خواطر قرآنية - الجزء 17

برنامج خواطر قرآنية

د. محمد المختار المهدي

رمضان 1434هـ

الحلقة 17 – الجزء 17


تبدأ سورة الأنبياء بتحذير البشر من قُرب يوم الحساب مع غفلتهم ولهوهم عن تدبر ما جاء به الوحي على قلب الصادق الأمين الذي يرمونه أحياناً بالسحر وأحياناً بالشعر ويطلوبن منه الآيات التي جاءت لمن قبلهم من الرسل فكفر بها قومهم فأهلكهم الله ونجا الرسل الذين كانوا رجالاً يأكلون الطعام كمحمد صلى الله عليه وسلم. وقد نزل القرن الكريم عليه بلسان عربي مبين يمنح الفخر للعرب لو كانوا يعقلون ومهما تكاسل العرب عن حمل الرسالة فسيقذف الله بالحق على الباطل فيدمغه والحق هو توحيد الله عز وجل الذي فتق السموات والأرض بعد أن كانتا رتقا وجعل في الأرض رواسي وجعل السماء سقفاً محفوظاً. وسيحاسب الجميع في يوم يأتيهم بغتة توضع فيه الموازين بالقسط فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين. سيحاسبون على عبادتهم أكانت لله الخالق المبدع أم كانت لتلك الأصنام التي لا تملك لها نفعاً ولا ضراً والتي تحداها إبراهيم الخليل حين كسرها وقال لقومه إسألوهم إن كانوا ينطقون فبهتوا ولكنهم نكسوا على رؤوسهم وأقودوا له النار فجعلها الله عليه برداً وسلاماً ونجاه ولوطاً إلى الأرض التي بارك فيها ووهب له إسحق ويعقوب وجعلهم أئمة يهدون بأمر الله عز وجل. وسار الأنبياء على هذا المنهج السوي ونجاهم الله أيضاً من كيد الكافرين، نجّا لوطاً من القرية التي كانت تعمل الخبائث ونجّا نوحاً من الكرب العظيم وأغرق قومه أجمعين ووهب لداوود وسليمان حكماً وعلماً وسخّر مع داوود الجبال والطير تسبح وسخّر الرياح والشياطين لسليمان وكشف الضر عن أيوب وأدخل إسماعيل وإدريس وذا الكفل في رحمته إذ كانوا من الصابرين الصالحين. ونجّا يونس من بطن الحوت ووهب زكريا ابنه يحيى بعد أن أصلح له زوجه لأنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعون ربهم خوفاً وخشوعاً وكذلك ينجي الله المؤمنين. فالأمة واحدة والرب واحد وسنّة الله تجري فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه ولن يسمع حسيس جهنم ولا زفيرها ولن يخزيه الله أبداً ولن يحزنه الفزع الأكبر وسيمكنه الله في الأرض لينشر الرحمة بين الخلق فما جاء محمد إلا رحمة للعالمين.

 

ثم تأتي سورة الحج وتحذر من الزلزلة التي تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتذكّر الخلق بأصلهم فقد خُلقوا من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ثم يقرّ الله عز وجل في الأرحام ما يشاء فهل يعجز من خلق على أن يعيد ما خلقه للحساب؟! إن من يجادل في هذه الحقيقة ليس لديه غقل ولا علم ولا هدى إنه متكبر ومضلّ فله الخزي في الدنيا وله في الآخرة عذاب من الحريق. وإن من يتعامل مع الإسلام على أساس المنفعة إن قدّم له نفعاً آمن به وإن أصابته شدة بسببه انقلب على وجهه لن يكسب شيئاً لا في دنياه ولا في أخراه إن ذلك هو الضلال البعيد. إن من يظن أن الإسلام سيهزم عليه أن يمد حبلاً إلى السماء بعد أن يُحكمه على رقبته ثم يشده وينتحر فإن الله ناصر دينه رغم كل الكائدين ومن يهن الله فما له من مكرم. وستقطع لهم ثياب من نار يصهر بها ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد. إن ملة محمد صلى الله عليه وسلم هي ملة إبراهيم الذي كهّر البيت الحرام للطائفين والركع السجود وأذّن للناس بالحج ليشهدوا منافع لهم يوفوا بالنذر ويطوفوا بالبيت العتيق ومن يعظّم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ولن ينال اللهَ لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى. والمؤمنون عليهم أن يدافعوا عن دينهم وقد أذن الله لهم في ذلك لأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير فقد أُخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله. عليهم بعد النصر والتمكين أن يقيموا الصلاة وأن يؤتوا الزكاة وأن يأمروا بالمعروف وأن ينهوا عن المنكر غير عابئين بمن كذّب وكفر فقد مضت سنة الله في الأولين فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور. هذه العراقيل التي يضعها الحاقدون ستزول كما زالت أمام الرسل السابقين فما من رسول إلا تمنى تنشر دعوته فوقف الشيطان في طريقه فنسخ الله ما يلقي الشيطان وأحكم آياته. إذن على المؤمنين أن يلتزموا بالحق الذي قامت عليه السموات والأرض ومن الحق أداء المناسك. لا تسمعوا لأغاليطهم فهم قد سيطر عليهم الشيطان وعبدوا ما لا يضر ولا ينفع وصموا آذانهم عن سماع آيات الله وهم أعجز من أن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له بل وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه فليعبد المؤمنون ربهم وليفعلوا الخير لعلهم يفلحون وليجاهدوا في الله حق جهاده فهو اجتباهم وما جعل عليهم في الدين من حرج ملة أبيهم إبراهيم هو سماهم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليهم وليعتصموا بالله وليكونوا معه فهو مولاهم ونعم المولى ونعم النصير. وفقنا الله لما يحبه ويرضاه وجعلنا من أهل نصرته ومن أهل نصرة دينه إنه ولي ذلك والقادر عليه.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل