في صحبة القرآن - سورة الفاتحة

في صحبة القرآن - سورة الفاتحة

د. محمد علي يوسف

(التفريغ حصريًا لموقع إسلاميات)

السورة التي نقرؤها في اليوم والليلة أعلى معدل قرآءة لسور القرآن الكريم وهي ليست سورة عادية. في الحديث الصحيح عن أبي هريرة (قالَ أتُحِبُّ أن أعلِّمَكَ سورةً لم يُنَزَّلْ في التَّوراةِ ولا في الإنجيلِ ولا في الزَّبورِ ولا في الفُرقانِ مثلُها قالَ نعَم يا رسولَ اللَّهِ قالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ كيفَ تقرأُ في الصَّلاةِ قالَ فقرأَ أمَّ القرآنِ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ والَّذي نفسي بيدِهِ ما أنزِلَتْ في التَّوراةِ ولا في الإنجيلِ ولا في الزَّبورِ ولا في الفرقانِ مثلُها وإنَّها سبعٌ منَ المثاني والقرآنُ العظيمُ الَّذي أُعطيتُهُ) وتلا عليه سورة الفاتحة. سورة ليس لها مثيل لا في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور وفي رواية صحيحة لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال لأحد الصحابة (ألا أعلِّمُك أعظمَ سورةٍ في القرآنِ قبل أن تخرج من المسجدِ) فأخذ بيديَّ، فلما أردْنا أن نخرج، قلتُ : يا رسولَ اللهِ، إنك قلتَ: (لأعلِّمنَّك أعظمَ سورةٍ من القرآن) قال: ({الحمْدُ للهِ رَبِّ العَالمِينَ} هي السبعُ المثاني، والقرآنُ العظيمُ الذي أوتيتُه))

هل سبق وتعاملت مع سورة الفاتحة بهذه السورة من قبل؟ هذه هي الصحبة التي نريدها، هل شعرت مرة وأنت تقرؤها أنك تتكلم مع ربك سبحانه وتعالى؟ في الحديث القدسي سمّى الله سبحانه وتعالى سورة الفاتحة صلاة (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين) كل الكلام في هذا الحديث عن سورة الفاتحة، لم يتحدث عن الركوع ولا عن السجود، سميت الفاتحة صلاة (قالَ اللهُ تعالى: قسمتُ الصَّلاةَ بيني وبينَ عبدي نصفينِ ، ولعبدي ما سألَ، فإذا قالَ العبدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قالَ اللهُ تعالى: حمدني عبدي وإذا قالَ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قالَ اللهُ تعالى: أثنى عليَّ عبدي وإذا قالَ {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قالَ: مجَّدني عبدي (وقالَ مرَّةً: فوَّضَ إليَّ عبدي) فإذا قالَ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قالَ: هذا بيني وبينَ عبدي ولعبدي ما سألَ فإذا قالَ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} قالَ: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل) في الصلاة أمور أخرى لكن هناك أمور لا بد أن نقف معها أن هذا حوار والله سبحانه وتعالى يرد عليك وأنت تقرأ سورة الفاتحة، لذا علينا أن نتعامل مع سورة الفاتحة من هذا المنطلق.

ما موضوع سورة الفاتحة؟ ما أهم ما ورد فيها؟ ولماذا سورة الفاتحة في كل صلاة في اليوم والليلة 17 مرة ركن من أركان الصلاة؟ ما هو الموضوع العظيم الذي نحتاجه في هذه السورة؟

الفاتحة فيها ثناء وفيها معاني عظيمة وأهم ما فيها الذي يريدنا الله عز وجل أن نكرره في اليوم والليلة أكثر من 17 مرة هو كلمة واحدة (اهدنا) أهم ما نحتاجه في حياتنا أن نهتدي (يا عبادي كلكم ضالٌّ إلا من هديته) لن نفهم أبداً معنى (اهدنا) إلا لو عرفت ضدّها (الضلال). (اهدنا الصراط المستقيم) صراط في الدنيا وصراط في الآخرة ولن نفهم قيمة هذا الدعاء الذي أمرنا الله عز وجل أن نكرره لخطورة الحاجة إلا عندما تعرف خطورة صراط الدنيا وخطورة صراط الآخرة. خطورة صراط الدنيا النبي صلى الله عليه وسلم رسم خطاً ّ"ضرب الله صراطاً مستقيماً وعلى جانبي ضربَ اللهُ تعالى مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى جَنْبَتَيِّ الصراطِ سُورانِ، فيهما أبوابٌ مفتحةٌ، وعلى الأبوابِ ستورٌ مرخاةٌ، وعلى بابِ الصراطِ داعٍ يقولَ: يا أيَّها الناسُ ! ادْخُلوا الصراطَ جميعًا ولا تَتَعَوَّجُوا، وداعٍ يدعو منْ فوقِ الصراطِ، فإذا أرادَ الإنسانُ أن يفتحَ شيئًا من تلكَ الأبوابِ، قَالَ : وَيْحكَ لَا تَفْتَحْهُ ، فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ" ثم فسر النبي صلى الله عليه وسلم المثل فقال: "وَالصراطُ الْإِسلامُ، وَالسُّورَانِ حُدودُ اللهِ، وَالأبوابُ الْمُفتحةُ محارمُ اللهِ، وذلكَ الداعي على رَأْسِ الصراطِ كتابُ اللهِ عزَّ وجلَّ، وَالدَّاعِي من فوقَ الصراطِ وَاعظُ اللهِ فِي قلبِ كلِّ مسلمٍ" الصراط الإسلام والسوران حدود الله عز وجل والأبواب حرمات الله وكل باب تريد أن تفتحه سينادي منادٍ لا تفتحه إنك إن تفتحه تلِج. هذا صراط الدنيا، قد يكون الإنسان مهتدياً وقريباً من الله عز وجل ثم يُفتن والعياذ بالله فإذا به يدخل الباب لشهوة، لشبهة، لشيء من أمور الدنيا، أمراض القلوب فينتهي به الأمر "إنك إن تفتحه تلجه" عندما تشعر بهذه الخطورة وتتذكر أن هذا الصراط الخطير في الدنيا وأنت تصلي وتقول في اليوم والليلة 17 مرة (اِهدنا) قُلها بقلبك واعمل علاقة وصيدة بسورة الفاتحة قُل (اِهدنا الصراط المستقيم) صراط الدنيا وصراط الآخرة وهو أخطر وأخطر. صراط الدنيا خطير والنبي صلى الله عليه وسلم رسم خطاً على الأرض ورسم خطوطاً تقطعه وقال آية من أهم الآيات (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ (153) الأنعام).

وفي الآخرة قال النبي صلى الله عليه وسلم (الصراط دحضُ مزلّة) الصراط أحدّ من السيف، أدق من الشعرة، عليه كلاليب" الصراط الذي تردد في اليوم والليلة 17 مرة (اِهدنا الصراط المستقيم) استشعر بالخوف فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: دحضُ مزلّة فيه خطاطيف وكلاليب وحسكة تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان فناجٍ مسلم ومخدوشٍ مرسل ومكدوسٍ على وجهه في النار] يقع على وجهه في النار والعياذ بالله نسأل الله السلامة فتقول (اِهدنا الصراط المستقيم).

(اِهدنا الصراط المستقيم) وليس اهدنا إلى الصراط المستقيم. المبصِر يطلب منك أن تدلّه وتهديه إلى مكان معين لأنه لا يعرف كيف يصل إليه فتدله لكن الذي لا يُبصر يطلب منك أن تأخذه إلى المكان. أنت تقول (اِهدنا الصراط المستقيم) وليس إلى الصراط لأنك لا تعرف أن تذهب وحدك، وأنت تطلب الهداية بصيغة الجمع وليس بالإفراد وبهذا يعلمنا الله سبحانه وتعالى أننا لن نصل لوحدنا ولن نذهب لوحدنا لأنك تريد أن يُهدى كل الناس ورغبتي إليك يا رب أن يهتدي الناس جميعاً وليس أنا وحدي (اِهدنا) اهدنا كلنا يا رب.

(اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم) عندنا قاعدة تقول "لا يعرف الحق بالرجال" الله سبحانه وتعالى عرّفنا الصراط بمن سلكوه لكن ليسوا أيّ أحد وإنما الذين أنعم الله عليهم، لا يعرف الحق برجاله إلا الرجال الذين زكّاهم الله عز وجل الذين أنعم الله عليهم كما في قوله تعالى في آية أخرى (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا (69) النساء) هؤلاء الذين أنعم الله عليهم وهذا هو الصراط الذي أمرنا الله عز وجل أن نتّبعه، الصراط الذي سلكه محمد صلى الله عليه وسلم والذي ألقي فيه ابراهيم عليه السلام في النار والذي سُجن فيه يوسف والذي نُشر فيه زكريا والذي ذُبح فيه يحيى والذي كاد أن يُصلب فيه المسيح لولا أن رفعه الله عز وجل، هذا الصراط، هؤلاء هم الذين سلكوه وهؤلاء هم الذين سنتبعهم ونمشي خلفهم، امرأة فرعون السيدة الفاضلة التي صبرت على زوجها وسلكت هذا الصرط، السيدة مريم التي عفّت نفسها، هذا هو صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. أنت لست لوحدك وإنما لديك سلف، الأنبياء ومن تبعهم بإحسان تمشي خلفهم على الصراط العظيم، (صراط الذين أنعمت عليهم). وبضدّها تتميز الأشياء، أنت تتعلم كل مرة الولاء والبراء في هذه السورة التي تكررها كل يوم فتقول (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) صراط الذين غضب الله عليهم لأنهم علموا ولم يعملوا بما علموا وصراط الذين ضلوا ووجب أن يعلموا وأراهم الله عز وجل هؤلاء، أنا لا أريد أن أمشي معهم (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)

لكن قبل الدعاء عندنا أدب وهو أن لا نبدأ الدعاء من غير أن تبدأه بالثناء على الله عز وجل وهذا ما تبدأ به سورة الفاتحة، تبدأ بحمد الله عز وجل (الحمد لله رب العالمين) والمكافأة فورية، أن تحس بقلبك أن ربك سبحانه وتعالى يرد عليك (حمدني عبدي). الحمد الثناء بحبّ على الله عز وجل

(رب العالمين) تذكر ربوبية الله عز وجل وأسماؤه وصفاته وتبدأ بأول صفة التي كتبها الله على عرشه يوم خلق السموات والأرض (إن رحمتي سبقت غضبي) تبدأ بالرحمة (الرحمن الرحيم) فيقول الله سبحانه وتعالى (أثنى عليّ عبدي). ثم تقول (مالك يوم الدين) تذكر ملك الله عز وجل، الجلال والجمال، بين الرغبة والرهبة، لما تذكر رحمة ربك يرغب قلبك وتتمنى رحمته ومغفرته ثم تذكر جلاله وملكه وعظمة هذا الملكوت وتذكر جنود هذا الملِك وتفتكر سلطان هذا الملك فيرضخ قلبك وتزداد إسلاماً لله فيقول الله عز وجل (مجّدني عبدي) وفي رواية (فوّض إليّ عبدي) أي فوّض إليّ الأمر فأنا الملك وهو العبد.

(إياك نعبد وإياك نستعين) يرد ربك سبحانه وتعالى (هذه بيني وبين عبدي) هل تستشعر ما معنى أن يقول لك رب العالمين (هذا بيني وبين عبدي)؟ بينك وبين ربك سبحانه وتعالى سرٌّ لا يعلمه إلا هو سبحانه وتعالى لا يعلمه ملك مقرّب ولا نبي مرسل، هذا هو الإخلاص الذي بينك وبين ربك سبحانه وتعالى لا يعلمه إلا هو وربنا سبحانه وتعالى هو الذي يشهد بذلك.

(إياك نعبد) لا نعبد إلا أنت وتوحيد وجهة لله عز وجل لكنك لن تعرف أن تعبده بمجهودك لأنك أنت ضعيف (وخلق الإنسان ضعيفا) فتطلب الإعانة مباشرة (وإياك نستعين) فلما تقول هذا الكلام وتتخلى عن حولك وقوتك إلى حوله وقوته وأثنيت وحمد ومجّدت وأصبح بينك وبين ربك سبحانه وتعالى سرٌ وهو الإخلاص، عندها يمكن أن تطلب، أنت عملت البداية، اطلب (اهدنا الصراط المستقيم) وتأخذ الهدية مباشرة (هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل) ولهذا أول سورة بعد سورة الفاتحة وهي سورة البقرة (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2)) أنت طلبت الهداية فخُذه في القرآن.

 

هذه سورة الفاتحة بإجمال وإلا فسورة الفاتحة كتب ابن القيم كتاباً في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، تقف مع معاني الافتقار، مع معاني الفاتحة في كل آية من آياتها. نحن نريد صحبة مع سورة الفاتحة وهذه بداية الصحبة مع سورة من أهم السور وهي سورة الفاتحة. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل