في صحبة القرآن - سورة البقرة

في صحبة القرآن - سورة البقرة

د. محمد علي يوسف

(التفريغ حصريًا لموقع إسلاميات)


"القرآن مأدبة الله" علينا أن نُقبل على هذه المائدة ونُقبل على كتاب الله عز وجل.

سورة البقرة هي أطول سورة في كتاب الله، ما علاقة أولها بآخرها؟ ما علاقة القصص الموجودة فيها قصة إبراهيم عليه السلام وقصة بني إسرائيل مع الأحكام، الصلاة والصيام والزكاة والحج؟ ما الرابط بينها؟ ما العلاقة بين آيات الربا وأحكام الصيام؟ ما علاقة السورة باسمها؟ ولماذا سميت هذه السورة تحديداً بهذا الاسم؟ ما العلاقة بين مسار السورة وبين معانيها؟ هذه السورة لها فضل مختلف قال النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه السورة وآل عمران تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان، الناس تكون في حرّ وعرق وضنك شديد ومن معه سورة البقرة وآل عمران معه غمامة تظلله، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يؤمّر على الجيش من معه سورة البقرة لأن فيها كثيراً من الأحكام. وحتى نفهم سورة البقرة علينا أن نعرف المدة الزمنية التي نزلت فيها، سورة البقرة من أوائل السور المدنية التي نزلت بعد الهجرة أي أول ما بدأ يكون للإسلام دولة والدولة تحتاج لدستور وقانون. سورة البقرة هي بداية هذا القانون.

سورة البقرة هي السورة التي بدأت ملامح الدولة الإسلامية تظهر فيها بعد أن كان المسلمون في مكة في استضعاف وفي ضنك وفي المدينة أصبح الإسلام له دولة وظهرت هناك أصناف جديدة بدأ يتعرض المسلمون للتعامل معها كتعاملهم مع اليهود الين لم يكونوا في مكة، القرآن المكي كان فيه كلام عن موسى عليه السلام وحديث عن فرعون وقومه لكن في المدينة ظهر نوع آخر من التعامل المباشر مع أهل الكتاب وخصوصاً اليهود. وبدأ وجود صنف مختلف جداً لم يكن موجوداً في السابق وهم المنافقون الذين يدّعون الإسلام وهؤلاء لم يكونوا في مكة لأن المسلمين كانوا في ضعف.

أقسام سورة البقرة:

سورة البقرة هي عبارة عن:

1-  مقدمةفيها تقسيم المجتمع الجديد: مؤمنون، كافرون، أهل كتاب وخصوصاً اليهود ومنافقون. هذه الخريطة الديموغرافية للمجتمع المدني الجديد الذي نزلت السورة فيه.

2-  القصص: ذكرت السورة ثلاث قصص رئيسية هي: قصة سيدنا آدم، قصة بني إسرائيل، قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام. وهناك أيضاً قصص فرعية.

3-  الأحكام: اشتملت السورة على عدة أحكام: صلاة، صيام، زكاة، حج، جهاد، ربا، أحكام زواج وطلاق ورضاع وأحكام الدَيْن

4-  خاتمة: الابتلاء الأخير في السورة الذي نزل بشأنه آيات ونُسخت وذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيه حديثاً.

هذه تقسيمات سورة البقرة: مقدمة، قصص، أحكام، خاتمة.

ما العلاقة والرابط بين هذه الأقسام؟ هذا المجتمع لا يقوم كركيزة أساسية في البداية إلا على الإسلام لله، الاستسلام طوعاً أن تستسلم لحكم الله عز وجل فيضرب الله سبحانه وتعالى مثلاً بقصص لأناس تفاوتت ردود أفعالهم أمام هذا المعنى في مسألة الإسلام لله أو مسألة الطاعة اختلفوا.

·        فمنهم من أطاع طاعة مطلقة بلا أدنى ذرة معصية وهي قصة إبراهيم عليه السلام.

·        وقصة تمرد مطلق -وبالذات في سورة البقرة – تمرّد تام، بنو إسرائيل في بعض القصص في القرآن المكي من تبع موسى عليه السلام وخرجوا معه، معصية وطاعة أما في سورة البقرة فقصتهم فيها تمرد شديد (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) هذا شعار بني إسرائيل في هذه السورة، تمرد على أمر الله عز وجل بشكل مطلق

·        قصة سيدنا آدم عليه السلام أصلها طاعة لكنه عصى (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) طه) عمل معصية، زل زلّة وتعامل مع هذه الزلة بشكل معين

إذن هناك تفاوت في مسألة الأوامر والنواهي التي هي دستور هذا المجمتع وهذه الأمة. وأمثلة لمن تعاملوا مع هذه الأوامر وهذه النواهي: أناس عصوا معصية مطلقة، يقال لهم (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ (58)) فيقولون (حنطة) استهزاء وتمرداً وعدم امتثال لأمر الله عز وجل وبدل أن يدخلوا سُجداً كما أمرهم الله عز وجل حتى يغفر لهم خطاياهم لكنهم دخلوا على إستهم (مؤخرتهم) زحفاً بطريقة فيها استهزاء فيها استكانة ونوع من أنواع الامتهان لله عز وجل، هذا تمرد كامل. وتحريف لكلام الله عز وجل (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ (41) المائدة)، (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً (55)) وتعنتهم في قصة البقرة التي سميت السورة بها وهي من أعجب ما يكون، رب العالمين يأمرهم بأمر يسير لمعرفة القاتل (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً (67)) وهذا ليس بالأمر الصعب لأن المطلوب ذبح أيّ بقرة على العموم (ولهذا جاءت بقرة نكرة) وهذا أمر من الله عز وجل لهم وليس أمر موسى عليه السلام نبيهم مع أن الواجب أن يطاع النبي أيضاً فقد شهدوا معه شق البحر ونجاتهم وإغراق فرعون وجنوده ورأوا رفع الطور فوقهم وتفجير العيون. لكن موسى عليه السلام قال لهم (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً) الأمر من الله تبارك وتعالى والإسلام يكون لله والاستسلام يكون له سبحانه وتعالى (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً) فكان جوابهم (قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً) يقولون هذا لنبيهم الذي رأوا معه كل هذه المعجزات لأنهم قوم متمردون على أمر الله عز وجل فقال لهم موسى (قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) أيعقل أن أستهزئ وأقول إن الله يأمركم؟! لكنه العصيان المطلق! (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴿٦٧﴾ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ ﴿٦٨﴾ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ﴿٦٩﴾ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ﴿٧٠﴾) كل مرة يزيدوا ويشددوا على أنفسهم فيشدد الله سبحانه وتعالى عليهم بعد أن كانت في البداية بقرة مجرد بقرة أيّ بقرة لكنهم لما شددوا شدد الله سبحانه وتعالى عليهم وجاء التشديد فبدل أن تكون بقرة عادية صارت بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك، لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث، مسلمة لا شية فيها، كل هذه الصفات لدرجة أن العلماء ذكروا أن هذه الصفات لم تنطبق إلا على بقرة واحدة فقط ولما جاؤوا ليأخذوها ليذبحوها طلب أصحابها منهم وزنها ذهباً وهي في البداية كانت مجرد بقرة، وموسى عليه السلام في كل مرة يؤكد لهم أنها مجرد بقرة (إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ) هم لم يشددوا لأن المسألة صعبة ولأنهم لم يجدوا بقرة وإنما الحقيقة ذكرها الله سبحانه وتعالى (فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ) هذأ أهم معنى نركز عليه في سورة البقرة.

(وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ (93)) بئس هذا الإيمان، هم يدّعون أنهم مؤمنين، لو أن الإيمان يأمرهم بهذا العصيان فليس هذا إيمان وبئس هذا الإيمان، الإيمان يستلزم إيماناً واستسلاماً وطاعة لله عز وجل.

هذه قصة بني إسرائيل باختصار شديد وهي مليئة بالعصيان وشعارهم المرفوع (قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) وأوضح مثال لذلك في السورة هو مثال البقرة، قصة البقرة.

سيدنا آدم قال الله تعالى له (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ (35)) الموضوع بسيط. النهي والأمر ابتلاء واختبار من الله سبحانه وتعالى كل أمر من أوامر الله عز وجل اختبار، أمرنا بالصلاة اختبار، نهانا عن النظر الحرام اختبار، فمن نظر رسب في الاختبار ومن لم ينظر نجح، الذي صلّى نجح في اختبار الصلاة والذي صام نجح في اختبار الصيام (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (2) الملك) الحياة الطويلة كلها اختبار. فسيدنا آدم عليه السلام اختُبر هذا الاختبار (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ) سيدنا آدم نبي مكلّف، مباشرة (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) وفي سورة الأعراف (قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)) رجع بسرعة، هذا نموذج سيدنا آدم.

النموذج الثالث نموذج سيدنا إبراهيم عليه السلام (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ (124)) طاعة مطلقة بدون أي خلل في كل مرة (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ (131)) مباشرة وبدون جدال (قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) ليس (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) التي قالها بنو إسرائيل! وليس إبراهيم وحده وإنما وصى بها بنيه (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴿١٣٢﴾ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴿١٣٣﴾) إسلام لله عز وجل، هذه قصة سيدنا إبراهيم والتي هي مثال للطاعة المطلقة، يترك زوجه وابنه الرضيع في الصحراء وربنا سينجيهم طاعة لله، يبلغ اسماعيل عليه السلام معه السعي فيأمره الله عز وجل بذبحه فيطيع الأمر، أُمر بالهجرة فهاجر، أُمر بالاختتان وهو ابن ثمانين سنة كما في الحديث فيطيع، مهما كانت صعوبة الأمر إبراهيم عليه السلام أطاع (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ (37) النجم). (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) قال لا، أنت يا إبراهيم أتممت فتكون إماماً ويكون الأئمة من بعدك الذين أتموا الذين نجحوا في الاختبار.

هذه هي القصص الثلاث الرئيسية التي ذكرت في السورة ونقارن بينها، السورة تذكر حال أمة وليدة بدأت المقدمة بذكر كل الأصناف، ذكر المؤمنين في بداية السورة وذكر أوصافهم (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿٣﴾ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴿٤﴾ أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٥﴾) ثم الكافرين (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٦﴾ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٧﴾) ثم المنافقين وصفاتهم (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴿٨﴾ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿٩﴾ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴿١٠﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴿١١﴾ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿١٢﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿١٣﴾ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴿١٤﴾ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴿١٥﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴿١٦﴾ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ ﴿١٧﴾ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴿١٨﴾ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ﴿١٩﴾ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٢٠﴾) ثم أهل الكتاب، كل هذه الأصناف في المجتمع المدني ثم ذكرت القصص ثم يأتي ابتلاء الأمة، اختبار الأمة الطويل في الجزء الثاني من سورة البقرة وهو كله أحكام. كل حكم من أحكام الشرع، كل حلال وحرام، كل فرض وواجب، كل أمر ونهي من الله عز وجل اختبار للمسلم هل ستطيعه أم لا؟ الله سبحانه وتعالى يأمرك بالصلاة، هل صليت؟ إذا فعلت تكون قد نجحت (فأَتَمّهُنّ) لكن لو لم تطع، لو عصيت ستفشل في الاختبار وستحتاج أن تتوب مباشرة. اختبار طويل في أحكام طويلة ففي السورة أحكام الصيام وأحكام الوصية وأحكام الحج وأحكام الجهاد. الزواج والطلاق ابتلاء لأن بعض الناس تسيء إذا طلّق زوجه فيعضلها ويؤذي امرأته لكي يأخذ منها ما آتاها، كل هذه اختبارات.

ثم تختم السورة باختبار مهم الذي يخرج فيه المؤمنون بشعار المسلم، شعار الإسلام لله، كبداية دستور تقوم عليه الأمة، شعار الاستسلام لله، شعار (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) الذي هو عكس شعار بني إسرائيل (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا).

(لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ (284)) هل لو أخفيت أمراً يحاسبني به الله؟! جاء الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة بسند صحيح: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ، ثُمَّ قَالُوا: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ كُلِّفْنَا مِنَ الأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ: الصَّلاةِ ، وَالصِّيَامِ ، وَالزَّكَاةِ ، وَالصَّدَقَةِ، وَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ الآيَةُ وَلا نُطِيقُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا، بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، فَلَمَّا قَرَأَهَا الْقَوْمُ وَذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي أثْرِهَا: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى قَوْلِهِ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا اللَّهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا، قَالَ: نَعَمْ

رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا قَالَ : نَعَمْ، رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ قَالَ : نَعَمْ، وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ وفى رواية قال: قد فعلت.

على المسلم أن يرتبط بهذا الشعار (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) في كل الأحكام التي ذكرت في سورة البقرة من تغيير القبلة وأحكام الصلاة والصيام والحج والجهاد والوصية والربا والدين، هناك للأسف من المسلمين من يقول كما قال بنو إسرائيل (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) ربما لم يقرأوا سورة البقرة وربما قرأوها ولم يفهموا المعنى الذي يجب أن نأخذه من سورة البقرة. ليس في الإسلام (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) عندما يأتي الأمر من الله (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) لأن المسلم استسلم لله سبحانه وتعالى، (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ). والصحابة رضوان الله عليهم لما قرأوا قول الله تعالى (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) وذلّت بها ألسنتهم نُسخت الآية السابقة ونزل قول الله تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) لن يحاسب الله سبحانه وتعالى على ما يفكّر به الإنسان ولا يفعله ولكن يحاسب على الذي اكتسبه الإنسان وفعله. هذا التخفيف نزل ما استحقه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، لما رأى الله سبحانه وتعالى منهم الحرص والطاعة والاستسلام (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) فكان الرد (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) يمكن للإنسان أن يُخطئ كما حصل لآدم عليه السلام الذي أخطأ مرة فتاب مباشرة، الله سبحانه وتعالى يعلّمنا (لا تؤاخذنا  أخطأنا) فقال النبي صلى الله عليه وسلم "قال الله عز وجل: قد فعلت. فلا تؤاخذ هذه الأمة بالخطأ والنسيان. (رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) الأحكام الصعبة التي فرضت على بني إسرائيل بسبب تشديدهم على أنفسهم كما ورد في قصة البقرة، قَالَ تعالى: قد فعلت، (رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) قَالَ الله عز وجل: قد فعلت.

هذا المعنى مهم جداً أن نشعر به وهو معنى الإستسلام لله عز وجل، الإسلام لله طوعاً.

سورة البقرة مليئة بالمعاني، لنقرأ سورة البقرة بهذه المعاني ونقرأ قصصها ونختار لأنفسنا هل سنكون مثل بني إسرائيل ونجادل في كل أمر وكل نهي أم أننا سنستسلم لله عز وجل رافعين شعار إبراهيم عليه السلام (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) فوراً، المسلمون (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) لا سمعنا وجادلنا ولن نطيع! المسلم شعاره (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) ممكن أُخطئ فأتعلم من قصة آدم عليه السلام فأتوب مباشرة (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) وأقول كما قال آدم عليه السلام (قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) الأعراف) أو أقول سيد الاستغفار كما علمنا النبي صلى الله عليه وسلم (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون. الفرق بين بني إسرائيل والمسلم أن الأول تباهى بالخطأ واستمرأ الخطأ وقال (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) لكن المسلم الذي يقوم على الإستسلام لله عز وجل ويقوم مجتمعه على ذلك يقول (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا). لماذا نختار أن نكون مثل بني إسرائيل الذين تمردوا؟! لم لا نكون مثل سيدنا إبراهيم عليه السلام ونتمّ الأمر ونتمّ القول ونتمّ التكليف الذي كلّفنا به الله سبحانه وتعالى.

هذه نظرة إجمالية عن سورة البقرة: مقدمة عن حال المجتمع الجديد الناشيء ثم ثلاث نماذج ريسية: آدم عليه السلام، إبراهيم عليه السلام وبنو إسرائيل وتمردهم ثم الاختبار من خلال الأحكام فاختر النموذج الذي ستكون مثله كمسلم وهو نموذج إبراهيم عليه السلام وارفع شعار (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا).

المعنى العام لسورة البقرة: الإسلام لله عز وجل

 

سورة البقرة زهرة من الزهراوين ركزت على بناء المجتمع الإسلامي على أساس من الإسلام لله وسورة آل عمران تتحدث عن حماية المجتمع الإسلامي من عوامل نقضه ومن عوامل هدمه.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل