في صحبة القرآن - سورة المائدة

في صحبة القرآن - سورة المائدة

د. محمد علي يوسف

(التفريغ حصريًا لموقع إسلاميات)


"أهل القرآن هم أهل الله وخاصته"

سورة البقرة سورة الإسلام لله والاستسلام لأمره لشرعه وأحكامه وطاعته مهما كانت الطاعة صعبة لا بد من السمع والطاعة (سمعنا وأطعنا)

سورة آل عمران سورة مواجهة الحرب على أمة الإسلام من أعداء الداخل والخارج، حرب مادية وحرب شبهات

سورة النساء سورة العدل والإحسان ومعنى إعطاء كل ذي حق حقه حتى مع أبغض الناس

سورة المائدة قام النبي صلى الله عليه وسلم ليلة كاملة بآية من آياتها خوفاً على أمته (إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)) الحديث

في السورة آيات مهمة قال بعض أهل العلم أنها آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وبكى عند سماعها بعض الصحابة لأنهم شعروا أن الأمر تم وسينقطع الوحي (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (3))

سميت السورة بالمائدة ليس لمجرد ذكر المائدة التي أنزلها الله تعالى على بني إسرائيل ولكن لأن المائدة نفسها فيها معنى العقد (قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ (115)) سينزل الله تعالى عليهم المعجزة لكن بشرط، في المقابل لو كفر أحد بعد أن يرى الآية فإن الله سيعذبه وهذا بمثابة عقد، الله عز وجل واثقهم ميثاقاً في هذه الآيات ولذلك أول آية في سورة المائدة وآيات كثيرة في السورة تكلمت عن العقود، لكن ليست أيّة عقود وإنما نوع آخر من العقود وهي العقود والمواثيق مع الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى يأخذ ميثاقاً على الناس ولهذا تتكرر في السورة (أوفوا بالعقود)

(وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7)) الميثاق عقد

(وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ (12))

(وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (14))

(لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70))

ذكرت كلمة العهد والميثاق مع الله سبحانه وتعالى هذا ميثاق مختلف إذا استشعرت أنه مع الله تعالى.

ذكرت في السورة من أسماء الله الحسنى اسم الملك وذكرت صفة القوة (القدير). عندما يحصل عقد بين البشر في الدنيا لو لم يكن لدى المتعاقد وازع ديني والآخر ليس عنده القوة ليثبت حقه فقد يحصل نوع من أنواع الغبن وينفض العقد بطريقة مهينة وفيها إغفال لحق الإنسان الذي تعاقد، هذا في حق البشر ولله المثل الأعلى. كلما أدركت أن هذا الميثاق وهذا العقد مع ملك قدير كلما كان ذلك أدعى للإلتزام بشروط العقد والخوف من الشروط الجزائية. أنت تتعامل مع ملك الملوك سبحانه وتعالى ليس ملكاً من ملوك الدنيا، تتعامل مع الملك والقدير سبحانه وتعالى الذي له الملك المطلق والقدرة المطلقة وهذا أدعى أن تلتزم بالعقود والموايثق مع الله سبحانه وتعالى. ولهذا تكرر في السورة اسم الملك

(وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)) (وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18)) (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40)) (لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120)) الملك والقدرة هذه المعاني تترسخ في آيات السورة، الملك القدير له القدرة وله القوة وله الملك وله الجبروت فكيف إذا أمر لا يُطاع؟! وكيف إذا نهى العبد عن أمر لا ينتهي؟! ألا يجب أن يكون له الولاء؟!

في السورة عقود عندما تستشعر قيمة الملك والقوة والقدرة المطلقة لله سبحانه وتعالى فهذا أدعى بالإلتزام بالعقود والمواثيق مع الله سبحانه وتعالى.

يمكن تقسيم العقود والمواثيق في السورة إلى ثلاثة أنواع، يجب علينا مراجعة مدى التزامنا بهذه العقود أم أننا سنكون مثل النماذج التي ذكرتها السورة لمن نقضوا عقودهم:

1.    عقد التحاكم لشرع الله والسمع والطاعة

2.    عقد الولاء لله ولأحبائه وأوليائه والبراء من أعدائه (الولاء والبراء)

3.    عقد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحرص على أن يلتزم الناس جميعاً بالعقود مع الله، لست وحدك والعقد الأساسي قبل هذا كله هو عقد التوحيد لله سبحانه وتعالى.

نتيجة هذه العقود أن تعترف أن الله سبحانه وتعالى هو الملك الذي يُسمع ويُطاع، الملك الحقيقي لله وحده (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ (114) طه) نتيجة الإيمان باسم الملك القدير الذي تكرر في السورة الذي له القدرة على أن يقتص ممن اخترق عقده ولم يطعه فمن الطبيعي أن تطيع وتلتزم بقانون هذا الملك وتتحاكم له لأنه صاحب الأمر والنهي في ملكوته الذي تعيش فيه وأن تسمع وتطيع. ومن النتائج المنطقية لهذا أن توالي هذا الملك وهذا هو العقد الثاني عقد الولاء والبراء المذكور بكثرة في السورة، الولاء لهذا الملك والبراء من أعدائه خصوصاً، خيانة لله عز وجل أن يوالى عدوه ويُنصر على حبيبه ووليه. ومن نتيجة العقود أيضاً أن يلتزم الناس بحيث لا يخترق أحد عقود مواثيق وأوامر ونواهي هذا الملك الجليل فيكون لدى كل إنسان غيرة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

العقد الأول: عقد التحاكم لشرع الله عز وجل والامتثال لأمره والسمع والطاعة

(وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7)) ميثاق الإستسلام لله هو عقد لا بد من الالتزام به وفيه أوامر ونواهي يجب أن نلتزم بها فالإسلام ليس مقتصراً على شعائر فقط وإنما هو منهاج حياة كامل برمجة كاملة للحياة، فيه أحكام، حلال وحرام، فروض وواجبات، منهيات وأمور لا بد أن يسيطر هذا النظام على حياتك. وكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) ليست كلمة جافة، لا بد أن يكون لها مدلول من خلال هذه الطاعة. من خلال هذا المعنى تذكر السورة أحكام، حلال وحرام، واجبات وفروض (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1)) لا بد أن تمتثل لهذا الحكم

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)) هذه عقد بينك وبين الله عز وجل

(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ) قوانين للملك لا بد من الإلتزام بها والامتثلال لهذه الأحكام لأنك تعيش في ملك الله سبحانه وتعالى تحت ظلال شريعته. ذكرت الآية المحرمات من اللحم

(الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (3) يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5)) تذكر الآيات ما أُحلّ

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)) أحكام وقوانين الملك التي يجب أن تلتزم فيها.

وتذكر السورة عقوبات كثيرة فرضها الملك سبحانه وتعالى (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33)) حد الحرابة

(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38)) حد السرقة

هذه أحكام الملك في مملكته، أحكام الملك التي جعلها ميثاقاً.

ثم يضرب الله عز وجل مثلاً لمن لم يلتزم بهذه الأحكام وهذا واضح في السورة بعد كل نوع من العقود يذكر نماذج لمن لم يلتزموا بالعقد. (وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ (12) فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ (13)) نقضوا الميثاق ولم يعترفوا بالعقد بينهم وبين الله تعالى. الله سبحانه وتعالى يأمرهم (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21)) قالوا (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22)) أمر واضح لكنهم لا ينفذوه لأنهم لم يعترفوا بالميثاق (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ) مرة بعد مرة إلى أن قالوا (قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24)) غاية التمرد!! يعملنا الله سبحانه وتعالى أن جزاء عدم الالتزام بهذا الميثاق (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)) (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)) (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47)) كلام واضح وصريح الذي لا يحكم بما أنزل الله ولا يلتزم بقوانين الملك في مملكته يكون كافراً بهذا القانون، ظالماً لا يريد أن يمتثل لهذا العقد (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ (104)) يريدون أن يستبدلوا شرع الله، وأي استبدال لشرع الله فهو حكم جاهلي (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)) شرع الله هو أحسن ما يحكم به (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا (50)) يقابله حكم الجاهلية فالذي لا يبتغي حكم الله يبتغي حكم الجاهلية. آية صريحة وواضحة ولا تحتاج لجدال. وقد تكرر في القرآن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)) (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49))

العقد الثاني: عقد الولاء لله سبحانه وتعالى وأوليائه وعقد البراء من أعدائه

يجب أن توالي الملك سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)) الولاية هنا هي النصرة على حساب المسلمين، المحبة من دون المؤمنين، هذا أمر مرفوض. يمكن أن تُحسن وتبرّ لكن لا أن توالي أعداء الله من دون المؤمنين. (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)

ثم يذكر الله عز وجل نموذجاً ممن اخترق هذا العقد (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَـؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ (53) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56)) هذا أمر واضح وقاعدة صريحة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (57))

ويضرب الله عز وجل أمثلة بأهل الكتاب الذين والوا ولم يفعلوا ما أمرهم الله عز وجل به من موالاة الله عز وجل وإنما والوا أعداءه.

العقد الثالث عقد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

إذا التزمت بشرع الله عز وجل وواليته وواليت المؤمنين لا بد أيضاً أن تغار على شرعه وعلى حرماته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "إن الله يغار   تنتهك محارمه". عليك أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر بقدر ما تستطيع وتحرص على هداية الناس قدر وسعه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: عن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا سَفِينَةً، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا، وَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا فَاسْتَقَيْنَا مِنْهُ وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا جَمِيعًا" من يخترق حدود الله عز وجل قد يغرق الجميع بسببه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سُئل أنهلك وفينا الصالحون؟ قال نعم إذا كثر الخبث. فعلينا أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر كي ننجو جميعاً ليس فقط أن ننجو وحدنا ولهذا تأتي آية مهمة في السورة تركز هذا المعنى (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ (78) كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (79)) لأنهم كانوا يتركون هذه الشريعة التي يحاول كثيرون الآن تشويه صورتها وهي واجبة على كل مسلم (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (110) آل عمران) هذا واجب حياة، المسلم يحب لأخيه ما يحبه لنفسه فلذلك يأمره بالمعروف ويقول له اتق الله إذا فعل منكراً، هذه شريعة مهمة يجب أن لا نغفل عنها. وقد يتفاوت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين أصحاب السلطة وبين الناس بعضهم بعضاً فالناس بين بعضهم يكون على سبيل النصيحة والجدال بالتي هي أحسن أما الحاكم فيمكنه تغيير المنكر باليد. لا نستحيي من قول الحق، هذا ديننا الذي علمنا الله عز وجل إياه والذي لعن من لم يفعلوه (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ (78) كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (79)) فاستوجبوا اللعنة بسبب ذلك.

كل هذه مواثيق واضحة في السورة وأهمها ميثاق التوحيد الذي خُتمت به السورة عندما سأل الله عز وجل المسيح عليه السلام وأمه (وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ) أقر عيسى بميثاق التوحيد لله عز وجل (قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117)) وسميت السورة بميثاق المائدة التي أنزلها الله عز وجل على بني إسرائيل باشتراط (قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ (115)) وبيّن المسيح عليه السلام أنه التزم بهذا العقد فصدق الله عز وجل عليه وعلى كل صادق صدق بالتزامه بالعقد والميثاق مع الله عز وجل لا يعاهد الله كل مرة على عدم المعصية والفاحشة والالتزام بالأمر ثم بعد ذلك ينقض ميثاقه مع الله، أكد الله عز وجل جزاء الوفاء بالعقود الذي أمر به في السورة (إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119))

وتختم السورة بالمُلك (لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120))

 هذه السورة مواثيق وعقود تعلمنا أن نلتزم بها وتوضح لنا مصير من لم يلتزم بالعقود والموايثق وماذا حصل لهم فعلينا أن نتخذ قراراً أن نوفّي بالعقود مع الله عز وجل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ) حتى نكون ممن قال الله عز وجل عنهم (هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ).



التعليقات

  1. islamiyyat علق :

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
    جزاكم الله خيرا على المتابعة والحمد لله الذي منّ عليّ بتفريغ الدروس.
    للأسف هذه هي الدروس التي عرضت وحين يستكمل الدكتور باقي السورة نفريغها ونرفعها إن شاء الله.
    شكر الله لكم متابعتكم

  2. أميرة عبد العزيز علق :

    السلام عليكم
    هذه الدروس قيمة للغاية جزى الله المحاضر والذي فرغ خير الجزاء،،
    ولكن نريد باقي الدروس
    فهل هناك بقية؟

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل