خواطر قرآنية - الجزء 15

برنامج خواطر قرآنية

د. محمد المختار المهدي

رمضان 1434هـ

الحلقة 15 – الجزء 15


يبدأ الجزء الخامس عشر بسورة الإسراء وستبقى معجزة الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى علامة بارزة على عبودية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لربه تلك العبودية التي اختصّ بها فقال ربنا سبحانه وتعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ) ولم يقل بعبده محمد وتكرر هذا الوصف لرسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب ربنا وكأن عبودية محمد صلى الله عليه وسلم قد صارت عَلَماً له بأنه هو عبد الله عز وجل. ثم في قصة الإسراء المعراج دلالة على الصلة الوثيقة بين المسجد الحرام والمشجد الأقصى فكلاهما من مقدسات الإسلام والحفاظ على المسجد الأقصى حفاظ على المسجد الحرام وهو أمانة في أعناق المسلمين بعد أن تسلمه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن طريق سيدنا جبريل وهو يقدّم نبينا محمداً لإمامة الأنبياء والمرسلين في المسجد الأقصى حتى يحرر الله عز وجل هذا المسجد الأسير على أيدي المؤمنين إن شاء الله. وقد نبه القرآن الكريم بعد ذلك إلى رسوب بني إسرائيل في الحفاظ على المقدسات بل وفي رفع راية الرسالات السماوية وتوعّدهم رب العزة بأن يدمر ما بنوه وجاء بعدها يقول لهم إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً. وكلُّ مسلم مسؤول بمفرده (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا (13) اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14)) ومن أهم ما يصيب الأمم من أسباب الدمار انتشار التَرَف في فئة من فئات المجتمع ومن هنا يأتي التحذير من الترف. ثم يبين الله عز وجل أن من أهم الواجبات عبادة الله والإحسان إلى الوالدين وبخاصة عند الكِبَر واستشعار ما بذلوه في صغر هؤلاء الأولاد والوفاء يقتضي البرّ بهم في كِبَرهم. ثم يأتي تحذير القرآن الكريم من إزهاق النفس التي حرّم الله إلا بالحق وبالوفاء بحقوق ذوي القربى وعدم القرب من الزنا وروافد هذه الفاحشة وإزهاق النفس التي حرم اله إلا بالحق وأكل مال اليتيم ونقض العهد وبخس الكيل والميزان وتتبع عورات الناس والتكبر والخيلاء كل ذلك مما يستجلب سخط الله عز وجل الذي يسبح له ما في السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده. ومما يمنع كل ذلك قرآءة القرآن فإنها تجعل بين الإنسان والمعاصي حجاباً ينفع صاحبه يوم لا ينفع مال ولا بنون. ومما يشجع على المعاصي وسوسة الشيطان الذي توعّد أن يلتهم بني آدم بين فكّيه (لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً (62)) وأن يشاركهم في الأموال والأولاد وأن يغرّهم بالوعود الكاذبة فليحافظ الإنسان إذن على كرامته التي أعطاه الله إياها (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70)) ولا يصح أن يكون عبداً لهذا الشيطان بل عليه أن يقتدي بخاتم النبيين في الثبات على الحق وأن يقرأ القرآن في الفجر وأن يتهجّد في الليل كما كان يفعل المصطفى صلى الله عليه وسلم وعليه أن يستعين بالله عز وجل وحده فإن الله ينزل من القرآن ما فيه شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً.

هذا القرآن لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ولقد صرّف الله فيه من الأمثال ما يُحرج كل عاقل ومع ذلك طلب الكَفرة أن يروا الله جهرة وأن يكون لمحمد بيت من زخرف أو جنة من نخيل وعنب أو أن يفجّر الأنهار أو أن يرقى في السماء واشترطوا أن لا يؤمنوا إلا إذا فعل ذلك مع أن الله عز وجل قد آتى موسى تسع آيات ومع ذلك لم يؤمنوا فأغرق الله فرعون وأسكن بني إسرائيل في الأرض وفرّقهم إلى أن يأتي الوعد الإلهي بتجميعهم لفيفاً حتى يهزمهم المسلمون إن شاء الله في اللقاء الأخير قبل يوم القيامة. ولقد أنزل الله سبحانه وتعالى قرآناً فرّقه ليقرأه على مكث فمن آمن به وسمعه خر ساجداً لله ودعا ربه خاشعاً حامداً مكبراً.

ثم تأتي سورة الكهف وهي تبدأ أيضاً بحمد الله عز وجل على أن أنزل الكتاب قيماً بلا عوج ومبشراً ومنذراً ومبيناً أن ما على الأرض من زينة قد جعله الله امتحاناً للبشر أيهم أحسن عملاً. ثم إن هذه الزينة لا بد أن تزول إما أن تزول عن الإنسان وهو حيّ وإما أن يزول هو عنها فيموت فلا بد أن تُترك، وهذان هما المحوران الأساسيان اللذان تقوم عليهما سورة الكهف وتأتي في سبيل تحقيق هذين المحورين بكثير من القصص التي تثبت ذلك. ومن أبرز هؤلاء قصة أهل الكهف أولئك الذين لم تغرّهم المناصب ولم تُرهبهم المذابح وفضّلوا الإيمان بالله عز وجل وتركوا كل تلك الزينة فحماهم الله عز وجل وجعلهم للناس آية. هؤلاء تولاهم الله عز وجل وأنامهم ومنع الشمس أن تحرق أجسادهم وقلّبهم وألقى عليهم الرعب بحيث لا يعتدي عليهم أحد ومكثوا ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً حتى بعثهم الله عز وجل آية للعالمين وأهلك الله من أراد بهم الشرّ.

ثم هناك موقف صاحب الجنتين الذي اغتر بهما وأنكر البعث فأصبح يقلّب كفّيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها. أهل الكهف لم تغرّهم الزينة ولكن صاحب الجنتين أغرته تلك الزينة فأزالها الله عز وجل عنه.

ثم جاءت الأمثال الأخرى في الحياة الدنيا فما مثل الحياة الدنيا إلا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدراً. ثم تأتي الباقيات الصالحات، المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً. إن ما يجري في الدنيا بقدر وحكمة وهذا موسى قد جعله الله عز وجل سبباً في إيصال هذه الحِكَم التي يدور عليها الكون ويغفل الإنسان عن إدراكها فأعلمه الله بأن هناك عبداً صالحاً عنده علم ليس عند موسى ومع أن موسى كليم الله ومن أولي العزم من الرسل إلا أنه حين علم أن هناك من يعلم شيئاً أقسم بأنه سيذهب إليه مهما كلفه ذلك من مشقة وذهب والتقى بالعبد الصالح وقدّم له نفسه على أنه تابعٌ له حتى يأخذ منه بعض ما وهبه الله إياه. فإذا بالعبد الصالح يقول له إنك متعجل ولن تستطيع معي صبراً فيقدّم له سيدنا موسى شروط التعلّم الصحيحة (قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69)) وهنا يضع سيدنا موسى لمن يريد أن يتلقى العلم ثلاثة شروط:

·         أولاً: الإصرار على الوصول إلى العلم النافع مهما كلفه من مشقة

·         ثانياً: الصبر على تلك المشقات

·         ثالثاً: طاعة المعلم ولو كان المعلم أقل درجة من المتعلم

وبناء على ذلك دخل سيدنا موسى مع العبد الصالح في مركب فخرق السفينة فاعترض موسى ووجد طفلاً فقاله فاعترض أيضاً سيدنا موسى ووجد العبد الصالح جداراً يريد أن ينقضّ فأقامه فاعترض سيدنا موسى ثم جاء البيان لحكمة الله في كل هذه التصرفات وأن الله عز وجل يبعث من شاء لإصلاح الكون ونحن غافلون عن حكمة الله عز وجل.

 

ندعو الله سبحانه وتعالى أن يرينا الحق حقاً وأن يرزقنا اتباعه وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه إنه ولي ذلك والقادر عليه. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل