خواطر قرآنية - الجزء 16

برنامج خواطر قرآنية

د. محمد المختار المهدي

رمضان 1434هـ

الحلقة 16 – الجزء 16


يبدأ الجزء السادس عشر من كتاب الله عز وجل بتفسير العبد الصالح للأحداث الغريبة التي اعترض عليها سيدنا موسى فخرق السفينة كان لمصلحة المساكين الذين يعملون في البحر لأنه كان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً فأراد العبد الصالح أن يعيب هذه السفينة حتى لا يأخذها الملك الظالم وهكذا ينبغي علينا أن نحمي العاملين الصادقين من أخطار هؤلاء الظَلَمة. ثم هذا الولد الذي قتله العبد الصالح كان سيتسبب في انحراف أبيه عن جادة الطريق لشدة حبه إياه فأراد الله عز وجل أن يعوضه بغلام آخر. ثم هذا الجدار الذي أقامه العبد الصالح كان لغلامين يتيمين وكان أبوهما صالحاً وكان قد وضع تحت هذا الجدار كنزاً لهما وقد بلغا أشدهما فأراد الله أن يخرج هذا الكنز لهما لصلاح أبيهما. ثم تأتي قصة ذي القرنين وهو رجل مكنه الله في الأرض مكنه من المشرق والمغرب وأباح له أن يتخذ كل الوسائل في شعبه فاختار أن يحقق العدل بجناحيه بعقوبة الظالم والإحسان إلى المحسن (قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88)) وحين حقق هذا العدل في المغرب انتقل إلى المشرق فحققه أيضاً على سكان المشرق ثم لم يجلس على مكتبه ولكن ذهب بنفسه ليتحسس آلآم شعبه ويقضي على متاعبهم فيما بين السدين وحين وجد أن يأجوج ومأجوج يفسدون في الأرض وحين طلب من بين السد أن يصنع لهم سداً مانعاً من دخول يأجوج ومأجوج واستعدوا إلى أن يدفعوا له الضرائب فرفض وطلب معونة هؤلاء ليكون تعاون بين الحاكم والمحكوم وكلفهم أن يجمعوا له قطع الحديد من الجبال فيرصها رصاً سليماً بين الجبلين ثم طلب منهم أن يوقدوا النار تحت الحديد وأن ينفخوا فيه حتى إذا جعله ناراً طلب منهم ايضاً أن يأتوه بقطع النحاس حتى يصب هذا النحاس على الحديد فإذا بالسد يقام صلباً لا يستطيع أحد أن ينقبه أملس لا يستطيع أحد أن يتسلقه كما قال ربنا (فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97)) وبعد أن أتم هذا السد لم يقل أن الذي فعلت السد بل قال (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98)) مستشعراً ما بدأت به السورة (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلً (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8)) وتأتي السورة في خاتمتها بالجزاء لمن أحسن العمل (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107))

تبدأ سورة مريم بقصة سيدنا زكريا الذي كان وصياً عليها. سيدنا زكريا كانت قد بلغت سنه الكبر وامرأته عاقر ولكنه خشي من أقاربه أن يفرطوا في الدعوة بعده فطلب من ربه ذرية طيبة يربيها لتقوم بالدعوة بعده فاستجاب الله دعاءه وبشره بيحيى مصدقاً بكلمة من الله أي بابن خالته سيدنا عيسى ابن مريم وسيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين وجعل الله لسيدنا زكريا آية في أنه حين يحدث هذا سيُغلق عليه الكلام ولا يتكلم إلا بذكر الله. وتأتي بعد ذلك قصة مريم التي سميت السورة باسمها حينما أراد الله عز وجل أن يجعلها آية للعالمين وأن يخلق عيسى منها بلا أب فجاء سيدنا جبريل وبشّرها بغلام فاستغربت إنها لم تكن في يوم من الأيام بغيا ً ولم يمسسها بشر فكيف يأتي لها غلام فقال (قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا (21)) فحملته فانتبذت به مكاناً قصياً وأجاءها المخاص، فاجأها المخاض إلى جذع النخلة وهنا استشعرت الحرج الشديد كيف ستقول لقومها وهم يعلمون أنها بِكْر فجعل الله آية البرآءة في نفس الغلام الذي نطق وهو صبي رضيع (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31)) ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد، إن عيسى رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم. ثم تأتي قصة إبراهيم مع أبيه الذي كان من عُبّاد الأصنام تلطف معه في الدعوة وقال له (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45)) ولكنه حين لم يستطع أن يجيب عليه هدّده وقال له لأرجمنّك واهجرني ملياً وخرج سيدنا إبراهيم مهاجراً إلى ربه مطروداً من أبيه ومع ذلك يقول له سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا.

ثم يأتي القرآن الكريم بذكر سيدنا موسى وهارون وبذكر سيدنا إسماعيل الذي كان صادق الوعد وكأن يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضياً وبذكر سيدنا إدريس الذي كان صديقاً نبياً ورفعه الله مكاناً علياً أولئك الذين اصطفاهم الله عز وجل وطلب منا أن نقتدي بهم وحذرنا القرآن الكريم من يوم القيامة الذي سيُحشر الناس فيه وسيأتي الله بهؤلاء الجبارين الكبراء الذين يضلون الناس ويعذبهم أمام أتباعهم وستكون النار جسراً وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً. تأتي هذه السورة الكريمة قبل سورة طه.

 

وسورة طه تتحدث مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن القرآن لم ينزل عليه ليشقي نفسه وليشعر بالأسى والأسف والحزن على قومه أنهم لم يؤمنوا به، لقد جاء مذكِّراً فقط، إن أنت إلا نذير، إنما أنت مذكِّر ولست عليهم بمسيطر، وما كنت بدعاً من الرسل فقبلك أرسل الله موسى إلى فرعون ليحرر قومه وطلب منه اللين في دعوته وإن كان المدعو طاغية جباراً (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)) ودعا سيدنا موسى ربه أن يشرح صدره وأن ييسر أمره وأن يجعل من لسانه لسان صدق يبلّغ به رسالة ربه. ولكن فرعون كذّب وجاء بالسحرة بعد أن اتهمه بأنه ساحر وجاءت المباراة بين السحرة وبين سيدنا موسى فالتقمت عصاه حبالهم وعصيهم وألقي السحرة سجداً واغتاظ فرعون وهدّد السحرة بأنه سيصلّبهم في جذوع النخل ولكنهم وقد دخل الإيمان شغاف قلوبهم رفضوا أن يسيروا مع فرعون ضد الحق ونجّاهم الله عز وجل ولفقت إليهم تهمة المؤامرة لقلب نظام الحكم وأسرى موسى بقومه فاتبعهم فرعون بجنوده فأغرقهم الله ونجا موسى ومن معه ولكن قوم موسى لم يستشعروا النعمة وطلبوا من موسى أن يعبدوا الأصنام ثم عبدوا العجل من دون الله وجاء موسى من ميقات ربه وأخذ العجل وذرّاه في البحر وعاقب السامري الذي صنع هذا العجل. وطلب من رسولنا صلى الله عليه وسلم أن يصبر كما صبر موسى على قومه وكما صبر في دعوته إلى فرعون وحذّره من ألاعيب الشياطين فإن هؤلاء الشياطين ما جاؤوا إلا بعداوة لبني آدم عموماً حينما كان آدم سبباً في لعنة الله لإبليس وما أكرم الله به آدم من دخوله الجنة وضمان ضروراته الأربع إنك لا تجوع فيها ولا تعرى وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحى. فكل من سار على هدي الله عز وجل نجّاه الله فلا تذهب نفسك يا محمد عليهم حسرات. جعلنا الله من الناجين ووفقنا للعمل بكتابه الكريم وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل