في صحبة القرآن - سورة الأنعام- 1-

في صحبة القرآن - سورة الأنعام - 1

د. محمد علي يوسف

(التفريغ حصريًا لموقع إسلاميات)


الجنّ أول ما تلقى القرآن تفاعل معه وانفعل به ونحن علينا أن نتغير بالقرآن، نعيش بالقرآن لعلنا نكون ممن قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم "اقرأ وارق ورتل فإن منزلتك عند آخر آية " صاحب القرآن من صاحبه في الدنيا.

سورة الأنعام من أعظم سورة القرآن لأنها تتحدث عن معنى عظيم هو تعظيم الله سبحانه وتعالى، تعظيم الله الذي هو شعور إن وجد في قلب المؤمن تختلف مشاعره وعلاقته بالناس تختلف وعلاقته بالحلال والحرام تختلف لأنه معظّم لله سبحانه وتعالى. هذه السورة تغرس فينا هذا المعنى، هذا المعظِّم لله سبحانه وتعالى لا بد وأن يتفاعل مع من لا يعظّمون شرع الله جل وعلا لأن هناك أناس في الأرض لا يعظّمون الله سبحانه وتعالى فهذا الذي يعظّم الله سبحانه وتعالى لا بد أن يجد في قلبه شيئاً ممن لا يعظّمون الله، هذا ما ستبينه سورة الأنعام.

سورة الأنعام موضوعها يتلخص في الآية الأولى التي تبدأ بها هذه السورة. وهذه السورة لها مهابة من شدة العظمة في آياتها، ومن يفسرها يشعر بالمهابة إذ كيف يمكن له أن يوصل معاني العظمة المُبهرة في هذه السورة؟ كيف يمكن له بكلام البشر العاجز أن يشرح سورة بهذه العظمة. قال صاحب الظلال سيد قطب رحمه الله تعالى عن هذه السورة حين شرع في تفسيرها: :" إنها في كل لمحة منها وفي كل موقف، وفي كل مشهد، تمثل " الروعة الباهرة " الروعة التي تبده النفس، وتشده الحس، وتبهر النفس أيضاً؛ وهو يلاحق مشاهدها وإيقاعها وموحياتها مبهوراً! نعم! هذه حقيقة! حقيقة أجدها في نفسي وحسي وأنا أتابع سياق السورة ومشاهدها وإيقاعاتها وما أظن بشراً ذا قلب لا يجد منها لوناً من هذا الذي أجد. إن الروعة فيها تبلغ فعلا حد البهر حتى لا يملك القلب أن يتابعها إلا مبهورا مبدوها! وهي في كل موجة من هذه الموجات المتدافعة المتلاحقة المتشابكة، تبلغ حد " الروعة الباهرة "التي وصفنا - مع تناسق منهج العرض في شتى المشاهد كما سنبين - وتأخذ على النفس أقطارها بالروعة الباهرة، وبالحيوية الدافقة، وبالإيقاع التصويري والتعبيري والموسيقي وبالتجمع والاحتشاد ومواجهة النفس من كل درب ومن كل نافذة! ونحن - سلفاً - على يقين أننا لسنا ببالغين شيئاً في نقل إيقاعات هذه السورة إلى أي قلب إلا بأن ندع السورة ذاتها تنطلق بسياقها الذاتي، وإيقاعها الذاتي، إلى هذا القلب، لسنا ببالغين شيئاً بالوصف البشري والأسلوب البشري ولكنها مجرد المحاولة لإقامة القنطرة بين المعزولين عن هذا القرآن - بحكم بعدهم عن الحياة في جو القرآن - وبين هذا القرآن!"(انتهى كلامه رحمه الله)

كلام يعبر عن إحساس بهذه السورة، إحساس بهذا التعظيم!

سورة الأنعام لما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم كان لها جو خاص جداً، هي لم تنزل كباقي سور القرآن متقطعة، نزلت سورة الأنعام كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: " نزلت سورة الأنعام بمكة ليلاً حولها سبعون ألف ملك يجأرون بالتسبيح" رواه الطبراني وصححه العلامة أحمد شاكر. لنتخيل المشهد: سورة الأنعام تنزل حولها هذا الموكب الرباني السماوي من الملائكة يسبحون الله عز وجل والتسبيح تنزيه لله، الملائكة تسبح الله جلّ وعلا، تنزه الله جلّ وعلا. وفي رواية أنس رضي الله عنه قال" نزلت مع موكب من الملائكة سدَّ ما بين الخافقين لهم زجل من التسبيح والأرض بهم ترتجّ "وليست الأرض وحدها التي ترتج بل كما في رواية أسماء بنت يزيد رضي الله عنها أن عظام الناقة التي كان يركبها النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه هذه السورة كادت أن تتكسر. هذا لعظمة هذه السورة كادت عظام الناقة أن تتكسر لشدة عظم وهول ومقام هذه السورة.

سورة الأنعام كان النبي صلى الله عليه وسلم يجأر بالتسبيح عندما نزلت عليه كما في بعض الروايات لما وجد كل الكون حوله يسبح والملائكة بهذا الكم الرهيب يجأرون بالتسبيح لله عز وجل يشعر أن الناقة تهتز به لم يسع النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن يشارك هذا الموكب الكوني الذي يعظّم الله عز وجل (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ (44) الإسراء) سبّح معهم النبي صلى الله عليه وسلم قال من روى هذه الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم ظل يقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم إجلالاً وتعظيماً لمعاني هذه السورة وهذا هو المعنى الذي تتكلم عنه هذه السورة التي من خصائصها جملة واحدة، دفقة بل دفقات متتالية من الآيات كلها تغرس في القلب هذا المعنى، أسلوب متوالي. ولذلك هي أكثر السور التي ورد فيها (وهو) اسم الإشارة، وتجد حرف العطف (الواو) متكرر باستمرار، متوالية وراء بعضها وتجد تكرار (قل) فتشده شعور الإنسان حينما يسمعها. كذلك تمثل هجوماً كاسحاً على من لم يتلقوا هذه العظمة ولم يتلقوا هذه الآيات لأن الإنسان فُطر على هذا. نضرب مثالاً بسيطاً ولله المثل الأعلى لما ترى مشهداً جميلاً أو لوحة جميلة أول ما تنطق به حيال جمالها (الله! ما هذا الجمال!) تلفظ لفظ الجلالة من غير أن تشعر، هذه فطرة في الإنسان حتى لو كان هذا الإنسان بعيداً كل البعد عن العلم الشرعي لكن الكلمة تخرج مباشرة من لسانه لأنه مفطور على حب الجمال وعلى عشق هذه المعاني فيستشعر بها ويتأثر بها فيقول (الله) مستشعراً بالتعظيم فما بالك بخلق الله عز وجل؟ (هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ (11) لقمان).

السورة تضعنا أمام هذه المشاهد المتوالية من العظمة الكونية والآيات الربانية المتتالية حتى لا يطيق أن تحبس هذا الشعور، لا تطيق أن تسكت عن تعظيم الله عز وجل. بل أحياناً تجد الإنسان يعظّم شيئاً من الجنّ لدرجة أنه يخاف منهم والأولى به أن يعظّم الله عز وجل فلا يعظّم كلام الله تعالى كما يعظّم الجنّ ولا تجده يتأثر عندما يتطاول أحد على الله عز وجل، هذا ليس تعظيماً حقيقياً لأن المعظِّم الحق الصادق لا يملك أن يسكت عمن يتطاول على من يعظّمه، ولا يملك أن يكتم هذا التعظيم في قلبه ولذلك غلام الأخدود لما عرف الله عز وجل بدأ يتكلم عنه سبحانه وتعالى فقال له – كما في حديث صهيب – عندما كان الراهب يعلم الغلام والغلام تعلم عن الله عز وجل وبدأ يدلّ الخلق على الله جلّ وعلا فقال له الراهب "أنت اليوم أفضل مني" لأنه بدأ يتكلم عن ربه سبحانه وتعالى ولم يكتم هذا التعظيم بل دلّ الخلق على الله عز وجل ويعرفهم بالله ويكلمهم عن الله جلّ وعلا.

هذه السورة توجه أنظارنا لذلك ويلخص موضوعها ودفقاتها المختلفة أول آية (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) كلام عن الله سبحانه وتعالى وخلقه وآياته خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور. والمقابلة (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ) عندما تستشعر خلق الله عز وجل تستشعر عظمة الله عز وجل ثم تجد من يفترض أن تكون ردة فعله عندما يعرف الله عز وجل ولما يرى آياته (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ) يعدل به شريكاً، يعدل به مثيلاً لأنه لم يعرف الله عز وجل حق المعرفة (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ). لما تجد آيات السورة تعظّم الله سبحانه وتعالى فترتفع عظمة الله تعالى في القلب تجد أن الذي يجحد هذه العظمة لا بد أن يكون الكلام في وجهه شديداً لأنه لا ينفع أن تواجه هذه العظمة بالسكوت، عندما تسمع (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) ثم (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ) كيف استطاعوا أن يفعلوا هذا؟! (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ) تجادلون بعد كل هذا الخلق والملكوت؟! (وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3) وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4)) معرضين عن آيات الله عز وجل.

آيات السورة كلها تسير وفق هذا النسق: آيات ودفقات من الآيات تبدأ بعرض لهذا الجمال ولهذا الجلال وهذا العرض لقدرة الله عز وجل ثم تُذكر المقابلة (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ).

السورة في إطارها العام عن تعظيم الله عز وجل وفي المقابل من لم يعرفوا هذه العظمة ومن لم يقدروا الله حق قدره (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ (91))، هذه السورة تعرض هذه المقابلة وتضع الإنسان المؤمن أمام هذا الخيار الذي ليس له غيره وهو أن يسبح الله عز وجل وأن يعظّم الله سبحانه وتعالى وأن يوحّده قبل ذلك كما يدل عليه مشهد إبراهيم عليه السلام في السورة وهو يعرض للمشركين ويعرق لقومه هذا الملكوت الواسع ثم لا يجد إلا كلمة واحدة (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)) الذي فطر هذا الكون ولا يستطيع إبراهيم عليه السلام أن يسكت على محاججة قومه ويحاججهم.

السورة لها خصائص هي عبارة عن دفقات متتالية من الآيات كل مجموعة لها نسق معين تبدأ بكلام عن الله سبحانه وتعالى عن صفاته، عن أسمائه، عن نعمه وآلآئه ثم تأتي بعدها المفاجأة (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ) (ثم أنتم تمترون) كيف تواجهون هذه العظمة بهذا الجحود وهذا النكران عياذاً بالله تعالى؟!

نسق السورة شبيه جداً بنسق سورة النحل مع اختلاف أن سورة النحل تركّز على النِعم بينما تركز سورة الأنعام على معنى الخلق والملكوت الواسع في هذا الكون.

ثم أن أسلوب الكلام مع الكفار الذين لم يعظموا الله عز وجل ولم يقدروه حق قدره أسلوب هجومي فيه نوع من الاستنكار (أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (19)) (فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ (43)) أسلوب فيه عتاب. وأسلوب فيه تهديد كما قال الله عز وجل (فَقَدْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاء مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ (5)) (وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27)) تهديد ووعيد لأنه عندما تعرض الآيات المبهرات في الكون الدالة على عظمة الله عز وجل لا يصح أن تقابل بما فعله أهل مكة وقوم النبي صلى الله عليه وسلم بالجحود والنكران.

عرض للدفقات المتتالية والموجات المتتالية من الآيات التي تسير بنفس النسق:

الدفقة الأولى من الآيات وتبدأ من أول السورة إلى الآية الثانية عشر حيث تستهل بالكلام عن الله وصفاته وأفعاله كما في قوله تعالى:

(الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ {6/1} هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ {6/2} وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ) الكلام عن الخلق

ثم يأتي بعد ذلك ذكر الجاحدين والمنكرين

(وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ {6/4} فَقَدْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاء مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ)

ثم يبدأ الهجوم الكاسح والتهديد والوعيد لهؤلاء المكذبين بسبب ما فعلوه من تكذيب بهذه الآيات وبهذا الخلق العظيم، قال الله عز وجل

(أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ {6/6}) أهلكناهم بجحودهم بهذا الخلق العظيم المبهر. (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ {6/7}) القضية قضية تكذيب حتى لو أنهم أمسكوا الكتاب الذي نزل من السماء في قرطاس سيقولوا إن هذا سحر مبين. (وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ {6/8}) هذه الموجة الأولى بداية الكلام عن تعظيم الله وعن خلق الله عز وجل ثم ذكر للجاحدين ذلك.

الدفقة الثانية من الآيات :وتبدأ من الآية الثانية عشر بذكر ملك الله عز وجل في السموات والأرض:

(قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ {6/12} وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)

(وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ {6/17} وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ {6/18}) كلمة (القاهر فوق عباده) لم تأت في القرآن إلا في سورة الأنعام في موضعين (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18)) و (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ (61))

أمام عرض هذه الآيات وأمام هذا الملكوت المطلق وهذا القاهر العظيم تكون النتيجة الطبيعية التسليم كما قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم:

(قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ) هل يعقل بعد هذا الملكوت وهذه العظمة أن أبحث عن وليّ آخر؟! أبحث عن آلهة من دونه سبحانه وتعالى وهو الذي يُطعم ولا يُطعَم؟! (قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ {6/14} قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ {6/15} مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ {6/16}) هذه هي الإجابة السليمة لكن للأسف نجد أناساً لم يفعلوا ذلك بل جحدوا فتأتي الآيات التي تتكلم عن الجحود: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى) بعدما سمعت أنه هو القاهر فوق عباده وبعدما سمعت أنه هو الذي يُطعِم ولا يُطعَم وبعد ما سمعت أنه هو الذي يكشف عنك الضرّ؟! قولوا كما تقول الآية (قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ {6/19} الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ {6/20}) ثم يبدأ (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) كذب بالآيات التي يراها. (وَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ {6/29})

يبدأ بعدها التهديد: (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ {6/22} ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ {6/23} انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ)

(وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ) كلما ينهى عن التوحيد كلما يبتعد ويزداد غيّاً في معاصيه (وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ {6/26} وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ {6/27})

(وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ {6/30} قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ) لن ينفعهم شيء لأنهم جحدوا بآيات الله فهم موتى وصُمّ قال عنهم الله سبحانه وتعالى (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ {6/36}) فهم كالموتى صمّ وعمي لا فائدة منهم ولا قيمة لتكذيبهم (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ {6/50})

ثم يأتي التسفيه لعقولهم الناقصة وفطرهم المنكوسة وقطع الطمع عنهم

(قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ {6/33} وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ {6/34} وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ {6/35})

جزء جدالي من 33 الى 58

الدفقة الثالثة من الآيات يبدأ بكلام عن قدرة الله عز وجل وعظمته:

(وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) تأمل هذا المثال جيداً، تسقط ورقة في مكان ما في الليل لا يراها أحد في مكان لم تطؤه قدم بشر ولا حيوان ومع ذلك يعملها الله سبحانه وتعالى وهي في كتاب أنها ستسقط في هذا الوقت تحديداً وفي هذا المكان تحديداً.

(وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)

(وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ) صفة القهر والقوة والجبروت والبطش.

(ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62) قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ (64)) بعد كل هذه الآيات يظهر الجحود (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65)) هذا كله يفعله الله سبحانه وتعالى ومع هذا تأتي المفاجأة والتكذيب في نسق بديع في السورة بعد ذكر آيات العظمة:

(وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (66) لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67) وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) يخوضون ويكذبون في أمور واضحة لكل عين ترى ولكل أذن تسمع ومع ذلك يخوضون في آيات الله عز وجل (حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ (70) قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71))

الدفقة الرابعة آيات سيدنا إبراهيم عليه السلام واختلف العلماء هل سيدنا إبراهيم وهو يتأمل في آيات الكون (هذا ربي) اختلف العلماء على رأيين في هذه المسألة:

منهم من يقول أن هذا تدبراً من سيدنا إبراهيم عليه السلام وكان يتأمل في الكون ويتدبر ويصل إلى هذه الحالة من اليقين من خلال النظر وكلمة النظر وتوجيه المسلم أن ينظر ويتدبر في خلق الله عز وجل تكررت في السورة كما في قوله عز وجل (وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ (99)) التوجيه للنظر في كون الله عز وجل

والرأي الثاني يقول أن إبراهيم عليه السلام لم يكن ناظراً وإنما كان يناظر قوه ويثبت عليهم الحجة من خلال هذا الكون، من خلق هذا الكون؟ (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (74)) وسواء كان إبراهيم عليه السلام يناظر أو يتدبر فالعرض والحجة كان من خلال آيات الله عز وجل في الكون نتعلم منه التأمل والنظر في آيات الكون (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78)) عندما عرف عظمة الله عز وجل تبرأ من الشرك (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ) المعظّم لا يمكن أن يسكت عمن يحاججه في الله الذي يعظّمه (وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا) المعظِّم لله عز وجل لا يمكن أن يخاف (فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)) الحجة والروية والنظر في الكون.

وتأتي المفاجأة:

(وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91))

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (94))

الدفقة الخامسة من الآيات: الجمال والقدرة

(إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95) فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98) وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَات لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99))

ثم تأتي المفاجأة:

(وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100))

الدفقة السادسة من الآيات:

(بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103))

ثم يأتي التكذيب على النسق الذي تميزت به السورة:

(قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ (104) وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105) اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) وَلَوْ شَاء اللَّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ (107) وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (108) وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ (109) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ (113))

(يتبع الجزء الثاني)



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل