من سورة العصر إلى سورة الكوثر

المجلس الثاني - من سورة العصر إلى سورة الكوثر

د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

(وَالْعَصْرِ ﴿١﴾ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴿٢﴾ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴿٣﴾)

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعل آله وصحبه وبعد، فهذا هو المجلس الخامس من مجالس اليوم الختامي لهذه الدورة المباركة دورة الأترجة المقامة في جامع شيخ الاسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله بحيّ الخليج في بريدة، وهذا اليوم هو اليوم الخامس من جمادى الثانية من عام ألف وأربعمائة وثلاثة وثلاثين من الهجرة النبوية الشريفة نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بالقرآن وأن يجعلنا جميعاً من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته.

ونبتدئ هذا المجلس بتفسير سورة العصر، هذه السورة التي قال فيها الامام الشافعي رحمه الله: "لو ما أنزل الله على خلقه حُجّةً إلا سورة العصر لكفتهم" وذلك لأنها انتظمت أسباب النجاة من الخسران فمن عمل بها وأدّاها وقام بحقها نجا من النار واستقامت حاله وسعد في الدنيا والآخرة. يقول الله عز وجل في هذه السورة والتي هي من السور المكية (وَالْعَصْرِ) أقسم بالعصر واختُلف فيه فقيل هو الوقت المعروف في مساء كل يوم ما بين صلاتي الظهر إلى المغرب، وقيل العصر الزمان وعليه أكثر المفسرين يعني أقسم الله بالزمان. وسبب الإقسام بالزمان أن الزمان هو محل النجاة والخسران فمن نجا فلاستغلاله الزمان ومن خسر فلأنه لم يستغل ذلك الزمان في طاعة الرحمن فمحل العمل ومكانه هو الزمان فعلى الانسان أن يستثمر هذه النعمة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "نعمتان مغبونٌ فيها كثير من الناس الصحة والفراغ".

قال الله عز وجل (وَالْعَصْرِ ﴿١﴾ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴿٢﴾) أي جنس الناس، كل الناس خاسرون ليس منهم من أحد إلا والأصل خسارته وهلاكه لأننا نقول بالعموم بسبب الاستثناء لأنه لو كانت "إن الإنسان الكافر لفي خسر" ما صح الاستثناء (إلا الذين آمنوا). إذن كل الناس في خسار إلا من توفرت فيه أربع صفات:

الأولى: "إلا الذين آمنوا" صار عندهم إيمان صادق والإيمان مبناه على العلم يعني عرف الحق وصدّقه وقبله وهذه هي حقيقة الايمان أن تعرف الحق وتقبله وتُذعن له.

ثم قال: (وعملوا الصالحات) أتبعوا الإيمان بالعمل فلم يكن ايمانهم مجرد تصديق قلبي بارد  لا ينتقل إلى الجوارح ولا يظهر أثره على الأركان ولذلك حقيقة الايمان عند أهل السُنة: تصديقٌ بالجَنان وقول باللسان وعمل بالأركان أو بالجوارح. لا بد من هذه الثلاثة أن تجتمع ليصحّ ايمان العبد وليس الإيمان هو أن تعرف ولو كان الإيمان أن تعرف وإلا لكان ابليس من المؤمنين ولاستوى الناس في هذه القضية، وهذه هي عقيدة المُرجئة ومن نحى نحوهم من أهل الضلال نسأل الله العافية والسلامة.

قال (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) ولا يكون العمل صالحًا حتى يكتمل فيه شرطان: أن يكون صواباً وأن يكون خالصاً لله عز وجل لا رياء فيه ولا عُجب وأن يكون صواباً على السُنة فتنظر في كل عمل تتقرب فيه إلى الله توافق به السُنّة. وموافقة السنة تكون في ستة أشياء: الأول موافقة السنة في الزمان والثاني موافقة السنة في المكان والثالث موافقة السنة في الكمّ والرابع موافقة السنة في الكيف والخامس موافقة السنة في الجنس والسادس مواقفة السنة في السبب. في الزمان أن يكون الزمان للعبادة هو الزمان الذي شرعه رسول الله، فلا تصلي الظهر قبل وقتها، ما تصحّ، لو تصليها أخشع صلاة ما قُبِلت منك. وفي المكان أن يكون في المكان الذي شرعه الله، شرعه لك رسول الله لا يمكن أن تطوف بغير الكعبة، الطواف لا بد أن يكون في المكان الذي شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل يمكن أن تقف في غير عرفة؟ لو وقفت ألف يوم واقفاً تحت الشمس تدعو الله وتبكي ما يقبل منك حج ما لم تكن في المكان الذي شرعه رسول الله. وفي الكمّ العدد الذي شرعه رسول الله لا بد أن توافقه، لو صلّى إنسان الظهر ثنتا عشرة ركعة قال أنا أحببت الصلاة وزدت، ربنا سبحانه وتعالى حقه علينا عظيم بدل أربع ركعات أصلي تنثا عشر، تبطل الصلاة لو زاد عليها ربع ركعة فلا بد أن توافق السنة في الكمّ. ولا بد أن توافق السنة في الكيف كيفية إقامة العبادة لو أن إنسانًا طاف بالبيت سبعة أشواط ولكن جعل الكعبة عن يمينه، ما يصحّ، لا بد الكيفية التي وردت عن رسول الله. لو صلى الإنسان وقال ما دام السجود أفضل شيء أنا سأبدأ بالسجود ثم الركوع ثم القيام، ما يصلح لأنه لا بد من أن توافق رسول الله في الكيف كيفية العبادة. وفي النوع أو الجنس جنس ما تتعبد به لا بد أن يكون مشروعاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو عرضت الأضحية والأضحية لا تكون إلا من بهيمة الأنعام فقال واحد أنا والله أفكر هذه السنة أن أضحي بفرس قيمتها مئة ألف ريال نقول ما تصح، لماذا لا تصح؟ أليست الفرس أفضل وأغلى ثمناً وأحسن؟ قلنا إنما تكون الأضحية من بهيمة الأنعام هذا هو الجنس الذي شرعه رسول الله. والسبب وهو أن يكون السبب الذي شَرَعتَ في العبادة من أجله مشروعاً فمثلاً متى نصلي الظهر؟ لأنه دخل وقتها، سبب دخول الوقت نصلي الظهر، دخل رمضان ليلة الواحد من رمضان نصوم رمضان، هذا هو سبب الصيام فلو جاء إنسان واخترع سبباً من عنده قال أنا كلما سمعت أذان الديك أقوم أصلي لله أربع ركعات، لماذا؟ قال لأنها رأت ملكاً والديك حيوان طيب وأنا أحب إذا ذكر الله أن أذكر الله. من الذي جعل صوت الديك سبباً لصلاة أربع ركعات؟ ما يصح، لا بد أن يكون السبب الحامل للعبادة مشروعاً. لو أن إنسانًا قال كلما أسمع منبه السيارة أنا أقول دائماً بسم الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، من الذي جعل منبه السيارة سبباً للذكر؟! قل أنا اذكر الله عز وجل في كل وقت (يذكرون الله  قياما وقعودا) اُذكر الله في كل وقت لن يقول لك أحد لا، هذا سبب مشروع، لكن أسمع منبه السيارة أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر نقول هذا سبب غير مشروع وبهذا يكون العمل صالحاً.

قال الله عز وجل (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ) أي وصّى بعضهم بعضاً بالحق ولاحظ قوله "تواصوا" هذه صيغة تفاعل، أنت توصيني وأنا أوصيك أنت تأمرني وأنا آمرك، أنت تنهاني وأنا أنهاك ولا بد من هذا. ولا يكون الناس سعداء وأخياراً ومن أمّة الخيرية إلا إذا تواصوا. ولذلك انظروا الآن ما السبب في كثرة الفساد؟ فساد في الأعمال والأحوال والأموال والأغذية وفساد في المطاعم وفساد في التجارات وفساد في الوظائف وفساد في الحكومات والدول وفساد في كل شيء، ما السبب؟ السبب أن الناس صاروا لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر ولا يقيمون أمر الله عز وجل ولا يوصي بعضهم بعضاً بالحق. (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) وصّى بعضهم بعضاً بالصبر لأنه ما من موصي يوصي بشيء من الحق إلا ويصيبه شيء من الأذى على وصيته بالحق ولذلك يتبعون الوصية بالحق الوصية بالصبر كما قال لقمان لابنه (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) لقمان) لماذا واصبر على ما أصابك بعد وأمر بالمعروف وانهَ عن المنكر؟ لأنه لا يكاد إنسان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا أصابه شيء من الأذى، سنة الله في الآمرين والناهين. فمن ظنّ أنه إذا أمر ونهى الناس ستشكره أو تصفق له تقول جزاك الله خيراً الله يكثر من أمثالك، هذا واهم، هذا يحصل في بعض الأحيان لكن ليس هو الأصل، الأصل أن يقول لك الناس اسكت، انصرف إلى شغلك، لا دخل لك، لا تدخل عصّك في ما لا يخصك، (لكم دينكم ولي دين) ما عليك منا ستقال لك هذه الكلمة وأشد منها وقد تؤذى بالسجن فاصبر (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) وصى بعضهم بعضا بالصبر سواء كان هذا الصبر أو ما هو أعظم وأكبر منه أن يتواصوا بالصبر على طاعة الله والصبر عن معصية الله والصبر على أقدار الله المؤلمة فهذه الآربعة هي أسباب نجاة الناس من الخسار من عملها نجا ومن أخفق في واحدة منها فهو على شفا هلكة فاسألوا الله العافية.

سورة الهمزة

(وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴿١﴾ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ ﴿٢﴾ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ﴿٣﴾ كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ﴿٤﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ ﴿٥﴾ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ﴿٦﴾ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ﴿٧﴾ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ﴿٨﴾ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ﴿٩﴾)

ننتقل بعد ذلك إلى سورة الهمزة وقد اختلف فيها هل هي مكية أو مدنية والظاهر أنها مكية. قال الله عز وجل فيها (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) ويلٌ اختلف فيها على قولين عند المفسرين:

·         فقيل إنها كلمة كلمة تهديد ووعيد وهذا ما جاءت عليه في الاستعمال عند العرب إذا قالوا "ويلٌ لك" فإنهم يقصدون بها التهديد والوعيد تهديد بشيء مخوف مخفي على الإنسان "ويلٌ لك" يعني انتظر منا عذاباً يحلّ بك.

·         وقيل "ويل" وادٍ في جهنم وهذا القول يستند لآثار في صحتها نظر.

ولهذا نحن نقول القول الأول أصوب والعلم عند الله. لمن؟ (لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) الهمزة اللمزة اختلف فيه المفسرون على طريقتين:

·         منهم من يقول الهُمزة اللُمزة شيء واحد يقال فلان مزة لمزة يعني هما وصفان لموصوف واحد، هما مقترنان لا يفترقان. ويقصد به الطعّان العيّاب يطعن في الناس فلان به كذا وفلان كذا وفلان مسكين وفلان فقير وفلان مذموم وفلان مشؤوم يطعن في الناس ويعيبهم، هذا الذي توعّده الله عز وجل بقوله (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) أي طعّان عيّاب، فالوصفان لشيء واحد.

·         قيل كل وصف منهما لموصوف، فالهُمزة للطعّان واللُمزة للمغتاب. وقيل الهُمزة الذي يهمز الناس بوجهه واللُمزة الذي يلمز الناس بلسانه كما قال الله عز وجل في سورة التوبة (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79)). وعلى كلٍّ سواء قلنا باجتماعهما أو افتراقهما المقصود بهذه الآية أن الله يبين أن كل طعّان عيّاب ذمّام للناس مغتابٍ لهم يشتغل بتحقيرهم والسخرية منهم توعّده بالويل والثبور.

ثم زاد في وصفه فقال (الَّذِي جَمَعَ مَالًا) هو يجمع لكنه لا ينفق، مهمته أن يجمع ويحسب كم حصّلت اليوم؟ ماذا عندي؟ كم سيصير لي في نهاية العام؟ كم سأحصّل بعد عشر سنوات؟ ماذا سيكون لي؟ فهو يعيش في وهم الأرقام دائماً من رقم إلى رقم. (الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ) يعني يعده مرة بعد أخرى ويحسبه حساباً دقيقاً لا يفوت عليه منه شيء. بهذا نعرف أن شدة حرص الانسان على المال تظهر في جمعه للمال وفي كثرة تعداده له فإذا كان المنفق ينفق بلا تعداد ولا حساب ولا يبالي إذا أنفق ما دام أنه ينفق لله عز وحل على زوجة وولد وأهل وأقارب وجيران وزوملاء وفي طاعة الله وعلى نفسه فيما يعينها ويروّضها لله عز وجل فإن الأولى به ألا يحسب ولا يكتب. قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك. كم أنفقت؟ هذه السنة تصدقت بخمسة آلآف أحاسبها ، ما دمت تحسب يُحسب عليك حتى الذي ينزل من السماء يُحسب عليك، أما إذا انفقت هكذا فإنه لا يُحسب عليك وتعطى بغير حساب. قال الله عز وجل (الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ) قيل (وَعَدَّدَهُ) أي عدّه وقيل عدده أي جعله عدة للأيام الشديدة والصعبة والمعنى ينتظمهما.

(يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3)) يحسب أن هذا المال هو الذي سيبقيه ويخلّده (كَلَّا) كلا ردع وزجر لهذا الذي جمع ماله وعدده ويحسب أن ماله أخلده وهو همزة لمزة. (كَلَّا لَيُنبَذَنَّ) أي ليُطرحنّ من كانت هذه حاله يعبد المال ويسخر من الناس ويتكبّر على عباد الله (لَيُنبَذَنَّ) والنبذ بمعنى الطرح والالقاء بغير مبالاة. (لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ) النار التي تحطمه وتكسره وتهرسه هرساً فلا تبقي منه شيئاً.

قال الله عز وجل (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ) أيّ شيء تلك الحطمة؟ إنها شيء عظيم مهول. ثم قال مبيّناً حقيقتها (نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ) نار الله العظيمة التي أُوقد عليها ثم أُوقد عليها ثم أُوقد عليها مئات وألوف السنين حتى أصبحت سوداء مظلمة هذه النار هي التي تنتظر هؤلاء الذين يجمعون ويحسبون ويعدّون ويهمزون ويلمزون ويستكبرون على عباد الله ويسخرون إنها موقدة لهم. وانظروا كيف نسب النار إلى الله ليبين هولها وعظم أمرها، الشيء المنسوب إلى الله والمضاف إليه لا بد أن يكون شيئاً عظيماً. قال (الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ) يعني يصل حرّها وسعيرها إلى أفئدتهم وقلوبهم فإن قلت لِمَ لَمْ يقتصر على جلودهم؟ قيل لأن الأعمال المذكورة في هذه السورة أعمال قلبية فأوّلها هُمزة لُمزة يهمز الناس ويلمزهم لأنه يسخر منهم ويحتقرهم فهذا عمل قلبي. و(جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ) و(يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ) هذا حرصٌ منه وشراهةٌ على الدنيا قد وقعت في قلبه فهو سيكافأ عليها بأن تأتي نارٌ فتدخل جوفه فتُحرق مكان ذلك الحب وذلك الحرص وذلك الكبر وذلك الحقران والسخرية من الناس.

قال الله عز وجل (إِنَّهَا عَلَيْهِم) أي تلك النار المحطِّمة الموقَدة (مُّؤْصَدَةٌ) أي مُطبقة لا يستطيعون أن يخرجوا منها ولا أن يفلتوا ولا أن يجدوا نفساً يتنفسونه من خارجها. (فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ) إما أن يكونوا يعذبون في عمد فهم يقرنون بعمد من النار وهذه عمد طويلة جداً كطولهم لأن خلق الكافر في النار يضاعف، "ضِرْسُ الكافر في النار مثل جبل أُحُد وغِلَظ جلده مسيرة ثلاثة أيام ومقعده من النار كما بين مكة والمدينة" لا يعظم خلقه إلا لينال من العذاب أعظم مما ينال وأعظم مما يتوقع حتى يُصلى بهذه النار صلياً نسأل الله العافية والسلامة. قال (فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ) أو تكون هذه النار المؤصدة مؤصدة في عمد ممددة أي قد أوصدت في عمد من الحديد مُدَّ عليها حتى لا يمكن أن تُفتح ولا أن يدخل شيء من الخير عليهم من أبوابها.

سورة الفيل

ثم ننتقل إلى سورة الفيل، قال الله عز وجل (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ﴿١﴾ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ﴿٢﴾ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ﴿٣﴾ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ﴿٤﴾ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴿٥﴾) هذه السورة تذكير لأهل مكة ومشركي قريش بنعمة الله عليهم وتخويف لهم من عذاب الله أن ينزل بهم. أما تذكيرهم بنعمة الله عليهم فهذا عدو غاشم وذو قوة منيعة وصاحب أفيال ما للعرب عهدٌ بها جاء فاستسلموا وعلموا أنهم لا طاقة لهم أشجع العرب لا طاقة لهم بحربه فسلّموا له البلد كاملاً وما بقي إلا أن يدخلها دون أن يضرب فيها سهماً واحداً فأنزل الله عز وجل عقوبة من السماء ليس للناس عهدٌ بها وهي أن جاء طير أبابيل فرمت هؤلاء أصحاب الفيل بالحجارة التي خرقت رؤوسهم ثم أجسادهم ثم أفيالهم حتى بلغت الأرض فتركتهم صرعى ليس فيهم نفسٌ منفوسة تخبر عنهم.

قال الله عز وجل (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ) إعجب وعجّبهم ألم تر ما صنع الله بهم؟ لقد صنع بهم أمراً عجيباً وانظروا كيف أضافهم إلى الفيل (اصحاب الفيل) لأن الفيل خير منهم الفيل لا يفعل إلا ما خُلق من أجله ولذلك لما وقف وأُمِر أن يتجه للكعبة أبى، أُمر أن يتجه للشام مشى، أُمر أن يتجه إلى اليمن مشى، أُمر أن يتجه إلى نجد مشى، يؤمر أن يتجه إلى الكعبة فيقف. فجعلهم أصحاباً له لكن لما ذُكر الكلب في قصة أصحاب الكهف جُعل الكلب مضافًا إلى الفتية (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد) لأنه تبعٌ للمؤمنين والكفار يضافون إلى الحيوان ولا يضاف إليهم. قال الله عز وجل (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ) لهوانهم على الله (ألم يجعل) تقرير وتعجيب، ألم يجعل كيدهم ومكرهم الكبير الذي جاؤوا به (في تضليل) أي في خسار وضلال وهلاك وذهاب. (وأرسل عليهم) من عنده سبحانه وتعالى حماية لبيته (طيرا أبابيل) جمع ابّيل وأبّول أي جماعات متفرقة كثيرة يتبع بعضها بعضاً جاءت لا يدري الناس كيف جاءت، هذه الطير تحارب وتقاتل في سبيل الله تقتل أعداء الله فلا تُخطئ من أُمرت بقتله وجاءت بحجارة. قال (ترميهم  سجيل) أي من طين متحجّر. (فجعلهم كعصف مأكول) أي جعلهم الله عز وجل كنباتٍ قد أُكِل فتهشّم بعدما ديس وأُكِل ما بقي منهم إلا أشلاء ممزّقة بسبب تلك الطير التي جاءت وضربتهم بتلك الحجارة وهذا حقٌ قد عرفه المشركون. وقدم الله بهذا السورة ليمتنّ على قريش وأهل مكة وأهل البيت ويقول لهم لماذا لا تعبدوني فأنا الذي حميت البيت؟! جاء عبد المطلب إلى أبرهة وأفياله وقال إن اصحابك هؤلاء قد أخذوا إبلي قال دروا على عبد المطلب إبله ثم قال عجبت منك يقولون إنك سيّد هذا الوادي وجئت تطالب بإبلك ولم تطلب شيئاً غير ذلك ولم تطلب أن تردّني عن البيت، قال أنا ربّ الإبل وللبيت رب يحميه. فكان المشركون يعرفون أنه بيت الله وأنه لله وأنه لا يجوز لأحد أن يعتدي عليه وأن من اعتدى عليه فالله وحده هو الذي يكفي بيته ويحمي كعبته من أن ينالها أحد بسوء وبالفعل نزلت تلك الطير على هؤلاء فقتلتهم وفرقتهم وجعلتهم شذر مذر.

سورة قريش

ننتقل بعد ذلك إلى سورة قريش وهي سورة مكية على الصحيح وقد قيل إنها مدينة. قال الله عز وجل (لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ ﴿١﴾ إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ﴿٢﴾) أي جعل الله رحلة الشتاء والصيف لإيلاف قريش أي لاجتماعهم وتآلفهم كي يجتمعوا في البيت ويبقوا فيه فسخّر الله لهم رحلتين رحلة في الشتاء إلى أرض اليمن لأنها أدفأ ورحلة في الصيف إلى أرض الشام لأنها تكون أهيأ لطيب هوائها فيتاجرون مرة من أرض اليمن ومرة من أرض الشام. ومعنى قوله (لايلاف قريش) إما أن تكون:

·         فَعَل الله بأصحاب الفيل ما فعل لأجل إيلاف قريش فتكون هذه السورة مرتبطة بالسورة التي قبلها وهذا القول قال به جماعة وقد أنكره الإمام الطبري في تفسيره وقال ما دام فُصِل بين السورتين ببسم الله الرحمن الرحيم فلا ارتباط لهذه السورة بهذه السورة.

·         والقول الثاني إعجبوا لايلاف الله عز وجل لقريش رحلة الشتاء والصيف ومع ذلك لم يعبدوا رب البيت الذي هيأ لهم هذا الخير فعبدوا الأصنام.

·         والقول الثالث (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ﴿٣﴾ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴿٤﴾) لايلاف قريش أي ليعبدوه من أجل أنه آلفهم بهاتين الرحلتين ورزقهم بها ويسّرها لهم لأنهم في أرض غير ذات زرع، فمن أين يأتيهم الرزق؟ من أين تأتيهم المكاسب؟ كيف يأتيهم الناس؟ قد هيأ الله لكم نعمة عظيمة ومنّة كريمة فاعبدوا رب البيت.

قال الله عز وجل (لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ ﴿١﴾ إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ﴿٢﴾) وكان للمشركين رحلتان رحلة في الشتاء إلى أرض اليمن ورحلة في الصيف إلى أرض الشام. وروي عن ابن عباس أنهم كانوا في الشتاء يكونون في مكة وفي الصيف يكونون في الطائف وهذا غير صحيح لأنهم لا يرحلون في مكة ليس عندهم رحلة ليقال أنهم يرحلون.

(فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ) أي ليعبدوا الله الذي يعلمون أنه رب البيت وقد جاءهم في السورة السابقة ما يدلّهم بالفعل على أنه هو رب البيت فهو الذي حماه ودافع عنه عندما قدم إليه أعداؤه يريدون هدمه وإبادته (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ). ثم بين أسباب صرف العبادة لله وهي أنه (الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) وهذه هي أصول النعم إذا وجد الإنسان الطعام والأمن هاتان النعمتان هما أصول النعم ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: من أصبح منكم معافىً في بدنه آمناً في سِرْبه (أو سَرَبِه) عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا. يعني كل ما يفوتك من الدنيا بعد هذه الأمور الثلاثة عافية البدن وأمن البلد والطعام الذي هو قوتك في اليوم والليلة فما فاتك من الدنيا فهو أمر يسير، لا شيء فيه. الدنيا مبناها على هذه الأمور الثلاثة من جاءته فهو في تمام النعمة وعليه أن يتم الشكر لله عز وجل ومن نص عليه شيء منها فليسأل الله عز وجل أن يتمها له، قال الله عز وجل (الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ).

سورة الماعون

ثم ننتقل إلى سورة الماعون. قال الله عز وجل (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﴿١﴾) هذه السورة جاءت بعد سورة قريش التي ذكر الله عز وجل فيها شيئاً من نعمه على أهل مكة وهنا يحاسبهم على هذه النعمة ويقول ارفوها في طاعة الله، كيف تجعلون النعمة سبباً للتكذيب بيوم الدين وسبباً لمنع الماعون وسبباً لترك الصلاة وسبباً للمرآءاة والله هو المُنعِم المتفضّل وكيف لا تقابلون النعمة عليكم بأن تكرموا اليتيم وتحضوا على طعام المسكين فكل هذا من ربنا سبحانه وتعالى تذكير بنعمه علينا وبيان لسبيل شكرها، كيف نشكرها. قال الله عز وجل (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ) هل عرفته وعلمته هذا الذي يكذب بيوم الجزاء والحساب والدين هو الجزاء والحساب. (فَذَلِكَ) الذي يكذب بالدين هو (الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴿٢﴾) لأنه إذا كذب بالدين لم يحسب للآخرة حساباً فهو إذا تمكن من اليتيم دفعه عن حقه وأخذ المال الذي بيده ولا يخاف من نار ولا يرجو جنة ولا يخشى لقاء الله ولذلك همّه الدنيا. الآن تماماً كما تفعل الدول الغنية الكافرة بالدول الفقيرة المسلمة خصوصاً وغير المسلمة لأنهم لا يؤمنون بالآخرة أو إيمانهم بها أصبح إيماناً باهتاً وكأنه لا إيمان، هم يحرصون على أخذ الأموال التي بأيدي هؤلاء الناس واستنزاف الخيرات التي في بلاد هؤلاء الضعفاء ولا يرقبون فيهم إلّاً ولا ذمّة ولا يخافون من نار يستقبلونها أو جنة قد لا يحصّلونها أو ربٍ يلاقونه يوم القيامة. قال (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2)) أي يدفعه عن حقه دفعاً. (وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴿٣﴾) أي لا يحثّ نفسه ولا غيره على إطعام المساكين. والمسكين هو من ذلّ بسب فقره لأن المسكنة هي الذِلّة. (وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) لاحظوا في أنه ذكر الحضّ على إطعام المسكين لأن إطعام المسكين ليس مقدوراً عليه إلا من ذوي الإحسان ومن ذوي اليسار، لكن الحضّ على طعام المسكين مقدور عليه من كلّ أحد. فأنت فقير لكنك تقدر أن تحضّ غيرك على إطعام المسكين فتقول لأخيك الغني اِنتبه لجارنا هذا الفقير ولصديقنا هذا الذي عليه دَيْن ولأخينا هذا المُنقَطع تنبّهه وتدلّه وتحثّه على ذلك ولو لم يكن بيدك شيء. فالذي يُحاسَب عليه الإنسان أشدّ هو أن لا يحثّ وهذه خصلة قد قلّت في المسلمين مع كل أسف وهي من التواصي بالحق ومن التواصي بالمرحمة كما قال تعالى في سورة البلد (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17)) فنتواصى بالمرحمة.

قال الله عز وجل (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴿٤﴾) هذا تهديد من الله عز وجل ووعيد للمصلين، لكن هل هي لكل مصلي؟ لا، (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ ﴿٥﴾) الذين سهوا عن الصلاة بالكلية فلا يؤدونها أو سهوا عن الصلاة فلم يؤدوها في الوقت الذي فرضه الله فهم يضيعونها حتى يخرج وقتها ومع الأسف قد ابتلي المسلمون في هذا الزمان ببلاء عظيم وهو تأخير الصلاة عن وقتها وتأخير الصلاة عن وقتها من أخطر الأعمال وأشدها لأن من العلماء من يرى أن الصلاة لها ميقات وأنه لا يجوز فعلها بعد ميقاتها إلا من عذر. فمن أخّر الصلاة كأن يضع الساعة على الساعة السابعة وقت الدوام ولا يصلي ويقوم لصلاة الفجر فإن هذا لا تقبل منه صلاة الفجر ولا يقضي صلاة الفجر، ماذا يفعل؟ يستأنف من جديد ويعدّه بعض مشايخنا كافراً بتركه وتعمده لترك صلاة واحدة حتى يخرج وقتها. (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ) ونحمد الله أنه ما قال "في صلاتهم" لو قال "في صلاتهم ساهون" لدخلنا نحن في هذا الويل، نسأل الله العافية والسلامة. ولكنه قال (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ) يسهون عنها بالكُليّة أو يسهون عن وقتها المفروض والمشروع من قبل الله عز وجل.

قال (الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ﴿٦﴾) أي إذا عملوا العمل طلبوا رؤية الناس، يريدون من الناس أن يروهم وهم يصلّون وهم يصومون وهم يتصدّقون وهم يبنون المساجد يقول بُني على نفقة فلان ابن فلان يريد بذلك أن يذكره الناس ويشكروه أما من كتب ذلك وهو لا يريده أو قد مات وكتبه أبناؤه فلا شيء في ذلك والمعوّل عليه نية الإنسان وإخلاصه وصدقه مع الله لا ما يظهر ولذلك لا يجوز أن تحكم على إنسان أنه مرائي أو غير مرائي فالله وحده هو المُطّلع على النيّات.

قال الله (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴿٧﴾) يمنعون فضل الله عن عباد الله ومثّل بالماعون، لماذا؟ لأن منع الماعون ليس فيه ضرر على الإنسان ولا نقص من ماله. أنت لو أتاك إنسان وقال أعطني هذا الكأس أشرب به من الماء البارد الموجود في المسجد ما الذي يضرك إذا أعطيته إياه فذهب وشرب ثم ردّه إليك هل ينقص من الكأس شيء؟ فإذا منعت الماعون دلّ ذلك على بُخلك وقلة نفعك وضعف غيرتك في الخير ما عندك ذرة من ضمير كما يعبّر المعاصرون لكي تصنع الخير للغير. وقد استدل العلماء هنا إلى وجوب العارية لمن طلبها من مستغنٍ عنها، من طلب منك حاجة وأنت مستغنٍ عنها ما تحتاجها وقال لك أريدها على وجه العاريّة أستفيد منها ثم أردها إليك، قدر، إناء للطبخ، فنجان، كرسي، كتاب يريد أن يأخذه يستفيد منه ثم يردّه إليك، قال بعض العلماء يجب عاريته ما دمت مستغنياً عنه. قال (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) يمنعون فضله، فهم لا يعبدون الله ولا ينفعون عباد الله بل إنهم بتكذيبهم بالدين يدعّون اليتيم ولا يحضون على طعام المسكين نسأل الله العافية والسلامة.

سورة الكوثر

ثم ننتقل إلى سورة الكوثر. قال الله عز وجل (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴿١﴾ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴿٢﴾ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ ﴿٣﴾). اختلف في هذه السورة هل هي مكية أو مدنية وهناك أدلة تدل على أنها مكية وأدلة تدل على انها مدنية والظاهر والله أعلم أنها مكية لكن تجدد نزولها في المدينة لأن النبي صلى الله عليه وسلم غفى مرة ثم استيقظ فقال: أُنزلت عليّ آنفاً سورة ثم ذكر سورة الكوثر نهرٌ أعطانيه الله عز وجل ثم تلا هذه السورة عليه الصلاة والسلام. فالظاهر أنه تجدد نزولها مرة أخرى في المدينة.

قال الله عز وجل ممتناً على رسوله (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) والكوثر فسّره النبي صلى الله عليه وسلم بأنه نهر أعطاه الله إياه وهذا النهر هو الذي يُمِدُّ حوضه يوم القيامة يُمد من الكوثر له ميزابان وعدد آنيته كنجوم السماء وهو أعلى أنهار الجنة. وقال بعض العلماء (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) أي الخير الكثير وهذا تفسير أعمّ من التفسير المذكور أو الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا مانع من اجتماع التفسيرين فيقال إن الله من رحمته وتفضيله لعبده محمد صلى الله عليه وسلم قد أعطاه الخير الكثير: النبوة والتفضيل على العالمين والمقام المحمود وأن الله سيعطيه حتى يرضى ويشفّعه ويجعله في أعلى الجنان وأن الله غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأن الله قد فتح له الفتوح ونصره وأيّده وأمّته هي خير الأمم وأكثر الأمم كل ذلك مما أعطاه الله لمحمد. ومن الكوثر أي الخير الكثير الذي أعطاه الله لمحمد ذلك النهر الذي سيكون لمحمد صلى الله عليه وسلم في الجنة. لكن كل عطاء يعطيه الله لنبيه لا بد أن يُتبعه بما يكون شكراً لذلك العطاء مما يدل على أمر عظيم وهو أن كل نعمة تتجدد لك ينبغي أن تُحدث في مقابلها شكراً وعملاً (اعملوا آل داوود شكرا).

قال (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) ماذا بعد ذلك؟ (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) أكثِر من الصلاة مخلصاً لربك. وبدأ بالصلاة لفضلها وعظيم منزلتها ومحبة الله لها فليس شيء من الأعمال أحب إلى الله من الصلاة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال: ذكر الله. هذا في الذكر لكن في الصلاة والصلاة هي أساس الذكر لأنها ذكر بالبدن وذكر بالقلب وذكر باللسان قال صلى الله عليه وسلم: الصلاة خير موضوع فمستقلٌ ومستكثر. يعني خير شيء وضعه الله لعباده ولذلك شرعت على أحوال متعددة صلوات خمس ورواتب ونوافل وقيام ليل وصلاة كسوف واستسقاء وحاجة واستخارة وركعتي طواف ووتر وضحى وسنة الوضوء لمحبة الله إياها. فكأنه يقول يا عبدي متى أردت أن تناجيني وأن أفتح لك أبواب السماء وأستمع إليك فقل: الله أكبر تلقاني. وهذه فرصة لا تلقاها عند ملوك الدنيا، متى ما أردت أن تلقى الله، الله أكبر، تلقى الله.

(فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) أي إنحر له سبحانه وتعالى أي اِذبح نسيكتك له وحده وليس لأحد سواه كما قال الله (إن صلاتي  لا شريك له)

(إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) أي إن مبغضك ومعيّرك يا محمد هو الأبتر الذي سيبتر الله ذكره في الدنيا ويبتر الله الخير عنه فلا يصل إليه من الخير شيء نسأل الله العافية والسلامة. فكل مبغضٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم يبتره الله ويقطع ذكره، كل من أبغض رسول الله أو حارب دينه أو اعتدى عليه  فإن الله عز وجل يبتره. انظروا كم هي المؤامرات والمكايدات على رسولنا صلى الله عليه وسلم في كل مرة يتآمرون لكي يشنأوه ويبغضوه غلى عباد الله يرفع الله ذكره ويُعلي أمره عليه الصلاة والسلام ويُسلم بسبب ذلك ناس كثير ويحصل بسبب ذلك من التعرف عليه ومحبته ما لم يحصل لهم قبل ذلك ثم ينسى الناس هذا الأبتر وهذا الشانئ والمبغض فلا يعرفوه نسأل الله العافية والسلامة.

 

وبهذا نأتي إلى ختام هذا المجلس نسأل الله أن يجعلنا جميعاً وإياكم من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل