثرتم جواب "لو" هنا محذوف للعلم به، لو تعلمون الدار الآخرة وما أعد الله لكم ما فعلتم هذا الذي فعلتم وما تشاغلتم بهذا الذي تكاثرتم به ولما ألهاكم عما خلقتم له، (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ) علمًا يقينيًا جازمًا وكانت قلوبكم ممتلئة بالعلم بالدار الآخرة ما فعلتم هذا الذي فعلتموه ولكنكم تشكّون بالدار الآخرة وتنسون حظها وما يجب من الإيمان بها.

ثم قال الله عز وجل (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ) يظن كثير من الناس أن قوله (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ) جواب لقوله (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ) لا، (لترون) جملة جديدة اللام هنا موطِّئة للقسم أي والله لترون الجحيم فإذا رأيتم الجحيم رأي العين ليس علم اليقين ولكن عين اليقين ترونها وهي أمامكم ظاهرة. (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ) إذا رأيتموها في تلك اللحظة علمتم أنكم كنتم مشغولين بأمر لا ينفعكم وأنكم تلهيتم وتكاثرتم بشيء قد أشغلكم عن هذه النار التي يجب أن تذكروها وأن تستعدوا لها.

ثم قال الله عز وجل (ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ) يقسم ربنا سبحانه وتعالى أن الناس سيرونها عين اليقين ماثلة أمامهم. واليقين ثلاثة أقسام:

·         علم اليقين وهو أن تعلم الشيء علمًا جازمًا لا شك فيه ولا مرية

·         وعين اليقين وهو أن تراه بعينك

·         وحق اليقين وهو أن تكون فيه

 

فنحن سنرى النار عين اليقين لكن لن تكون حق اليقين إلا لمن دخلها نعوذ بالله من أن ندخلها، نعوذ بالله من عذاب النار. قل الله عز وجل (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) أي في ذلك اليوم الذي تبعثون فيه وتكونون قد تشاغلتم وتكاثرتم وتلهيتم بما تكاثرتم به ستسألون في ذلك اليوم عن كل نعمة أنعم الله بها عليكم أيّاً كانت هذه النعمة، ماذا فعلتم بها؟ أي كيف قابلتموها؟ هل شكرتم الله عليها؟ نعمة الهواء البارد، المسجد، اللسان، العين، السيارة، البيت، الشارع المُعبَّد، الزوجة، الولد، المال، الثوب، الأصبع، الظفر، الشعر، كل شيء أنعم الله به عليك. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن أول ما يُسال العبد عنه من النعيم يوم القيامة ألم نُصِحّ لك جسمك ونرويَك من الماء البارد؟ فأنت تُسأل عن كل نعمة يقال لك كيف أدّيت شكرها؟ ماذا صنعت بها؟هل شكرت الله عليها؟ هل صرفتها فيما ينبغي لك أن تصرفها فيه واستعملتها في طاعة الله عز وجل؟. خرج يوماً نبيكم صلى الله عليه وسلم هذا النبي الرؤوف الرحيم الشكور الذي يقول وهو يقوم من الليل ما يقوم حتى تتفطّر قدماه فيقال له: ألا ترفق بنفسك؟ فيقول أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ خرج ذات يوم عليه الصلاة والسلام فوجد أبا بكر وعمر فقال ما أخرجكما؟ قالا يا رسول الله: والله ما أخرجنا إلا الجوع، قال: وأنا ما أخرجني إلا الجوع –أبحث عن طعام حتى آكل وأسُدّ به رمقي- قال: هلّموا بنا، فذهبوا إلى مزرعة أحد الأنصار يقال له أبو الهيثم ابن التيّهة فاستأذنوا فكلّمتهم امرأته فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أين أبو الهيثم؟ قالت ذهب يا رسول الله يستعذب لنا الماء فما لبوا أن جاء أبو الهيثم ففرح برسول الله وبأبي بكر وعمر وقال: من أكرم مني أضيافاً اليوم؟ -يعني لا أحد أكرم منه أضيافاً على وجه الأرض وأنا والله أشهد له بذلك- فأول شيء بدأ به جاء بالماء ثم ذهب إلى عِذْق من التمر فجذّه وجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هلا اجتنيت لنا؟ يعني انتقيت من التمر لنا وابقيت الباقي في النخلة، قال يا رسول الله إني أحب أن تأكلوا من بُسره ورُطبه وتمره، ما أريدكم أن تأكلوا من نوع واحد أنا أنتقيه بل أريدكم أن تأكلوا من هذه الأنواع كلها، ثم أخذ المُدية فعرف النبي صلى الله عليه وسلم أنه يريد أن يذبح لهم فقال إياك والحَلوب، وهذا من رفقه عليه الصلاة والسلام بمن يُكرمه، قال إياك أن تأتي لشاة حلوب يعني تشرب من لبنها فيذهب عليكم درّها وضرعها فذبح لهم جديًا فشواه ثم جاء به فأكلوا وشبعوا فلما شربوا وأكلوا من التمر والرُطَب والبُسر ثم أكلوا من هذا اللحم المشوي قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مُذكِّراً: "لتُسألنّ عن هذا النعيم يوم القيامة". إذا كان هذا محمد صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه الذين ضحّوا بأموالهم، بديارهم، بأهليهم، أُوذوا في سبيل الله نذروا أنفسهم وأبدانهم لله يقال لهم مثل ذلك ما بالكم بنا نحن؟ نبيت في كل يوم شباعًا عندنا لا أقول قوت يومنا بل قوت عامنا بل قوتًا يكفينا ويكفي من حولنا ألن نُسأل عن هذا النعيم؟! ماذا صنعنا به؟ كيف أدّينا شكره؟ بلى والله، لنسألنّ عن هذا النعيم الذي نعيشه يوم القيامة. فأعِدّ يا مسلم يا عبد الله أعِدّ للسؤال جواباً وليكن الجواب صواباً أسأل الله أن يبارك لي ولكم بالقرآن العظيم. أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.



التعليقات

  1. يونس الزبيدي علق :

    جزاكم الله خيرا وجعله ثقيلا في موازين حسناتكم

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل