خواطر قرآنية - الجزء 11

برنامج خواطر قرآنية

د. محمد المختار المهدي

رمضان 1434هـ

الحلقة 11 – الجزء 11


يبدأ الجزء الحادي عشر من كتاب الله عز وجل برفع اللوم عمن أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليساعدهم على الجهاد ولم يجد ما يحملهم عليه فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون. أما أولئك الذين يختلقون الأعذار وهم أغنياء ويرضون أن يتخلفوا مع النساء فقد طبع الله على قلوبهم وقد فضحهم الله عز وجل ووصفهم بالرجس ومأواهم جهنم وبئس المصير. وهناك الأعراب الذين يبخلون عن النفقة في سبيل الله ويعدونها مغرماً ويتربصون بالمسلمين وهم أشد كفراً ونفاقاً ومع ذلك من هؤلاء الأعراب قوم صالحون يتخذون ما ينفقون مغنماً وقربات عند الله وصلوات الرسول فهؤلاء سيدخلهم الله في رحمته. وهناك السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأع لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم. وهناك من خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً فعسى الله أن يتوب عليهم وسيطهّرهم ربهم بالزكاة وبالتوبة والعمل الصالح وسيرى الله ذلك والمؤمنون وهو التواب الرحيم. وهناك من اتخذ مسجداً ضراراً يناوئ فيه الدعوة الإسلامية ويجمع فيه أعداء الإسلام باسم الإسلام فإذا بهم ينهار بهم بنيانهم في جهنم وبئس المصير.

إن الجهاد في سبيل الله شرف ومن نال فيه الشهادة استبشر بجنة عرضها السموات والأرض وليس هناك محاباة لقرابة من رسول الله فقد مُنع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لعمه المُشرك بل وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم فالعلاقة إذن هي الإيمان ومن استجاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة العسرة في تبوك مع ما كان فيها من شدة وأذى تاب الله عليه ووعده بالجزاء العظيم كما تاب على الثلاثة الذين خلفوا حتى ضاقت عليهم بما رحبت ولكنهم صبروا على مقاطعة المسلمين لهم فتاب الله عليهم. وما كان لأحد أن يتخلّف عن الجهاد بعد أن يعلم أن أيّ أذى يلحقه وأي ظمأ أو جوع يحدث له سيكتب له الله به عملاً صالحاً ويجزيه بأحسن ما كان يعمل.

ومن الجهاد في سبيل الله أن ينفر من كل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين وليتعمقوا في فهمه ويبذلوا في ذلك المشقات ليحصلوا على العلم النافع وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون وتلك فريضة من فرائض الكفاية على الأمة كلها. ومن مقتضيات الجهاد أن يري المسلمون أعداءهم في كل عام ما عندهم من قوة حتى لا يحترئوا على حِماهم وحتى يظلوا أعزة كراماً بعيدين عن العنف الذي يعزّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تقع فيه الأمة (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (128)).

وإلى هنا تنتهي سورة التوبة وتبدأ سورة يونس التي تبدأ بالإشارة والإشادة بآيات الكتاب الحكيم التي أوحاها الله إلى خاتم المرسلين وتهتم بتقديم الأدلة والبراهين من الآيات الكونية والنعم الإلهية على صدق هذا الرسول العظيم والتعرض لطبيعة النفس البشرية التي تتعجل الخير وتتضرر من وقوع الشر وإذا كشف الله الضر عنها نسيت فضله وإذا تليت عليها آيات الله تطلب قرآناً آخر غير هذا وما كان لمحمد أن يغير فيما أنزله الله وما جاء القرآن الكريم إلا ليبين للناس حقيقة الحياة الدنيا وزخرفها إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغنَ بالأمس. هكذا الله عز وجل يدعو الناس إلى دار السلام ومن أحسن فله الحسنى وزيادة وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ومن يدّعي ذلك فليأت بسورة واحدة منه وليدعو من استطاع من البشر أجمعين أن يساعدوه أن يأتي بتلك السورة ولن يفعل! إن من يكذب بالقرآن جاهل لما حواه وسيأتيهم العذاب بياتاً أو نهاراً فلا داعي للاستعجال بهذا العذاب! لقد نزل من عند الله موعظة وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين وكان الأولى بالبشر أن يفرحوا بفضل الله ورحمته فهو خير مما يجمعون. لقد بيّن الحلال والحرام وكان فضل الله به على الناس عظيماً ومن يتلوه ويعمل به فسيرى الجزاء العظيم ممن لا يعزب عنه مثقال ذرة ولا أصغر من ذلك ولا أكبر. إنه بذلك سيكون من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ولهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

 

وما جاء في القرآن متفق مع رسل الله عز وجل مع ما أرسل به نوح وكذب به قومه فنجاه الله وأغرقهم وجاء بعده رسل كثيرون ثم جاء موسى وهارون إلى فرعون وقومه فاستكبروا فاتهموهما بسلب ملكهم وجاؤوا بالسحرة وأبطل الله سحرهم. ونصح موسى قومه بالصبر والتوكل وإقامة الصلاة ودعا على فرعون فاستجاب الله دعاءه وجاوز ببني إسرائيل البحر ودخل فرعون في الغرق وأراد أن يؤمن ولم يستجب الله له ونجا الله بدنه ليكون آية لمن بعده. كل هذا يعلمه من أُرسل قبل محمد وجاء في كتب الله. وما آمن من أقوام الرسل إلا قوم يونس ولما آمنوا كشف الله عنهم الخزي في الحياة الدنيا ومتّعهم الله عز وجل بالعزّ إلى حين وهكذا وعد الله عز وجل وكان حقاً عليه أن ينجي المؤمنين. فيا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وهو خير الحاكمين فعليكم إذن أن تكونوا مع الحق والحق قد جاء مع محمد صلى الله عليه وسلم ولا حق سواه فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ أمامكم سبل النجاة وأمامكم الطريق فلا تضلوا الطريق وكونوا مع الله يكن الله معكم وينصركم على أعدائكم إنه وليّ ذلك والقادر عليه. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل