خواطر قرآنية - الجزء 5

برنامج خواطر قرآنية

د. محمد المختار المهدي

رمضان 1434هـ

الحلقة الخامسة – الجزء الخامس


من آيات سورة النساء وقد حددت سورة النساء في أولها ما يباح للإنسان بالزواج من اثنتين وبثلاث أو بأربع بشرط العدل بين هذه الزوجات فإن خاف الإنسان من عدم العدل فعليه أن يكتفي بواحدة وفي هذا الجزء ينبهنا القرآن الكريم عن المحرّمات من النساء سواء كان عن طريق النسب أو عن طريق الرضاعة أو عن طريق المصاهرة فيبدأ أولاً بتنبيهنا على حرمة زوج الأب (وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ) ثم يثنّي بمحرّمات من النسب (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ) ثم من الرضاعة (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ) فمن ناحية المصاهرة تحرُم على الإنسان أم زوجته وزوجة ابنه والربيبة التي هي بنت زوجتك من رجل آخر وتنتهي المسألة بالمحصنات من النساء لأن من كانت متزوجة بآخر فهي محرّمة عليك أيضاً. ثم يحث الإسلام كلٍّ من الرجل والمرأة بالزواج العفيف الطاهر ويحدد واجبات الرجل وواجبات المرأة فعلى المرأة أن تطيع زوجها وأن تكون قانتة لله عز وجل أولاً ثم لأبيها وأمها فيما قبل الزواج فإذا تزوجت انتقل القنوت وهو الطاعة في خضوع ورضى وسعادة إلى زوجها (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ) فإذا خرجت المرأة عن طبيعتها الأنثوية والتي فيها هذه الطاعة وبدأت تقف على نشز من الأرض وتدعي لنفسها ما ليس لها إن خاف المرء من نشوزها فعليه أن يتدرج في علاج هذا النشوز فعليه أولاً بعظتها وتبيين الجزاء الأخروي والدنيوي على طاعة زوجها التي قال عنها نبينا صلى الله عليه وسلم: إذا صلّت المرأة خمسها وصامت شهرها وأطاعت زوجها دخلت جنة ربها من أيّ أبواب الجنة شاءت". ويحذرها أيضاً من أن هذا العصيان فيه غضب الله عز وجل فإذا فاءت ورجعت إلى طبيعتها فبها ونعمت وإلا هجرها في المضجع وليس هجر المضجع لا بد أن تكون معه في فراش واحد ويُعرض عنها فذلك ضرب لأنوثتها ثم إن لم تستجب فعليه أن يضربها ضرباً غير مبرح تنبيهاً لها على أنها بسلوكها ذاك ستهدم الأمر كاملة فإذا لم تستجب أيضاً فلا بد من حكم من أهله وحكماً من أهلها ليتبين كلٌ منهما من المخطئ ومن المصيب فإن كان لديهما نية للإصلاح يوفق الله بينهما.

ثم تتعرض الآيات الكريمة إلى العلاقات الإنسانية التي تبدأ بعد عبادة الله عز وجل بالإحسان إلى الوالدين وإلى ذي القربى واليتامى والمساكين والجيران الجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب أياً كان هذا الصاحب الصديق سواء كان في سفر أو في زمالة في العمل كل هؤلاء لهم حقوق وهذه الحقوق تأتي مباشرة في درجتها بعد عبادة الله عز وجل. ويتوجه القرآن الكريم إلى بني إسرئيل وهم أهل الكتاب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً) تهديد ووعيد لأهل الكتاب الذين يمتنعون عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي جاء مصدّقاً لما معهم.

ثم تأتي الآيات بعد ذلك مشيرة إلى مبدأ خطير في كيان الأمة المحمدية وهو تحقيق العدالة في المجتمع بمعنى أن يحرص المرء على أن يعدل بينه وبين زوجته، بينه وبين أولاده، بينه وبين غيره فهذه إرادة الله وأمره (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ) فإذا حدث خلاف فالمردّ والمرجع هو الله عز وجل أيّ اختلاف بين المؤمن وأخيه المؤمن أو بين المؤمن وغيره فالمرجع هو الله عز وجل كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ثم علينا الطاعة لأولياء الأمور وهنا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) لم يقل القرآن ووليّ الأمر وهذا معناه أن الإسلام لا يشجع أن يكون هناك فرد واحد يُلزم الناس جميعاً ديكتاتور ولكن  لا بد أن تكون قيادة الأمة لأولي الأمر وأولي الأمر يشمل فيما يشمل العلماء والحكماء وأهلّ الحل والعقد ورئيس الدولة إذا كان ملتزماً بأمر الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ثم يشير القرآن الكريم أن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي من طاعة الله فما أرسل الله الرسل إلا ليطاعوا بإذن الله (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ) (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) ثم إن هذه الطاعة لا بد أن تكون عن رضى وقناعة (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا) (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا (51) التوبة) هذا هو مسلك المؤمن مع أوامر الله عز وجل. ثم حتى لو أطعتم ربكم وتمسكتم بسنة نبيكم فإن أعداءكم لن يتركوكم فلا بد أن تحافظوا على كرامتكم وعلى عزتكم واستقلالكم (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) ما دام مدافعاً عن دينه وعرضه ووطنه فهو شهيد وهو عند الله عز وجل حيٌّ يُرزق.

ثم إنه وعد الله سبحانه وتعالى بأن كيد الأعداء كيد ضعيف وكيد الشيطان أيضاً ضعيف مع المؤمن التقي المرتبط بربه عز وجل.

وتستمر الآيات في عرض ما عند المنافقين من مؤامرات وكيد لهؤلاء المؤمنين بالله عز وجل فالقرآن الكريم يحثنا على أن نحذر هؤلاء المنافقين (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ) وهنا تنبيه من الله عز وجل أن نكون يقظين لما يجري في المجتمع من هؤلاء المنافقين الذين يتولون أعداء الله عز وجل ويتقربون إليهم ويلتمسون العزة عندهم ويلتمسون المال عندهم وهؤلاء المنافقون تجد عندهم أمراضاً قلبية يشتهون المنصب، يشتهون الغنى والثروة هؤلاء الذين في قلوبهم مرض. ثم عندهم وصف آخر وهم أنهم يشيعون الفساد في الأرض ويرجفون ويثيرون الشائعات التي تتسبب في الحيرة والاضطراب والقلق والبلبلة في المجتمع فالقرآن الكريم يحذّرنا من هؤلاء المنافقين.

 

ثم يحدثنا القرآن الكريم عن أهمية الكلمة وآثارها (لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ) ثم إن الإنسان إذا وجد نفسه في أيّ بيئة من البيئات ذليلاً لا يستطيع أن يقيم حدود الله فعليه أن يهاجر (وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) وحينما يحافظ الإنسان على الكلمة التي تخرج منه لا بد أن يستغلها في الإصلاح بين الناس ومن هنا كانت الآية (لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ) كلمة الإنسان لا بد أن تكون هادفة إلى خير يقدّم للأمة وللوطن إما بالإصلاح وإما بالأمر بالصدقة والحض على إطعام المساكين وما إلى ذلك. ومن هنا تأتي صفة المؤمن في أنه من البررة، البررة مع الله عز وجل والبررة مع المجتمع ومع إخوانه ومع كل العالمين لأن دينه هو دين الرحمة للعالمين كما قال رب العزة (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء). 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل