خواطر قرآنية - الجزء 19

برنامج خواطر قرآنية

د. محمد المختار المهدي

رمضان 1434هـ

الحلقة 19 – الجزء 19


يبيّن الله عز وجل للناس في الجزء التاسع عشر من كتابه بعض مظاهر يوم القيامة حيث تتشقق السماء بالغمام وتتنزل الملائكة ويعض الظالم على يديه ندماً على متابعته لمن كفر بمحمد. ويشكو النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه هجر قومه للقرآن ويحشر فيه المجرمون على وجوههم إلى جهنم وساءت مصيراً. ويوضح أيضاً لنا بعض مصائر المكذبين بالرسل حيث دمّر الله فرعون وجنده وأغرق قوم نوح وجعلهم للناس آية وعاداً وثمود وأصحاب الرسّ وقوم لوط وآثارهم تدل على ما لحق بهم. ويذكر لنا بعض مظاهر قدرته وفضله في الكون فقد مدّ الظل ولو شاء لجعله ساكناً وجعل الليل لباساً والنهار معاشاً وجعل النهار نشوراً وأرسل الرياح بشرى بنزول الماء ليحيي به النبات ويسقي به الأحياء ومرج البحرين وجعل بينهما برزخاً وحجراً محجوراً وخلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً وخلق السموات والأرض واستوى على العرش وجعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً وجعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذّكر أو أراد شكوراً. ثم يصف لنا عباد الرحمن بأنهم يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً يبيتون لربهم سجداً وقياماً يستعيذون بربهم من جهنم وعذابها يعتدلون في الإنفاق فلا يسرفون ولا يقترون، لا يشركون بربهم ولا يقتلون النفس التي حرّم الله إلا بالحق ولا يزنون ولا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراماً وإذا ذكروا بآيات ربهم خروا سجداً وقياماً يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً.

وتأتي سورة الشعراء تقصّ علينا قصة موسى مع فرعون بعد أن تخوّف موسى من بطشه ودعا ربه أن يشرح صدره وأن يثبّت قلبه وناقشه فرعون في قتل المصري وتربيته في قصره ومناقشته في أمر الألوهية (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿٢٣﴾ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ﴿٢٤﴾ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ ﴿٢٥﴾ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ﴿٢٦﴾ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ﴿٢٧﴾ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٢٨﴾) وفرعون يدّعي أنه ربهم الأعلى فأحرجه موسى بذكر السموات والأرض والمشرق والمغرب فاستعان بالحاشية فقالوا إنه مجنون فهدده بالسجن فعرض عليه معجزة العصى واليد فاتهمه بالسحر وحشر له السحرة ووعدهم بالأجر المجزي وبالقرب من السلطة وأقسموا بعزة فرعون إنهم سيغلبون وإذا بعصى موسى تلقف ما كانوا يأفكون وألقي السحرة ساجدين وهدّدهم فرعون بالصَلْب فقالوا لا ضير إنا إلى ربنا لمنقلبون وخرج موسى ليلاً بقومه هرباً من بطش فرعون فأتبعهم بجنوده وقال أصحاب موسى إنا لمدركون إن لم ندرك من فرعون فسندرك من البحر فرفض موسى وقال كلا إن معي ربي سيهدين فأمره ربه أن يضرب البحر فانفلق ونجا موسى وغرق فرعون. كما قصت السورة نبأ إبراهيم مع أبيه وقومه ورفضه لعبادة الأصنام وإيمانه برب العالمين الذي خلق وأطعم وإذا مرض العبد شفاه وإذا أخطأ غفر له ثم دعاء سيدنا إبراهيم لربه أن يجعله من ورثة جنة النعيم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. وعرّجت السورة على قصة نوح الذي رفض أن يطرد المستضعفين من مجلسه وهدده قومه بالرجم فدعا ربه فأغرقهم بالطوفان. ثم جاءت قصة عاد لتؤكد مصير المجرمين ولو كانوا جبارين إذ كذبوا فأهلكهم الله بريح صرصر وتبعهم ثمود الذين كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً فارهين فأنذرهم صالح وجاءهم بالناقة لها شرب ولهم شرب يوم معلوم فعقروها فأخذهم العذاب. وتبعهم قوم لوط يأتون الذُكران من العالمين فهددوه بالطرد فدمرهم الله أجمعين إلا امرأته كانت في الغابرين. وتبعهم اصحاب الأيكة الذين كانوا يُخسرون الكيل والميزان وعصوا أمر نبيهم شعيب واستعجلوا العذاب فأخذهم الله بعذاب يوم الظُلّة. مضى كل هؤلاء وجاء الرسول الخاتم محمد بن عبد الله معه تنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين بلسان عربي مبين يعلمه علماء بني إسرائيل فأنذرهم أن يحدث لهم ما حدث لمن كذب قبلهم وقد طلب منه رب العزة أن يخفض جناحه للمؤمنين وأن يتوكل على العزيز الرحيم فقد جاءه الحق المبين ما تنزلت به الشياطين كما تتنزل على الشعراء الذين في كل واد يهيمون يقولون ما لا يفعلون وليس كل الشعراء هكذا فمنهم المؤمنون العاملون الصالحون الذاكرون المنتصرون من الظالمين وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون.

 

تأتي سورة النمل لتبدأ بالإشادة بآيات القرآن وكتاب مبين هدى وبشرى للمؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون. تلك الآيات التي تلقّاها محمد صلى الله عليه وسلم من لدن حكيم عليم. وتجلّي السورة مشهداً من قصة موسى حين خرج بأهله من مدين فرأى ناراً وهو في ظلام وبرد فانطلق إليها ليهتدي بها ويُدفئ منها أهله فإذا بنداء الله له من جانب الطور الأيمن يحوّل له العصى إلى حية تسعى فيخاف منها فيطمئنه ربه ويحوّل يده السمراء إلى بيضاء من غير سوء ويعطيه تسع آيات إلى فرعون وقومه فجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً فانظر كيف كانت عاقبة المفسدين. ويذكّرنا القرآن بفضل الله على داوود وسليمان ومعرفتهما بمنطق الطير وحشر الله لسليمان الجن والإنس والطير وذكر لنا سيره مع جنوده ورؤية النمل لهذه الجحافل فقامت نملة وقالت (يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18)) فتبسم سليمان ضاحكاً من قولها وشكر نعمة ربه عليه. ثم تفقد الطير فوجد أن الهدهد قد غاب فقال (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20)) وهدده بالتعذيب أو بالذبح لهذا الغياب ويأتي الهدهد حاملاً معه نبأ من دولة سبأ التي تعبد الشمس وتملكها امرأة فلم يصدقه سليمان لأول وهلة بل أرسله بخطاب إليهم فنفّذ واجتمعت الملكة مع الملأ وتخوّفوا من سليمان وأرسلوا إليه بهدية فرفض سليمان وكلّف الذي عنده علم من الكتاب أن يأتي بعرشها قبل أن يأتوه مسلمين ونكّر لها العرش وجاءت فأسلمت لله رب العالمين مع سليمان. يلفت القرآن أيضاً أنظارنا إلى رعاية الله لسيدنا صالح حين تآمر عليه تسعة رهط مفسدين في الأرض تقاسموا ليقتلنه وأهله ومكروا به فكيف كان عاقبة مكرهم لقد دمّرهم الله عز وجل وقومهم أجمعين فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون. وقانا الله شر مصير المجرمين وجعلنا من عباده المخلصين الصادقين. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل