خواطر قرآنية - الجزء 9

برنامج خواطر قرآنية

د. محمد المختار المهدي

رمضان 1434هـ

الحلقة التاسعة – الجزء التاسع


يبدأ الجزء التاسع من القرآن الكريم بقصة سيدنا شعيب مع قومه حينما هددوه بأن يخرجوه من قريته ما لم يترك دينه ويدخل في دينهم وكان هذا هو حال كل المكذبين للرسل السابقين (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ ﴿٨٨﴾ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ﴿٨٩﴾ وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ ﴿٩٠﴾ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴿٩١﴾ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ ﴿٩٢﴾) وفعلاً أهلك الله سبحانه وتعالى قوم شعيب كما أهلك مَنْ قبلهم فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في ديارهم جاثمين. وهكذا كان أخذ ربنا للمكذبين بغتة وهم لا يشعرون مع أنهم لو آمنوا واتقوا لفتح الله عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذهم بما كانوا يكسبون. إنهم لا يأمنون مكر الله عز وجل يمكن أن ينزل العذاب عليهم بياتاً وهم نائمون أو ضحى وهم يلعبون (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ﴿١٠١﴾). وتبعهم في هذا الضلال فرعون وملؤه وما طلب منه موسى إلا أن يحر قومه من الذلّ وطلب منه آية على صدقه فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين فاتهمه فرعون بالسحر وبأنه يريد قلب نظام الحكم وحشر السحرة وأغراهم بالمكافأة (قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ﴿١١٦﴾ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴿١١٧﴾ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١١٨﴾ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ ﴿١١٩﴾ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ﴿١٢٠﴾) وصمدوا أمام تهديد فرعون بقطع الأيدي والأرجل وبصلبهم في جذوع النخل وبدأ ينتقم من قوم موسى وممن آمن معه. وطلب موسى من قومه أن يصبروا والعاقبة دائماً للمتقين ولما شكوا إليه قال لهم (قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴿١٢٩﴾) وأخذ الله عز وجل فرعون وقومه بالسنين وبنقص الأموال والطوفان والجراد والقُمّل والضفادع والدم فاستكبروا فانتقم الله منهم وأغرقهم وأورث المستضعفين مشارق الأرض ومغاربها ودمر ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا  يعرشون لكن قوم موسى لم يشكروا نعمة الله عليهم فبمجرد نجاتهم من بطش فرعون ومجازاتهم للبحر وجدوا قوماً يعكفون على أصنام لهم فقالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة. ثم طلب موسى من ربه أن يكلمه فوعده بثلاثين ليلة وأتمها بعشر وأمّر عليهم أخاه هارون وطلب موسى في ذلك أن يرى ربه جهراً فتجلى الله عز وجل للجبل وجعله دكّاً وخرّ موسى صعقاً. وآتاه الله الألواح فيها موعظة وتفصيل لكل شيء وعاد موسى فوجدهم قد عبدوا عجلاً جسداً له خوار وأخذ موسى برأس أخيه هارون يجره إليه (قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿١٥٠﴾) (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴿١٥٤﴾) واختار موسى من قومه سبعين رجلاً ليحضروا معه مكالمة ربه فأخذتهم الرجفة وبعثهم الله وقالوا إنا هدنا إلى الله وتبنا فقال الله (قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴿١٥٦﴾ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿١٥٧﴾). هذه قصة بني إسرائيل وهذا عهد الله إليهم أن يؤمنوا بخاتم الأنبياء وبرسول الله إلى الناس أجمعين نبياً أمياً يؤمن بالله وكلماته.

وتوالت نعم الله على بني إسرئيل فضرب موسى الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا بعدد أسباطهم وظلل الله عليهم الغمام في صحراء سيناء وأنزل عليهم المن والسلوى وقال لهم (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿١٦٠﴾) فما كان منهم إلا أنهم احتالوا على أكل الحرام إذ حرّ الله عز وجل أن يصطادوا يوم السبت فنصبوا الشباك يوم الجمعة وأخذوا الحصيلة يوم الأحد واستحقوا اللعنة من الله. وقالت أمة منهم (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴿١٦٤﴾ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴿١٦٥﴾) هكذا تأذّن الله سبحانه وتعالى ليبعثنّ عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب وقطّعهم في الأرض أمماً وخلف من بعدهم خَلْف ورثوا الكتاب (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿١٦٩﴾). ونتق الله الجبل فوقهم كأنه ظلة ليحثّهم على الطاعة فما كان منهم إلا أن فسقوا عن أمر ربهم واتبعوا أهواءهم وكانوا كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ومع ذلك فهناك ممن خلق الله أمة تهدي بالحق وبه تعدل وسيأتي يوم لا يعلم موعده إلا الله حتى الرسل لا يعلمون موعده يحاسب الله فيه كل إنسان على ما قدّم فمن نسب الفضل لصاحبه كوفئ ومن أشرك بالله فقد ألغى عقله. وعلى المؤمن إذن أن يعتز بالله وأن يعامل الناس على طبيعتهم وأن يأمرهم بالمعروف وأن يُعرِض عن الجاهلين وأن لا يستمع إلى نزغات الشياطين وأن يتوب إلى الله في كل وقت وحين وإذا مسّه طائف من الشيطان تذكر وأصغى إلى سماع القرآن الكريم وذكر ربه تضرعاً وخيفة ودون الجهر بالقول بالغدو والآصال.

تنتهي سورة الأعراف وتبدأ سورة الأنفال والأنفال هي ما يرزق الله المؤمنين من أموال المحاربين بعد نصرهم، جعل الله هذه الأنفال لله ورسوله حفاظاً على صلاح النفوس حتى لا يختلفوا في توزيعها وجعلهم يخضعون لأوامر الله فهذا شأن المؤمن ذلك أنه إذا تليت عليه آياته زدته إيماناً وأقام الصلاة وأنفق مما رزقه الله فأولئك هم المؤمنون حقا.

 

وهنا يذكّر الله عز وجل المؤمنين بنصره لهم في بدر وموقف الصحابة الذين كانوا يتخوفون من هذا اللقاء ولكن الله عز وجل أراد أن يحق الحق بكلماته وأن يري العالم كله أنه كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين فأمدهم الله عز وجل بملائكته وغشّاهم النعاس وأدخل الرعب في قلوب أعدائهم ونصرهم عليهم حين استعانوا بالله عز وجل وحين دعاهم الرسول لما يحبّه الله فتذكروا فضله واتقوه ليجعل لهم فرقانا. وذكّرهم الله عز وجل بفضله عليهم حينما مكر بهم المشركون وأرادوا أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أن يسجنوه أو أن يُخرجوه من بلده فكانت عناية الله عز وجل برسوله وأخرجه سالماً غانماً فهجر مكة وذهب إلى المدينة المنورة ونصره الله عز وجل وأقام دولة الإسلام والمسلمين هناك في عزّة وكرامة وبناء على ذلك فما أراد الله عز وجل عزّه فلن يذلّه أحد. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل