خواطر قرآنية - الجزء 20

برنامج خواطر قرآنية

د. محمد المختار المهدي

رمضان 1434هـ

الحلقة 20 – الجزء 20


يبدأ الجزء العشرون من كتاب الله عز وجل بسورة النمل ببيان جواب قوم لوط له بأـنه يتطهّر حين رفض الفاحشة التي ما سبقهم بها من أحد من العالمين وعليه إذن أن يخرج من قريتهم فنجّاه الله وأمطرهم بحجارة من سجّيل منضود. ثم تُوجّه السورة إلى الخلق أسئلة حاسمة: من خلق السموات والأرض؟ من أنزل من السماء ماء؟ من أنبت به الحدائق المبهجة؟ من جعل الأرض قراراً؟ من جعل خلالها أنهاراً؟ من جعل للأرض رواسي؟ من جعل بين البحرين حاجزاً؟ من يجيب المضطر إذا دعاه؟ من يهديكم في ظلمات البر والبحر؟ من يرسل الرياح؟ من يبدأ الخلق ثم يعيده؟ أءله مع الله؟! هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. إن هذا القرآن يبين للناس معاشهم ومصيرهم ويحذّرهم من عاقبة المكذبين ويقصّ على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون، إنه لهدى ورحمة للمؤمنين فإذا لم يؤمنوا فلستَ يا محمد مكلفاً بإسماع الموتى ولا الصُمّ ولا أنت بهادي العُمي فلا تحزن عليهم وسيرون آيات الله سيرونها وسيرون علامات القيامة ومنها الدابّة التي تكلم الناس وسيُحشَرون إلى ربهم وستُكَبّ وجوههم في النار وسينجي الله المؤمنين فما عليك إلا أن تعبد ربّ هذه البلدة الذي حرّمها وأن تتلو القرآن فمن اهتدى فلنفسه ومن ضلّ فعليها وسيُظهِر الله آياته وسينصر دعوته وما الله بغافل عما يعملون.

وتأتي سورة القصص تحكي نبأ موسى وفرعون ذلك الذي طغى وذبح الأطفال الأبرياء خوفاً من زوال ملكه فأراد الله أن يزول ملكه على يد موسى الذي ألقته أمه في اليمّ أملاً في نجاته من الذبح بأمر الله فالتقطه آل فرعون وألقى الله محبته على امرأته فجعلته قرة عين لها وقالت أمه لأخته قصّيه فرأته في قصر فرعون يرفض المراضع كلها فدلّتهم على أهل بيت يكفلونه لهم فعاد إلى أمه تحقيقاً لوعد الله لها وبلغ أشده ثم انتصر لمظلوم من شيعته فقتل الظالم ثم ندم على ذلك. وفي الصباح استنصره آخر فإذا بمصري وفيّ حُرّ يُسرع إليه من أقصى المدينة يحذّره من مؤامرة لقتله فخرج موسى مترقباً خائفاً إلى مدين. وهناك وجد فتاتين تبتعدان عن الرجال وتريدان السقي فسقى لهما وجلس جائعاً تحت شجرة فجاءته إحداهما تمشي على استحياء تستدعيه ليأخذ أجره ثم كان أميناً معها وحين وصل إلى أبيها قصّ عليه ما حدث فقالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين. فطلب الرجل منه أن يختار إحداهما ليتزوجها في مقابل أجره ثماني سنين فإن أتمّ عشراً فمن فضله. وقضى موسى الأجل وسار بأهله فآنس من جانب الطور الأيمن ناراً فاتّجه إليها ليستجلي الخبر أو ليأتي منها بقبس يستدفئ به أهله فنودي من هذا المكان وهو مكان مبارك من قِبَلِ المولى جلّ علاه يكلّفه بالرسالة إلى فرعون ويعطيه معجزة اليد والعصى وتخوف موسى وطلب الاستعانة بأخيه هارون فوعده الحق تبارك وتعالى بأن يجعله عضداً له وأنه سيحميهما. واتهمها فرعون بالسحر واستكبر عن قبول الحق فنبذه الله في اليمّ هو وجنوده. وتلك التفاصيل لم يكن بإمكان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن يصل إليها إلا عن طريق الوحي فما كان محمد بجبل الطور حين أوحى الله إلى موسى وما كان في قصر فرعون حين التقطه أهله ومع هذا كفرت قريش بمحمد وطلبوا آية كآية موسى مع أن القرآن الكريم الذي جاء به هو آية الآيات، جاءهم بلسانهم وآمن به علماء بني إسرائيل ولكنهم قالوا إن نتبع الهدى معك نُتخطف من أرضنا حرصاً على منافعهم من زوار الحَرَم ونسوا ما حدث للمكذبين من قبلهم، ونسوا أيضاً يوماً يدعون فيه أصنامهم فلا تستجيب فيندمون ولات حين مندم فالملك يومئذ لله وحده له الحمد في الأولى والآخرة فهو الذي جعل الليل سكناً والنهار معاشاً وعلى البشر أن يتأمل لو لم يكن ذلك فكيف يكون حالهم؟! ثم إن ما يعتزون به من مال وجاه هو فضلٌ من الله إن شاء سلبه في لحظة وهذا قارون الذي كان من قوم موسى فتحالف مع فرعون بماله الذي كانت مفاتحه تنوء بها العُصبة ورفض نُصح قومه بأن يُحسن كما أحسن الله إليه وأن يمتنع عن الفساد. وتمنى المادّيون أن يكونوا مثله حين اختال بماله وبزينته فخسف الله به وبكنوزه الأرض فما وجد له نصيراً، بل إن من تمنى مكانه حمد الله على نجاته من هذا المصير. إنها سُنة الله وهي سُنّة غالبة: "العاقبة للمتقين" وسيعود المهاجرون مع محمد صلى الله عليه وسلم إلى مكة منتصرين فعليهم أن يصبروا فوعد الله حق ولا يلتفتوا إلى مكر الماكرين فلله الحكم وإليه يرجعون.

 

وتأتي سورة العنكبوت تبدأ بتنبيه أصحاب الرسالات أن يوطِّنوا أنفسهم على الابتلاء والشدائد حتى يكونوا أهلاً لحمل تلك الرسالة فليعلمنّ الله الذين صدقوا الذين إذا أوذوا في الله احتسبوا أذاهم عند الله وليعلمنّ الكاذبين أما أولئك الكاذبون فإنهم إذا أُوذوا جعلوا فتنة الناس كعذاب الله حتى يكونوا أهلاً لحملها فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين الذين إذا أوذي أحدهم في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله. وإن جاء نصر الله ادّعوا أنهم من المؤمنين، أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين؟ إن أعداء الإسلام يُغرون من آمن باتباع نهجهم ويعدونهم بالعز في الدنيا وبحمل خطاياهم في الآخرة وليحملنّ أثقالهم واثقالاً مع أثقالهم وليسألنّ يوم القيامة عما كانوا يفترون فعلى المسلمين أن يصبروا كما صبر نوح ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسن عاماً فأخذهم الطوفان ونجّاه الله وأصحاب السفينة وكما صبر إبراهيم في مقاومة الشِرك فكان شيخاً للمرسلين وخليلاً لرب العالمين ونجّاه الله من النار وآمن له لوط وهاجر معه ووهب الله له اسحق ويعقوب وجعل في ذريته النبوة والكتاب. ونصر الله لوطاً على قومه الذين كانوا يجاهرون بالفحشاء في ناديهم فأرسل ملائكته وأنزلوا على أهل هذه القرية رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون. وكذلك نجّا الله شعيباً وأخذت أهل مدين الرجفة ونجّا هوداً وصالحاً وأهلك عاداً وثمود وقارون وفرعون وهامان فكلاً أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا. إن مَثَل من يتخذ من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتّخذت بيتاً وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون. رزقنا الله حسن اختيار ما أراده الله عز وجل للبشر من اتّباع هذا الدين. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل