خواطر قرآنية - الجزء 18

برنامج خواطر قرآنية

د. محمد المختار المهدي

رمضان 1434هـ

الحلقة 18 – الجزء 18


اختُتِمت سورة الحج بأن الله نِعْم المولى ونِعْم النصير وبدأت سورة المؤمنون بمواصفات لمن يستحق هذه النصرة فذكرت للمؤمنين خمس صفات أساسية الخشوع في الصلاة والمحافظة عليها والإعراض عن اللغو واللهو وأداء الزكاة وحفظ الفروج والأعراض ورعاية الأمانات فمن قام بها فقد فاز لأنه استحضر أصل نشأته فهو من تراب ثم من نطفة وعلقة ومضغة تحولت بعد نفخ الروح فيها إلى خلق آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم خرج الإنسان إلى الحياة محفوفاً برعاية الله أنزل له الماء وأنبت له جنات من نخيل وأعناب بل وسخّر له هذا المكان المقدّس المبارك في طور سيناء تخرج منه شجرة مباركة من الزيتون فيها الصحة وفيها القوة. وسخّر له الأنعام يأكل من لحومها وألبانها فإذا شكر نعمة الله عليه أورثه الفردوس الأعلى. بهذا ولهذا جاءت الرسل منذ سيدنا نوح عليه السلام آمن به قلة واتهمه الكثيرون بأنه مجنون ومكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً ودعا ربه فأمره بصنع السفينة وسخروا منه فأغرقهم الله بالطوفان ونجّاه. وتلا نوحاً قومٌ آخرون كذّبوا بالرسل وأنكروا البعث والحساب ودعا عليهم رسلهم أيضاً فأخذتهم الصيحة بالحق وكلما جاءت أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضاً وجعلناهم أحاديث وكان منهم فرعون وقومه فأهلك الله الظالمين واغتروا بما عندهم من خيرات فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون. فلتكن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أمة واحدة تخشى ربها وتؤمن بآياته تسارع في الخيرات تُخلِص في النيات وفي الأعمال تعطي لله (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60)) فهؤلاء هم السابقون بالخيرات. أما أولئك المترفون فسيجأرون من العذاب ولن يستجاب لجؤآرهم فقد عرفوا بقلوبهم صدق الرسل وتليت عليهم الايات بينات فاستكبروا واتبعوا أهواءهم وأنكروا البعث وقالوا عن كتاب الله إنه أساطير الأولين واستكثروا على الله أن يعيدهم للحساب مع أنهم لا ينكرون أن الأرض والسموات ومن فيهن والملكوت كله بيد الله وحده فكيف يكون معه ولد أو شريك ولو كان له شريك لذهب كل إله بما خلق. إن الساعة آتية وسيتمنون العودة إلى الدنيا ليعوضوا ما فاتهم فلا يستجاب لهم وستلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون إذ كانوا يسخرون من عباد الرحمن وينكرون أنهم سيُبعثون ويحسبون أنما خلقناهم عبثاً وأنهم إلينا لا يرجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم.

وتأتي سورة النور تبدأ ببيانٍ للخلق أنها نزلت وفُرضت وتضمنت آيات بينات لعل البشر يتذكرونها لأنها تضبط سلوكهم وتحصن فروجهم من الإنحراف وتحمي الأعراض من الانتهاك. فالزانية والزاني إن كانا محصنين قد مارسا الحياة الجنسية في زواج مشروع وثبت عليهم أنهم اقترفوا الزنا فليس لهما إلا الرجم حتى الموت وهذا حكم الله في التوراة والإنجيل والقرآن أما إذا كانا غير محصنين وثبتت عليهم الجريمة فجزاؤهما مائة جلدة تنفّذ عليهما بلا شفقة علناً حتى يظل المجتمع طاهراً عفيفاً. وإذا اتهم أحد رجلاً أو امرأة بالفاحشة فعليه أن يأتي بأربعة شهود وإلا فعقابه ثمانون جلدة ويوصَف بالفسق وبعدم قبول الشهادة إلا إذا تاب. ثم من اتهم زوجته ولم يستطع إلا شهادة نفسه عليها فليطلب الملاعنة أمام القاضي ويشهد عليها أربع شهادات بالله إنه صادق في رميها بالزنا والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان كاذباً ولها أن ترد عليه بأربع شهادات أيضاً والخامسة أن غضب الله عليها إن كان صادقاً ثم يفرّق بينهما فرقة أبدية.

في هذا الإطار تأتي قصة الأفك التي اتهم فيها المنافقون أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فبرّأها الله مما قالوا من فوق سبع سموات وعاب على المؤمنين أن يسمعوا لذلك وينشروه مع أن من اتهمها لم يأت بأيّ بينة فهو بهتان عظيم توعّد الله من توى كبره منهم بعذاب عظيم. وأثنى على أبي بكر في عفوه عن أحد المروّجين من أهل بيته، وأمر بالاستئذان عند دخول البيوت وأمر أيضاً أن يغضّ المؤمنون أبصارهم ويحفظوا فروجهم وأمر المؤمنات أن لا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وهو الوجه والكفان على رأي جمهور الفقهاء شريطة الحفاظ على غطاء الرأس وغطاء الصدر إلا أمام أزواجهن أو محارمهن كما أمر بتزويج من لا زوجة له ومن لا زوج لها حتى تكون الأمة بعيدة عن ثغرات الإنحراف وهذه تعاليم الإسلام الذي جاء نوراً ممن السموات والأرض بالشمس والقمر ونوّر القلوب بالوحي الذي جاء مع الفطرة يكوِّن في قلب المؤمن نوراً على نور لا كمن صار قلبه في ظلمات في بحر لجّي يغشاه من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض ذلك أن الكون كله يسبِّح بحمد الله كل الكون يسبّح بحمد الله. أما هؤلاء المنافقون فهم لا يستجيبون لأوامر الله إلا إذا رأوا فيها منفعة (أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50)) لقد وعد الله المؤمنين بأنهم إذا عملوا صالحاً أنه سيحييهم حياة طيبة وسيستخلفهم في الأرض ويرزقهم الأمن بشرط الاستقامة على طاعة الله وعلى العمل الصالح. ومنه أن يتعود الأبناء والخدم على احترام خصوصيات المخالطين لهم في أوقات راحاتهم قبل الفجر وبعد العشاء ووقت الظهيرة وقد أباح الله لهم الطعام من بيوت الآباء والأمهات والإخوة والأخوات والعمّات والخالات ووجههم إلى الأدب مع رؤساهم إذا كانوا معهم على أمر جامع وبخاصة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ليس دعاؤه كدعاء بعضنا لبعض.

 

وتأتي سورة الفرقان تبدأ بتنبيه البشر إلى أن القرآن لم ينزل للعرب وحدهم وإنما هو من أول الأمر جاء للعالمين وأنه لم يتأثر بإدّعاء الكَفرة أنه كذب أو أساطير وأن من جاء به رجل يأكل الطعام ويمشي في الأسواق فهكذا كانت الأنبياء وأن محمداً ليس غنياً وتوعّدهم الله عز وجل بالسعير يقذفون فيها بمكان ضيق مقرّنين يذوقون فيها عذاباً كبيراً وعلى المؤمنين أن يوطنوا أنفسهم على أن الله جعل بعضهم لبعض فتنة وأمرهم بالصبر فقال أتصبرون وكان ربكم بصيراً. ثم عليهم أن يصبروا ويصابروا ويعتصموا بالله فهو ناصرهم وهو نِعْمَ المولى ونِعْمَ النصير. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل