في صحبة القرآن - سورة يونس

في صحبة القرآن - سورة يونس - 1

د. محمد علي يوسف - (التفريغ حصريًا لموقع إسلاميات)

رسائل في زمن الأزمة

سورة التوبة هي السورة الفاضحة، المخزية، الكاشفة، المقشقشة وغيرها من الأسماء والتي تصب كلها في هذا المعنى المهم جداً: فضائح الإنسان في علاقته بالله سبحانه وتعالى، ولذلك سميت السورة الكاشفة لأنها تكشف الحقيقة وتكشف آفات قد يكون الإنسان في حياته لا ينتبه لها. والسورة هي من أواخر السور التي نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم فكان لا بد أن يكون فيها هذا الكشف فالذي يعرض نفسه على سورة التوبة لو كان صادقاً في عرضه ينكشف حاله تماماً مع الله سبحانه وتعالى، حاله مع المؤمنين، حاله مع نصرة دين الله جلّ وعلا ومن ثمّ له خيار واحد وهو التوبة (وهو الاسم التوقيفي الأساسي لسورة التوبة) له خيار أن يستقيم وأن يتوب إلى الله عز وجل ولهذا ورد في السور توجيه ودعوة عامة للجميع بالتوبة، كل مخاطب مدعو للتوبة (أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ).

سورة يونس وهي بداية للسور المكية من جديد بعد سورتين من السور المدنية الأنفال والتوبة وهكذا القرآن مراوحة بين المكي والمدني وكل منهما له خصائص معينة. سورة يونس من ضمن السور التي نزلت في أحداث وفي زمان في غاية الخطورة، نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم قيل أنها نزلت في العام العاشر من البعثة وقيل في العام الحادي عشر وقيل في العام التاسع وأغلب أهل التفسير على أنها نزلت ما بين السنة التاسعة إلى الحادية عشر. هذا التاريخ له مدلول معين، نزلت السورة في أصعب فترة مرّ بها النبي صلى الله عليه وسلم من ضمنها هذه الفترة ما يسمى بعام الحزن، في هذه الفترة كانت هناك أحداثاً في غاية الخطورة منها شعب أبي طالب لما قاطع كفار مكة النبي صلى الله عليه وسلم واصحابه رضي الله عنهم وحبسوهم في شعب أبي طالب وبدأوا يتعرضوا لظروف اقتصادية واجتماعية في غاية الصعوبة من المقاطعة والتقشف لدرجة أن بعضهم وصل به الأمر أن يأكل من ورق الشجر، ولا يكاد ينقطع أنين الأطفال. في هذا الوقت ماتت السيدة خديجة رضي الله تعالى عنها ومات أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم وكان فيها المحن المتوالية منها محنة الطائف لما قُذف النبي صلى الله عليه وسلم بالحجارة قد أدميت قدماه صلى الله عليه وسلم وآذاه السفهاء والأطفال والصبية، كانت ثلاث سنوات صعبة جداً نزل خلالها سور منها سورة يونس. سنوات كانت قاسية جداً على النبي صلى الله عليه وسلم بفقد أحبابه ومن بقي منهم هاجروا (هجرة الحبشة الأولى والثانية) وبدأ النبي صلى الله عليه وسلم يرسل البعثات إلى المدينة من بداية هذه الفترة لأن الوضع كان صعباً جداً، حرب إعلامية (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه) مقاطعة كاملة. هذه الفترة نزلت فيها هذه السورة. هذا جو نزول السورة الذي له علاقة كبيرة جداً بموضوع السورة لأن هذا الإغلاق وصل لمرحلة إغلاق دنيوي، تقريباً لا وجود للدنيا، لا مكانة، لا سمعة لا مال، لا جاه بحيث تجعل أحداً مذبذباً يثبت، تجعل أحداً يشاور نفسه يُسلم أم لا، الموضوع في غاية الصعوبة فعلاً، حالة إغلاق وأصعب سنين مرت على النبي صلى الله عليه وسلم في مكة هي هذه الأعوام القاسية وفي هذه الظروف وفي هذه الأحداث لما تكون الدنيا منقطعة بهذه الطريقة وهذا الاستضعاف وهذا العذاب من الطبيعي أن تجد الناس تتفاعل معها بشكل معين، فتجد أربع طوائف من البشر في هذه الظروف القاسية:

الطائفة الأولى: أول ما تجد هذا الاستضعاف تحزن وتُحبط وتصاب بالإحباط وقد تقعد عن العمل وعن البذل لشدة الظروف الصعبة التي تعيش فيها.

الطائفة الثانية تبدأ بالتنازل والتفريط وتفكر في إعطاء العدو بعض ما يسأله (نعبد إلههم يوماً ويعبدون إلهنا يوماً) يبدأ لديها نوع من أنواع التمييع للثوابت بسبب الاستضعاف.

الطائفة الثالثة تنهار تماماً ليس فقط تحبط أو تميع الأمور وقد يرتد الإنسان في ظل هذه الظروف الصعبة جداً.

الطائفة الرابعة وكانوا هم الأغلبية وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. المعالجة الإيمانية والتربوية التي سنتعرض لها في السورة بفضل الله عز وجل ثبتتهم (كذلك لنثبت به فؤادك) المعاني الإيمانية التي غرسها فيهم النبي صلى الله عليه وسلم والتي نحتاج أن نتذكرها في أيامنا هذه ثبتتهم جعلتهم يصمدون أمام هذه الهجمات الشرسة.

السورة توجه رسائل للأنواع الأربعة وسنستعرض سورة يونس من خلال أربع رسائل رئيسية. سورة يونس أول سورة باسم نبي من الأنبياء سيدنا يونس عليه السلام واسم السورة فيه ملمح وإشارة قصة سيدنا يونس نختم بها السورة.

الرسالة الأولى: رسالة الثبات.

وهذه رسالة للطائفة التي ستتقاعس عن العمل وتقعد وتتكاسل ولن تثبت وتهتز. رسالة الثبات ليس فقط على الدين لكن رسالة ثبات على العمل والدعوة فمع كل ما يمرون فيه ستكرر كما في سورة الأنعام كلمة (قل) تكلم لا تيأس ولا تسكت لأنك مطالب في عزّ هذا الاستضعاف أن تدعو إلى الله وستتكلم عن الله سبحانه وتعالى وستعرف الناس عليه سبحانه وتعالى. فالرسالة الأولى إذن رسالة ثبات على العمل.

الرسالة الثانية: رسالة الحسم. لا يوجد ما يسمى بأنصاف الحلول، لا تمييع، هم يريدون منك أن تهتز في عقيدتك ولهذا ذكرت الآية (فائت بقرآن غير هذا أو بدله) (قل ما يكون لي أن أبدله) الدين ليس ملكاً لأحد ولا يمكن لأحد أن يجتزئ منه، هو دين الله عز وجل (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ) فسورة يونس تعلمنا الحسم في هذه الرسالة رسالة الحسم

الرسالة الثالثة: رسالة التحذير لأن هناك أمراض معينة لو وجدت في الأمة وهي في حال الاستضعاف لن تثبت ولذلك تعرض السورة تحذيراً من أمراض وأصناف من البشر يجب الحذر منها ومعالجتها والسورة تعرض العلاج لكل صنف تحذّر السورة منه.

الرسالة الرابعة: رسالة البشرى وهي متعلقة باسم السورة واختيار اسم سيدنا يونس عليه السلام.

رسائل سورة يونس:

الرسالة الأولى: رسالة الثبات

هي رسالة موجهة لضعاف القلوب والمحبطين والقاعدين، هذه الرسالة تقول: اثبت على العمل، ادعُ إلى الله عز وجل ولا تدع هذا الاهتزاز وهذا الاستضعاف والإيذاء يُقعدك عن العمل ويمنعك من البذل في سبيل الدين ومن التعليم للناس. مهما فُعِل بك قُل ولذلك تتكرر كلمة (قل) كثيراً في السورة. تتكرر (قل) وتوجيهات دعوية:

(قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ) أنتم محرومون في هذه الشِعب، محرومون في هذا الاستضعاف والمقاطعة الاقتصادية التي فرضتها قريش. يعلمك الدعوة بعد كل هذا قل (أَفَلاَ تَتَّقُونَ) أفلا تتقون الله عز وجل.

(قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) عرّفهم بالله سبحانه وتعالى

(قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّي إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) يكلمهم ويدعوهم إلى الله.

(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)

(وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ )

(قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ)

(قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُون)

(قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ)

(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)

(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ)

آيات كثيرة جداً في سورة يونس تعلمنا أنه مهما حدث وفي ظل الظروف الخطيرة والعصيبة التي تمرون بها لا بد من الدعوة (قُل) تكلم ولا تسكت عن الحق، توجيه مهم جداً.

التوجيه للانتظار والصبر والثبات، كلمة الانتظار تكررت في السورة:

(وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ)

(فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ)

(وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) واصبر دعوة للثبات.

ويضرب الله سبحانه وتعالى لنا مثلاً بسيدنا نوح عليه والسلام وثباته الطويل ألف سنة إلا خمسين عاماً وعدم خوفه ويقول لقومه

(يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ) شجاعة وقوة وثبات وعدم خوف منهم وعدم الحاجة لهم (فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) لا أطلب منكم شيئاً إن أجري إلا على الله.

وكذلك قصة سيدنا موسى عليه السلام يعلمنا (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ) توجيه للثقة وعدم الحزن. فالسورة توجه ليس إلى الثبات فقط وإنما إلى عدم الحزن أيضاً بل فيها دعوة للفرح (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) دعوة للفرح في أعوام الحزن والصعوبة وحصار الشعب دعوة للفرح وهناك فضل آخر وهو فضل القرآن (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) أولئك معهم المال والأكل والشرب والمتاع لطن الذي معكم أعلى، معكم كلام الله سبحانه وتعالى فلتفرحوا أمر بالفرح. ليس مجرد الثبات وعدم الحزن بل الفرح (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) لا تخافوا ولا تحزنوا لكن بشرط:

(الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ) (لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)

(وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) المهم القلب يكون منشرحاً بكلام الله سبحانه وتعالى. (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ).

هذه هي الرسالة الأولى رسالة الثبات ليس فقط على الدين وإنما ثبات على العمل ودعوة أيضاً للفرح وعدم الحزن لأن معك فضل الله تعالى ومعك الإيمان والقرآن هذا هو الفضل. تغرس فينا السورة العوامل الأساسية والقيم التي نفرح بها قيمة الإيمان وفيمة القرآن الذي رزقنا الله عز وجل بها.

الرسالة الثانية: رسالة الحسم والتمسك بالحق الكامل حيث لا مجال للتمييع ولا لأنصاف الحلول

بعض الناس نتيجة الضغط الشديد والاستضعاف والمشاكل والأذى سواء الإعلامي والتشويه تجد بعض الناس تفرّط وتميّع. هناك في الدين ثوابت لا يمكن التفريط فيها وليس فيها أخذ ورد، قد توجد أمور خلافية خلاف التعدد وخلاف التنوع لكن الثوابت والعقائد لا يمكن التفريط بها. ويكثر وقت الفتن نموذج المفرط والمداهن وقد ذكرها الله سبحانه وتعالى (ودوا لو تدهن فيدهنون) يريدونك أن تداهن وتفرّط بالشريعة، هذا التمسك رسالة من رسائل السورة في الظروف الصعبة والقاسية التي نزلت فيها سورة يونس تعلمنا هذا المعنى أنه رغم كل الظروف أنت تتّبع أنت لا تفرّط من عندك لأن الأمر ليس ملكك وإنما هو شرع الله وكلام الله وهذا من عند الله لا يمكنك التفريط بشيء منه. وتأتي الآية الحاكمة (فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) السورة تضعنا بين اختيارين: حق وضلال ولذلك تأتي الآية الفاصلة بوضوح شديد: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ) لا يحق لأحد أن يبدّل أي جزئية من هذا القرآن والله تعالى يعلمنا في هذه الظروف الصعبة يقول للنبي صلى الله عليه وسلم (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) ليست من صلاحيات النبي صلى الله عليه وسلم أن يبدّل شيئاً في القرآن لأنه ليس ملكه، النبي صلى الله عليه وسلم له حدّ مع الله لا يمكنه أن يتخطاه والتشريع لا يكون إلا لله الحق الملك سبحانه وتعالى، الثوابت لله، العقيدة من عند الله عز وجل. ولهذا أكثر ما يكرهه المميعون أن يقال لهم: قال الله، وقال رسوله، يعترضون مثلاً على بعض آيات القرآن ولكنه ليس كلامنا نحن وإنما هو كلام الله سبحانه وتعالى (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ) ليست المسألة بمزاجي أنا إنما أنا متّبع (إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) محمد صلى الله عليه وسلم أحب الخلق إلى الله عز وجل ومع ذلك يقول (إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ). هذا معنى مهم ومن أهم مواطن القوة في هذه الرسالة: الأمر ليس بمزاجي وليس من خصائصي ولا من خصائص أحد من البشر أن يبدّل أو يداهن، الدين لله سبحانه وتعالى (قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) أتفتري على الله وتؤلف في الدين على هواك؟! (قُل لَّوْ شَاء اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) ويعلمه الله سبحانه وتعالى (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ) كلام ثابت واضح.

(قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّي إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)

كلام ثابت واضح وحقيقة ثابتة ليس فيها تمييع (وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ)

هذه ثوابت لا تفاهم فيها وهذه هي الرسالة الثانية للمميعين والمفرّطين الذين في زمن الفتن والاستضعاف والأزمات يفرطوا في دينهم وعقيدتهم ورسالتهم.

(يتبع الرسالة الثالثة والرابعة)



التعليقات

  1. islamiyyat علق :

    جزاك الله خيرا على التنبيه سيتم إضافة الجزء المتبقي من الحلقة وتقسيمها على مشاركتين. بارك الله بكم

  2. محمد علي علق :

    الأخوة المشرفين

    السلام عليكم ...تفريغ الحلقة غير مكتمل

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل