في صحبة القرآن - سورة النساء

في صحبة القرآن - سورة النساء

د. محمد علي يوسف

(التفريغ حصريًا لموقع إسلاميات)


كثير من الناس يتعامل مع سورة النساء تعاملاً خاطئاً فهم يحملون همّها لأنها سورة طويلة ومليئة بالأحكام الفقهية والمواريث ويعتقدون أنها سورة لن تغير سلوكياتهم أو أخلاقهم والبعض يعتقد أنها تتحدث عن النساء فقط كما يوحي اسمها ولكن من إجلال الله عز وجل وتقديره للنساء سميت سورة كاملة باسم النساء وسميت سورة باسم مريم.

سورة النساء ليست مجرد سورة أحكام وإنما هي سورة لها معنى أخلاقي خطير جداً ومعنى قلبي فالنبي صلى الله عليه وسلم لما طلب من عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه أن يقرأ عليه شيئاً من القرآن فقال: أقرأه عليك وعليك أُنزل يا رسول الله؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم اقرأ فإني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه سورة النساء حتى بلغ موضعاً قال له النبي صلى الله عليه وسلم حسبُك فنظر عبد الله بن مسعود فوجد النبي صلى الله عليه وسلم وقد غرق وجهه بالدموع وهذا الموضع هو قول الله عز وجل (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا {} يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا) لأن النبي صلى الله عليه وسلم استشعر هذه المعاني الجليلة العظيمة في سورة النساء وما فيها من المسؤولية فكل أمة ستأتي بشهيد ويأتي صلى الله عليه وسلم شهيداً عليهم. إحساس النبي صلى الله عليه وسلم وحبه لأمته كان يجعله في مثل هذه الآيات يبكي.

فسورة النساء ليست مجرد سورة أحكام، ابن عباس رضي الله عنهما كان يقول: فيها ثمان آيات خير مما طلعت عليه الشمس وغربت منها: (وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا {} يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا) و(إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا) و(إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا)

آيات كثيرة في هذه السورة المباركة فيها هذه المعاني الجليلة تجعل بعض الصحابة رضي الله عنهم عندما سمعوا قول الله عز وجل (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا) بكوا جميعاً وحرّكت المشاعر والتأثر في قلوبهم وفي مكنون أنفسهم.

هذه مقدمات تجعلنا نشتاق للسورة وتشعر أنك بحاجة أن تتأثر بها. آيات الأحكام في السورة تظهر عدل الله عز وجل الواضح في السورة، العدل الإلهي الذي يأمر الله عز وجل به عباده (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)) ليس فقط بين المؤمنين والمحبين وإنما بين الناس. أحكام سورة النساء وأحكام سورة البقرة تُشعر بعظمة العدل وعظمة التشريع المعجز وكمال هذه الشريعة وإحكامها. ومن أسماء الله سبحانه وتعالى الحكيم العزيز عزة الله عز وجل وحكمته نستشعرها من خلال آيات الأحكام.

ذكرنا أن سورة البقرة بناء عظيم جداً للأمة الجديدة بعد أن اصبح لها دولة في المدينة المنورة وسورة آل عمران سورة لحماية هذه الدولة وهذه الأمة من الأعداء الخارجيين الذين يتربصون بالأمة وذكرنا حرب الشبهات والعقيدة من غير المسلمين وحرب السيف أو الحرب المادية التي يعتدي بها أعداء الله على عباده. سورة النساء سورة تحمي المجتمع من نفسه ومن العدو الداخلي وأخطر عدو داخلي يهدم الأمة من أساسها هو الظلم (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّما فلا تظالموا) وأيّ مجتمع ينتشر فيه الظلم فهو مجتمع على شفا جرف هار، على شفا الانهيار. الإنسان الذي يُظلم في بلده ومجتمعه وأمته ستختلجه مشاعر لا يمكن أن تسمح له ببناء أمة ولذلك قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله: "إنَّ اللَّهَ يُقِيمُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً ؛ وَلَا يُقِيمُ الظَّالِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُسْلِمَةً" في دولة الظلم تشعر أنك لن تنال حقوقك ولن يكون لك مقام ولا مال يوازي ما فعلته والظلم مدعاة للكراهية والحقد والبغضاء والغل والحسد ويورث اليأس. فالطالب المجتهد الذي حصل على مجموع كبير في الجامعة وكان من أوائل الطلبة ثم يجد من عُيّن مكانه فيشعر بالظلم وييأس ولن يُبدع ولن يُنتج ولن ترتقي الأمة على أكتافه بما أن الذي يرتقي هو الذي عنده شفاعة سيئة وقد ورد ذكر الشفاعة السيئة في آيات سورة النساء (وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا) كما نسميها في عصرنا (الواسطة) التي تجعل الإنسان يأخذ حقاً غير حقه. آيات سورة النساء تعلمنا إعطاء كل ذي حق حقه، العدل مع كل طوائف البشر (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ) كل الناس، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135)) هذه الآية تصدرت جدار محكمة كبيرة في الويات المتحدة الأميركية لما فيها من العدل الشامل المطلق على كل الناس، العدل على الأقربين، على الضعفاء، على كل الناس كما قال صلى الله عليه وسلم "أتشفع في حد من حدود الله والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها" قالها لزيد رضي الله عنه عندما جاءه يشفع في حد من حدود الله على المرأة المخزومية التي سرقت. العدل شامل وقيمة مطلقة على الجميع، لا يمكن أن تكون دولة مسلمة وتظلم! والعدل يكون حتى على الأعداء كما ذكرت بعض آيات السورة، العدل مع أبغض الناس إليك ومع أشد الناس عداوة للذين آمنوا، عدل مع اليهود لأن العدل قيمة جعلها الله عز وجل في عباده.

هذه المعاني واضحة جداً في سورة النساء كما أبرزت السورة معنى الظلم وخطورة هذا الظلم ونهي الله عز وجل عنه (إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ (40)) قال أحد المفسرين لو أن العرب يعرفون مقداراً أدنى من الذرة لنفى الله عز وجل ما يوازيه من الظلم عن نفسه، فالله عز وجل يعلمنا (إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40)) ونحن نتعلم من السورة هذه القيمة وهذا المعنى العظيم من معاني العدل.

العدل أربع أنواع في هذه السورة:

أول نوع من أنواع هذا العدل هو العدل مع الضعفاء وسميت السورة باسمه. سميت السورة بسورة النساء تقديراً للمرأة وقيمتها والنساء هنا رمز للكائن المستضعف من حيث البنية والقوة والقوامة (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ (34)) وهذا قد يغري بعض الرجال أن يظلموا المرأة ويأخذوا حقها كما فعل العرب في الجاهلية فكانوا يعضلون النساء ويذروهن كالمعلقة ويظلموهن فالأصل أن المرأة كائن رقيق فكان لا بد أن يؤتى بحقها وحق الضعفاء وتسمى السورة باسمها كرمز لمن تغريه قوته ويغريه بطشه أن يظلم الضعيف أو المرأة أو العبيد والجواري فتأتي السورة تدعو للعدل مع الضعفاء، إياك أن تغريك قوتك أن تظلم مثل هؤلاء. ضعف المرأة جِبِلّي ولا بد من حفظ حقوقها، يقول الله عز وجل (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35)) لكل واحد حقه. (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ (3) وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا (4)) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ (19)) وللأسف هذا لا يزال موجوداً. المؤمن يجب أن يعدل مع الضعفاء. من الضعفاء الذين أكدت السورة على حقهم حق البنت في الميراث فهي لها حق لا بد أن تأخذه. ومن الضعفاء اليتامى (وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ (3)) للأسف كثير يحفظ القسم الثاني من الآية (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ) ولا ينتبه لما قبلها (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى) هذا أساسه للقسط في اليتامى وللعدل في اليتامى ورعاية هذا النوع من الضعفاء (وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ (6)). شرع الله القتال نصرة لدين الله عز وجل، سورة النساء فيها سبب آخر شُرع لأجله القتال (وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا (75)) القتال يكون أيضاً لنصرة المستضعفين ولإنقاذهم من الاستضعاف حتى تحقق لهم العدل (وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا) عندما تشعر بهول الظلم الذي حلّ بقوم وجب نصرتهم لأنهم مظلومين وضعفاء.

النوع الثاني من أنواع العدل: العدل مع الأعداء.وهو أصعب أنواع العدل لأن طبيعة الإنسان والشنآن والكراهية يمكن أن تغريه أن لا يعدل خصوصاً مع أشد الناس عداوة لذين آمنوا، الذين ذاق المسلمون من أفعالهم الأمرّين وهم اليهود (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ (8) المائدة). العدل مع الأعداء نجده في سورة النساء بشكل واضح جداً في قصة نزلت آيات الله عز وجل يوجه كلاماً للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويعلمهم قيمة العدل حتى مع اليهود. القصة باختصار تروى سرقة قام بها رجل أنصاري يسمى بشير بن أبيرق لدرع رجل من الأنصار يسمى رفاعة بن النعمان لكن هذا الرجل اتضح فيما بعد أنه منافق لكنه أمام الناس رجل من الأنصار، فما ذاع الخبر بدأ الناس تشك أن هذا الرجل سرق درع رفاعة بن النعمان فقام بشير بن أبيرق وبعض أنصاره بخدعة فأخذوا الدرع الذي سرقه من رفاعة بن النعمان ووضعوه في بيت رجل يهودي اسمه زيد بن السمين - ليس له دية لكن في المجتمع المسلم العادل له ديّة وله قيمة ويأخذ حقه رغم العداوة بين اليهود والمسلمين- هذه قيمة لا بد أن نتعلمها. وجد الدرع في بيت اليهودي زيد بن السمين والمفترض أن يعاقب بالسرقة لكن تنزل آيات من الله عز وجل تبرئ يهودي على حساب رجل أنصاري ارتد فيما بعد واتضح أنه كان منافقاً لكنه أمام الناس من الأنصار ومن عائلة كبيرة (بني أبيرق) ومع هذا لأنه عصى واقترف سوءاً ورمى به بريئاً نزلت آيات تبرّئه وتجده يسمى في هذه السورة (بريئا) (وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا (112)) البريء هو اليهودي. علينا أن نتعلم من الآيات (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً (105)) هذا كلام للنبي صلى الله عليه وسلم أن يحكم بالحق ولا يكن للخائنين خصيماً (وَاسْتَغْفِرِ اللّهَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً (106)) لأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بما رأى، وجد الدرع في بيت اليهودي، لكن العدل الإلهي تنزل الآيات به (وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً (107 يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) هَاأَنتُمْ هَـؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (109)) الآيات تبرئ اليهودي (وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا (112) وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113)) موقف عجيب، موقف عدل مع أشد الناس عداوة لنتعلم أنه مهما بلغ الكره لأحد لا بد من العدل معه لا بد من التعامل معه من منطلق أخلاق الإسلام لا من منطلق العداوة معه، وهذا ما نتعلمه من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ومن هدي أصحابه عندما جاء الرجل اليهودي احتكم إلى عمر بنالخطاب ضد علي ابن أبي طالب وحُكم لليهودي لأن هذا عدل مطلق مع الناس جميعاً.

النوع الثالث من العدل هو العدل مع الأولياء الأقربينكما في قول الله عز وجل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135)) وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها"

النوع الرابع من العدل: العدل مع أصحاب الحقوق، صاحب الحق يأخذ حقه ولصاحب الحق مقال " إن لصاحب الحق مقالاً". السورة تعطي كل ذي حق حقه فتقسم المواريث. بعض الناس للأسف يشكك ويقول كيف يكون للذكر مثل حظ الانثيين؟ لكن غفلوا عن الآيات قبلها (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ (34)) الرجال هم الذين ينفقون فالمرأة إما لها أب ينفق عليها أو ابن ينفق عليها أو زوج ينفق عليها أو أخ ينفق عليها وإن لم يكن لها أحد سترث لوحدها، في الأصل إن كانت المرأة غير معيلة فلا بد أن يكون لها من يصرف عليها، وليّ لها، فالمرأة عندما ترث النصف لا ترثه لأنها مكلفة بأن تصرف منه ولكن هذا قمة العدل أن المرأة في الإسلام ليست مكلفة بالإنفاق إلا ما طابت به نفسها. أما الرجل ينفق على زوجه وابنته ومن له ولاية عليهم. وهذا المعنى أهم من معنى فكرة المساواة التي يحاول بعض الناس نشرها، فكرة المساواة المطلقة خطأ، إذا كانت أمام القانون والحدود فهي واجبة حتى لو كانت مع أقرب الناس لكن كيف تكون المساواة في الحقوق بين من يتعب ويعمل وبين من لا يعمل؟! العدل الموجود في سورة النساء هو إعطاء كل ذي حق حقه لا مساواة مطلقة. العدل حتى مع الناس الذين أعتقوا بعد فترة (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (33)) حتى الذي يحضر قسمة الميراث (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا (8)) أعطوهم وأعينوهم على ذلك.

نتعلم من السورة أن أخطر ما يقوم عليه المجتمع المسلم هو العدل ومن أخطر الأعداء الداخليين الظلم. وذكرت السورة أعداء داخليين آخرين منهم المنافقون وعلاقتهم باليهود وبمن يريد أن ينخر جسد الأمة من الداخل فنجد في السورة كلاماً عن النفاق (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا (27)). من الأعداء الداخليين أيضاً مسألة التفكك الأُسري وهي موجودة في السورة.

 أهم قيمة نقف معها في السورة قيمة العدل المطلق مع الجميع بأنواعه الأربعة العدل مع الضعفاء ومنهم النساء والعدل مع الأولياء الأقربين حتى الوالدين والعدل مع الأعداء والعدل مع كل صاحب حق. هذه القيمة يقوم بها المجتمع المسلم فإن لم توجد يكون الظلم والحقدد والغل والحسد الذي هو أساس نخر المجتمعات وهدمها.  



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل