خواطر قرآنية - الجزء 10

برنامج خواطر قرآنية

د. محمد المختار المهدي

رمضان 1434هـ

الحلقة العاشرة – الجزء العاشر


ختم الله عز وجل الجزء التاسع من كتابه الكريم بطمأنة المؤمنين بقوله سبحانه (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)) ومع ذلك فتح الله عز وجل لهم باب التوبة (إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ (38)) وسينصر الله أهل الحق لأنهم لا يريدون إلا أن يكون الدين لله وحده بعيداً عن ضغوط التقاليد والأساطير.

ويبدأ الجزء العاشر ببيان تقسيم الغنائم كما أراد الله عز وجل فلله الخمس ولرسوله ولذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. ثم بتذكير المسلمين بفضل الله عز وجل عليهم يوم التقى الجمعان في بدر حيث أرى الله عز وجل للمؤمنين أن عدوّهم قليل وأرى أعداءهم أنهم أقلية كل ذلك ليتشجع كل فريق على لقاء الآخر وليقضي الله أمراً كان مفعولاً.

ثم أمر الله عز وجل عباده المؤمنين بأن يثبتوا وأن يديموا ذكر الله وطاعته وأن يتركوا التنازع والخلاف فهو سبيل الفشل والدمار وأن يلزموا الصبر وإخلاص النية فإنهم لم يخرجوا بطراً ولا رياءً. وليذكروا مواقف أعدائهم المغرورين بقوتهم وبالمنافقين وبما حاق بهم كما حاق بآل فرعون من قبل وليذكروا عداء شرّ دوابّ الأرض وهم اليهود الذين ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون وأنهم سيدّعون أنهم سبقوا المؤمنين في العتاد والقوة ولكن على المؤمنين أن يعدّوا لهم ما استطاعوا وسيُكمّل الله عز وجل للمؤمنين ما لم يستطيعوا ليرهبوا به عدو الله ومن يسانده فإن ضعفوا ومالوا إلى السلم وما زال المسلمون أقوياء فليقبلوا المسالمة ولا يخشوا خداعهم فالله معهم بشرط واحد أن تبقى وحدتهم وتآلف قلوبهم وارتفاع روحهم المعنوية بحيث إذا لقي أحدهم عشرة من أعدائه كان قادراً على هزيمتهم بفضل الله وقد حقق الله للمؤمنين ما وعد وأُسر من المشركين سبعون ورضي النبي صلى الله عليه وسلم بفدائهم طمعاً في إيمانهم مع أنهم لا يستحقون العفو بعد كل هذه الجرائم. وفرح المؤمنون بنصر الله واتخذ المهاجرون الوحدة بينهم وبين الأنصار أساساً وعرفوا عدوهم من صديقهم وانضم إليهم من هاجر متأخراً وقويت شوكة الإسلام.

وهنا تنتهي سورة الأنفال لتبدأ سورة التوبة وتبدأ ببراءة الله عز وجل ورسوله ممن نقض العهد من المشركين وأمهلهم رب العزة أربعة أشهر فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وإلا قُتِلوا وإن استجاروا بالمؤمنين حتى يسمعوا كلام الله أجارهم المؤمنون لأنهم لا يريدون النقمة من أحد. إن طبيعة المؤمنين أن يستقيموا مع المستقيم وأن يسالموا مع المسالم أما من يخون العهد ويضمر الشرّ فالسلام معه استسلام وعجز فهم لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة ولا أيمان لهم ولا ينبغي للمؤمنين أن يخشوهم فيقاتلوهم يعذبهم الله بأيديهم وينصرهم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين وهذا هو الامتحان الحقيقي للإيمان. إن المشركين يحتمون بأنهم يُعمّرون المسجد الحرام لكن العُمّار الحقيقيين هم المؤمنون برب المسجد الحرام هم المجاهدون في سبيل الله المتبرئون من الشرك وأهله ومن زينة الدنيا وزخارفها ومن عصبيات النسب والقرابة ومن الاعتزاز بالكثرة فما منعت الكثرة يوم حُنين ضاقت الأرض على من قال لن نُغلب اليوم عن قلّة. ثم أنزل الله سكينته على المؤمنين وعذب الذين كفروا وعلى المؤمنين أن يطهّروا المسجد الحرام من رجس المشركين فلا يقربوه بعد عامهم هذا وأن يقاتلوا من لا يؤمنو بالله من أهل الكتاب حتى يخضعوا للحق ويعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. فقد ادعى اليهود أن عزيراً ابن الله وادّعى النصارى أن المسيح ابن الله واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله يحرمون لهم ويحلون لهم دون سند من أوامر الله وما أمرهم موسى وعيسى إلا بتوحيد الله وهم يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهر على الدين كله ولو كره المشركون.

 

إن كثيراً من أحبارهم ورهبانهم يأكلون أموال الناس بالباطل ويلتزمون أن يكنزوا الذهب والفضة وستكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم. وقد غيّر المشركون في عدة الشهور التي جعلها الله يوم خلق السموات والأرض اثني عشر شهراً منها أربعة حرم لكنهم جعلوا النسيء يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً فإذن فقد ضل كل من المشركين وأهل الكتاب واعتدوا على المسلمين فلماذا لا يستنفر المسلمون طاقاتهم في درء أخطارهم أيخشونهم؟ إن الله أحق أن يخشوه. لقد نصر الله نبيه ولم يكن معه سوى صاحبه أبي بكر في الغار مع ذلك نصره الله لأنه استحضر معيّة الله وأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم يرها أحد. فانفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالهم وأنفسكم في سبيل الله ولا تسمعوا للمنافقين الذين يفضّلون القعود ولو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً وإن تصبكم حسنة تسؤهم. هل تنتظرون من جهادكم إلا إحدى الحسنيين إما النصر وإما الشهادة؟ أما المنافقون فإنهم لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ومنهم من يلمز النبي صلى الله عليه وسلم في توزيع الزكاة مع أن الله عز وجل حدّد مصارفها في ثمانية في الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل ومنهم من يؤذي النبي ويحلفون بالله ليرضوا المؤمنين ويحذرون أن تنزل سورة تفضحهم ويعتذرون أنهم يخوضون ويلعبون وهم متعاونون على الإثم والعدوان يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف فلهم جهنم وبئس المصير. أما المؤمنون والمؤمنات فبعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وسيرحمهم الله ولهم جنات النعيم وليس على المحسنين سبيل إذا نصحوا لله ولرسوله ولم يجدوا ما ينفقون وسيرحمهم الله لأنهم بذلوا ما يستطيعون. ندعوا الله عز وجل أن يجعلنا من الأوفياء لدينه المجاهدين في سبيله المعتزين بالله المنتصرين بالله إنه ولي ذلك والقادر عليه.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل