في صحبة القرآن - سورة التوبة

في صحبة القرآن - سورة التوبة

د. محمد علي يوسف

(التفريغ حصريًا لموقع إسلاميات)

علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن علاقة المسلم بالقرآن علاقة صحبة (صاحب القرآن) (البقرة وآل عمران تأتيان يوم القيامة تشفعان لصاحبهما) هذا المعنى الذي نريد أن نصل إليه.

سورة الأنفال سورة النصر والتعليق على نصر بدر، هذا النصر العظيم الذي منّ الله عز وجل به على الأمة وتعلمنا من السورة أن النصر من عند الله عز وجل وليس من أي شيء آخر مهما كانت الأسباب ومهما كانت الظروف المحيطة بالنصر إلا أن الأساس الذي ترسخه السورة في نفس المسلم وعقيدته أن النصر من عند الله عز وجل ولكن جنباً إلى جنب مع هذا التوكل على الله سبحانه وتعالى هناك أسباب للنصر فالمسلم يوقن أن النصر من عند الله عز وجل ويوقن أنه مع هذا كلّفه الله عز وجل أن يعد العدّة (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ (60)) مع كل ترسيخ اليقين والعقيدة بأن النصر من عند الله عز وجل (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17)) إلا أن هذا لا يقلل من الإعداد ومن البذل.

سورة التوبة لا يفصل بينهما وبين سورة الأنفال بالبسملة. والسورتان مرتبطتان لأنهما يتحدثان عن معنى الجهاد والقتال مع أن فرق التوقيت في النزول ليس بقليل فسورة الأنفال نزلت بعد بدر يعني في أوائل العهد المدني وسورة التوبة تكاد تكون من آخر السور التي نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وفيها آخر غزوة خرج فيها النبي صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك أو غزوة العسرة التي تتكلم سورة التوبة عنها.

بين سورتي الأنفال والتوبة نوع من أنواع الوحدة الموضوعية. نلاحظ أن سورة التوبة من أكثر السور التي لها أسماء كثيرة جداً، لها أسماء بعض العلماء أحصاها بأربعة عشر اسماً وعادة العرب أن الشيء الذي له أسماء كثيرة فهذا يدل على أن له قدراً معيناً. كل اسم من أسماء سورة التوبة له علاقة بمواضيع في السورة ومواضيع لها قيمة كبيرة جداً في هذه الرسالة التي يمكن أن نطلق عليها الرسالة الختامية التي يوجهها الله عز وجل وتليت على النبي صلى الله عليه وسلم نزلت عليه في آخر حياته صلى الله عليه وسلم. من هذه الأسماء الذي سنتوقف عنده طويلاً الفاضحة. من أسمائها أيضاً المخزية وسورة العذاب والمقشقشة (اسم يقال قشقش الدواء الجرَب أي نزعه من مكانه) فكأن هذه السورة تزيل الجرب من على القلوب جرب القلوب النفاق أعاذا الله عز وجل منه. ومن أهم أسمائها سورة التوبة وهو المشهور جداً ونجد ارتباطاً بين اسم التوبة والفاضحة، هناك فضح شديد جداً لأن هذا الفضح سيُلزمنا بأمر مهم جداً أننا جميعنا بحاجة إلى التوبة، الكل بحاجة إلى التوبة، السورة مليئة بالفضائح التي لو عرضنا أنفسنا عليها يمكن أن نجد في أنفسنا شيئاً منها نسأل الله السلامة. ليس شرطاً أن تنطبق كل صفات النفاق على الجميع فقد تجد في صفاتهم التقصير (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (102)) نحن هكذا نخلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً وكلنا مطالبون بالتوبة.

ولأهمية موضوع السورة تكلم العلماء عن الحكمة من عدم ورود البسملة فيها كباقي السور القرآنية، علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: البسملة أمان وبراءة نزلت بالسيف، لا أمان فيها. لا أمان للمنافقين، لا أمان للمجرمين، نحن في مرحلة مفاصلة تحديد مصير وحسم. فالموضوع لأهميته يبدأ من غير مقدمات (بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ) أمر شديد يحذّر الجميع، يقول حذيفة بن اليمان: "إنكم تسمونها التوبة وإنما هى سورة العذاب ما تركت أحداً من المنافقين إلا نالت منه" لم ينجو أحد من هذه السورة لأنها بيان ختامي لا بد أن يتضح الأمر ولا بد أن يعرف الجميع صفات المنافقين ولا بد أن ينتهي هذا النفاق وإن لم ينتهي فلنحذره ولذلك يقول تعالى (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ) وخرج هذا في هذه السورة التي نزلت بموازاة هذه الغزوة الخطيرة غزوة العسرة، غزوة تبوك وهي ليست غزوة عادية غزوة تكشف، ومن ضمن أسماء السورة الكاشفة، ومن ضمن أهم خصائص غزوة تبوك أنها تكشف الجميع، الكفار ينكشفون على حقيقتهم (لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10)) (وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ (12)) تعرض السورة جرائم الكفار وجرائم المنافقين وجرائم المعذّبين الذين يكذبون على أنفسهم ويلتمسوا أعذاراً ليتركوا العمل للدين، هذه السورة تضعنا أمام قول حاسم (إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)) سورة حاسمة لأنها كأنما هي رسالة ختامية ولما ينكشف الأمر كله ولما تظهر كل مسألة وتتضح وتنكشف الفضائح يعرف كل واحد أنه محتاج إلى التوبة إلى الله عز وجل. ومن المفارقات في السورة أن من أواخر ما ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المقام دعوة عامة للجميع إلى التوبة في هذه السورة (أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) آية رقيقة كأن الله عز وجل يخاطبك (ألم يعلموا) الدعوة للتوبة عامة، عن عباده  عن الجميع وتتكرر التوبة في السورة 17 مرة لأن بعد كل فضيحة بعد كل كشف لهذه الجرائم العظيمة باب التوبة مفتوح لا يُغلق حتى تطلع الشمس من مغربها، مهما كانت الجريمة فظيعة ومهما كانت الفضيحة قاسية ومهما كان الكشف مريعاً لا بد أن تدرك دائماً في هذه السورة في هذه الرسالة الختامية على النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما زال هناك فرصة للتوبة (أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) استبشروا وتوبوا إلى الله عز وجل،

دعوة عامة للجميع بالتوبة: تجد التوبة:

مع الكفار: (وأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) الكلام للمشركين (فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) وقول الله عز وجل (فإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) يدركوا التوبة قبل طلوع الشمس من مغربها فصاروا إخوانكم وفُتح لهم الباب.

مع المنافقين: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ) بعد كل جرائمهم، بعد النفاق وإظهار الإيمان وإبطال الكفر، بعد اللمز للنبي صلى الله عليه وسلم؟ تكررت في السورة (ومنهم) كل صفات المافقين ذكرت في السورة ولم يكن متبقياً إلا أن تُذكر أسماؤهم. عندما نسمع الآات تتحدث عن صفات المنافقين لا ينبغي لنا أن نغفل عنها ونتركها وفي قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما سأل حذيفة رضي الله عنه بعد أن كان النبي صلى الله عليه وسلم أطلعه على أسماء المنافقين فكان يسأله عمر: أوسماني لك رسول الله؟ هذا عمر يسأل وهو خائف على نفسه من النفاق وعلينا نحن أن نخاف على أنفسنا منه ومن أمراضه التي تتسرب إلى القلوب والعياذ بالله. يقول ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخشى على نفسه النفاق. فينبغي أن نعرض هذه الآيات التي ذكرت صفات المنافقين على أنفسنا هل فيها خصلة من خصلات النفاق؟ وقد ذكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم بعض خصائص المنافقين: آية المنافق أنه إذا حدّث كذب وإذا اؤتمن خان وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر فمن كانت فيه خصلة منهم كان فيه خصلة من خصال النفاق حتى يدعها ومن اجتمعت فيه فهو منافق والعياذ بالله! فعلينا أن نعرض أنفسنا على آيات المنافقين في سورة التوبة. ورغم كل هذا يقول الله سبحانه وتعالى لهم (فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ) توجيه للمنافقين بالتوبة.

مع المترددين الذين لم يتخذوا قراراً: (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)

مع كل العباد: (أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) الرسالة الختامية دعوة للتوبة لكل الناس (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) الزمر) حتى الذين أسرفوا على أنفسهم.

مع المقصرين: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)

حتى مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع المهاجرين والأنصار: (لَقَد تَّابَ اللَّه عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)

ومع الثلاثة: (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)

دعوة للجميع بالتوبة حتى النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق جميعاً والمهاجرين والأنصار والصحابة وهم أفضل الخلق بعد الأنبياء، كلهم يتوبون وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستغفر في المجلس الواحد أكثر من سبعين مرة، كل هذه الدعوات لنتعرف على قيمة التوبة وهذا لن يكون إلا حينما نتعرف على حاجتنا لها وهذا ما ترسخه السورة من خلال عرض الفضائح مع النفس وسنتسعرض بعض الفضائح التي ذُكرت في سورة التوبة.

سورة التوبة هي السورة الفاضحة الكاشفة التي تكشف الجميع تكشف كل واحد منا أمام نفسه، يعرض هذه الآفات على نفسه حتى نشعر بقيمة التوبة ومدى احتياجنا لها يجب أن نتوقف أمام هذه الفضائح التي لا بد أن يقع أحدنا في شيء منها حتى الفضائح النفسية الخفية.

عرض لبعض الفضائح في السورة إسقاطها على واقعنا

أولاً: فضيحة القعود عن نصرة الدين.

البعض يظن أن نصرة الدين ترف، هذه السورة تضعنا أمام خيار أساسي مختلف وتضعنا أمام آية في غاية الخطورة: خدمة الدين فرض والنفير واجب وإلا فالعذاب (إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) في السورة عقاب والعذاب علامة من علامات التحريم وأن الفعل الذي ذكر قبله أياً كان نوع العذاب سواء كان العذاب في الدنيا بحدّ من الحدود كحد السرقة والزنا أو العذاب في الآخرة. الله سبحانه وتعالى يقول (إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) إذا دُعيتم للنفير – وقد ورد النفير في سورة التوبة بصور متعددة ليس فقط النفير إلى القتال وإنما ورد أيضاً النفير في طلب العلم (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)) – فعندما يُخاطب الإنسان بالنفير وهو لا ينفر والله عز وجل يقول أن هذا الإنسان معرّض للعذاب إن لم ينفر فلا بد أن نقف ونسأل أنفسنا هل نحن ممن إذا استُنفر نفر؟ والله سبحانه وتعالى يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ) كلمة (اثاقلتم) توحي بالثقل والتثاقل الشديد. (أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ) رضيتم بالدنيا مع أن الله سبحانه وتعالى اشتراها منكم كما ورد في الآية (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) العهد الذي بيننا وبين الله عز وجل عهد شراء وبيع. أنت بعت والله سبحانه وتعالى اشترى منك فلا ينبغي أن يعطلك ما اشتراه الله عز وجل منك!

وتذكر السورة الأسباب التي تدفع الذي يقعد عن نصرة الدين ويتثاقل ويتخاذل عن نصرة الدين:

الشهوات والشبهات: (أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ) هذا السؤال الذي يكشف الأسباب، دعيت لتخدم دين الله أو تُخرج من مالك وجهدك وتطلب العلم وتدعو إلى الله عز وجل وإذا دعيت للجهاد في سبيل الله سواء بالمال أو بالنفس، أساس القعود "الدنيا وشهواتها" (أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ) شهوات الدنيا وملذاتها ولذلك ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث "لا يتبعني رجل من ثلاث": غزى نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة، وهو يريد أن يبني بها ولمّا يبن بها ولا آخر قد بنى بنياناً ولما يرفع سقفها، ولا آخر قد اشترى غنماً أو خلفات و هومنتظر ولادها." كل هؤلاء لديهم ما تعلقوا به في الدنيا لأن هذه قد تقعدهم عن نصرة الدين.

ولهذا عرضت الآية في سورة التوبة المحبوبات الثمانية لا يخلو منها إنسان وهي مباحة لكن إذا ما أوقفت الإنسان عن نصرة الدين فهو معرّض للعذاب (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) هذه كلها مباحات بل والبعض منها فرض كحب الوالدين والعلاقة بالأبناء والزوجة ولكن لو كانت هذه المباحات أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا (وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) لأنه لو يقم بهذه الأمور وهنا نذكر قصة سيدنا حنظلة بانبهار شديد جداً، حنظلة رضي الله عنه في يوم بنائه والمنادي ينادي يا خيل الله اركبي فترك زوجته وهو في ليلة بنائه بها ولم يمهل نفسه حتى يغتسل ولما استشهد في سبيل الله غسلته الملائكة. ماذا لو تكاسل حنظلة رضي الله عنه عن داعي الجهاد؟ كان سيكون من أهل هذه الآية وستكون زوجه أحب إليه من الجهاد في سبيل الله. سورة التوبة تضعنا أمام هذا المعنى المهم أن علينا أن نخدم هذا الدين وأن نقف وننصر هذا الدين بأية وسيلة.

ومن الأمور التي تقعد بالناس عن نصرة الدين: الشبهة

يدّعي الإنسان أنه لا يعلم ماذا يفعل، لكن الآية في سورة التوبة توضح أن النفير يكون على كل حال (انفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) كل ما تستطيع أن تجاهد به، عمار بن ياسر وهو في التسعين من عمره لما سمع منادي الجهاد أراد أن يخرج فقال له أبناؤه اُقعد يا أبانا نحن نكفيك، قال:و هل أبقت لنا آية النفير جنباً ننام عليه؟! الله سبحانه وتعالى قال (انفروا خفافاً وثقالاً) هذا معنى مهم في السورة. فيها:

الجهاد بالمال (إن اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم) (الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ)

الجهاد بالكلمة: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) جهاد الكفار بالسيف وجهاد المنافقين نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقاتل المنافقين حتى أنه لم يقتل عبد الله بن أبي بن سلول "لا يقولنّ أن محمداً يقتل أصحابه". فجهاد المنافقين يكون جهاد الكلمة والدعوة والحجة والمناظرة وكشف الشبهات. وإياك أن تقول لا أعرف أو لا أقدر على الجهاد لأن سورة التوبة لم تدع لأي إنسان مجالاً للقعود عن الجهاد.

الجهاد بالعلم: وسماه نفيراً (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ

(إلا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ) الدين سينتصر بك سواء قعدت أو لم تقعد، لكن السؤال ماذا فعلت أنت؟

ثانياً: فضيحة الكذب والأعذار والاستئذان.

هذه الفضيحة يتبعها فضية أخرى: الكذب على النفس وعلى الناس وعلى الله: بعض الناس يقعد وتكذب وقد تكذب على نفسها وليس على الناس ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) هذه فضيحة الكذب على الله وعلى الناس وعلى المؤمنين فيبحث عن مبررات وأعذار والله سبحانه وتعالى يذكر أنهم يستأذنون (عفا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) ويستثني (وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّوْا وَّهُم مُّعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ (77))

الإعداد والعمل معيار الصدق (وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ) لو صدقوا بالخروج فعلاً لأعدّوا له العدة وبذلوا (لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47)) هذه الآية تنطبق على كل حياتك وعلاقتك بالدين:

لو أردت الجنة لأعددت لها عدة، لو أردت التوبة أعدد لها عدة، لو أردت الالتزام لأعددت له عدّة، كل حياتك الدينية وصدقك يُفضح بهذه الآية: هل أعددت؟ هل فعلت ما ينبغي أن تفعله؟! هذه فضيحة حقيقية لكن للأسف بعض الناس تحب أن تكذب على نفسها وتخدّر عقلها وتتفنن في اختلاق الأعذار.وغزوة تبوك فضحت هذه الأعذار فالذي يبحث عن عذر يبرر به قعوده ويبرر لنفسه كل عمله سيجد أعذاراً له وغزوة تبوك تكشف لنا هذا المعنى صحيح أن الغزوة كانت صعبة جداً فهي كانت في مكان بعيد مسيرة شهر (كانت في الشام) مكان بعيد عن المدينة المنورة، وكانت في حرّ شديد (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) والعدو قوة جبارة (الروم) لا قبل لهم بها ولم يسبق لهم أن قاتلوا جيشاً نظامياً مسلّحاً مدرّعاً، حتى أن البعض اعتذر بنساء الروم فقال للنبي صلى الله عليه وسلم (وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) أظهرها على أنها حجة شريعة كما قالوا في سورة الأحزاب (وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ۚ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13)) يذكروا أمراً شرعياً حتى يتركوا الجهاد، يكذبون حتى بالدين! كما قال الذي بسببه نزلت الآية الذي جاء للرسول صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني لا أطيق نساء بني الأصفر فقد لا أتحمل الفتنة فردّ الله عز وجل عليه (أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) يحتج ويعتذر حتى لا ينصر دين الله عز وجل! وآخر يقول ليس عندي نفقة!

كان في غزوة تبوك أسباباً كثيرة تجعلهم يبرروا ويعتذروا لكن المؤمن الحقيقي لا يعتذّر بل يتحرّق للغزو (لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) (إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) المؤمن يتحرّق للغزو وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: من مات ولم يغزو ولم يحدّث نفسه بالغزو مات على شعبة من شعب النفاق. لأن الجهاد شرف.

الصادقون في الخروج والجهاد لما جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم (لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (91) وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ (92)) الوضع كان صعباً جداً ومع أنهم معذورون إلا أنهم تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً، صدق رهيب في حالهم، يريدون أن يخدموا الدين.

ثالثاً: فضيحة الاستهزاء بالدين.

عندما استُهزئ بالقُرّاء: ما رأينا مثلَ قُرَّائِنا هؤلاءِ أرغبَ بطونًا ولا أكذبَ ألسُنًا ولا أجبَنَ عندَ اللقاءِ . فقال له عوفُ بنُ مالكٍ : كذَبتَ ، ولكنك منافقٌ ، لأُخبِرَنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ . فذهب عوفٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لِيخبِرَه ، فوجد القرآنَ قد سبقه ، فجاء ذلك الرجلُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وقد ارتحلَ وركب ناقتَه ، فقال : يا رسولَ اللهِ ، إنما كنا نخوضُ ونتحدثُ حديثَ الركبِ نقطعُ به عنا الطريقَ . قال ابنُ عمرَ : كأني أنظرُ إليه متعلقًا بنسعةِ ناقةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وإن الحجارةَ تنكُبُ رجلَيه ، وهو يقولُ : إنما كنا نخوضُ ونلعبُ . فيقولُ له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ما يلتفتُ إليه وما يزيدُه عليه يعني رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأصحابَه القراءَ.

أنزل الله عز وجل (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ (64) وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ (65) لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ) لم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم اعتذارهم كما أمره الله عز وجل.

ولنسقط هذا على واقعنا ونرى الاستهزاء بالدين والاستهزاء بالشيوخ وبالعلماء للأسف.

الفضيحة الرابعة: انعدام الغيرة على حرمات الله.

(أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)

السورة مليئة بالكلام عن حرمات الله عز وجل حرمة الزمان وحرمة المكان وحرمة حدود ما نهى الله عز وجل عنه وحرمة حدود ما أنزل الله وحدود الحلال والحرام وحرمة الأيمان وحرمة الدين وما يفعله الكثيرون في الدين (وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ) الطعن في الدين.

حرمات عديدة عرضتها السورة:

حرمة المكان (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)

حرمة الزمان (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)

حرمة حدود الله وما نهى عنه (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29))

حرمة المال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)

حرمة التوحيد (وقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

حرمة الأيمان (أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ (13))

حرمة الدين (وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ)

حرمة الرسول والصحابة وأهل العلم (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ)

الغيرة على حرمات الله موجودة في السورة والكل يُفضح في هذه السورة:

الكفار يُفضحوا وتظهر فواحشهم بالمؤمنين (أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ (13)) (كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) (اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)

يُفضح المنافقون: كل الآيات التي فيها (ومنهم):

(ومِنْهُمَ مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ)

(إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ)

(وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ)

(وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ)

(لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57) وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58))

(وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)

(يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ)

(الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ ه

التعليقات

  1. سمر الأرناؤوط علق :

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    جزاكم الله خيرا أخي الكريم على تعليقكم وألفت نظركم أن المدونة فيها صفحات كثيرة في الصور البلاغية وكل عالِم له اختصاص منهم من يهتم بالأمور البلاغية ومنهم من يهتم بالتدبر ومنهم من يهتم بالتفسير والمدونة تنشر للجميع بفضل الله.
    إدارة المدونة

  2. عبدالوهاب محمد علي علق :

    هذا الشرح مفصل ليته تناول الصور البﻻغية

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل