في صحبة القرآن - سورة إبراهيم

في صحبة القرآن - سورة إبراهيم. محمد علي يوسف

(التفريغ حصريًا لموقع إسلاميات)

حقيقة الصراع: الصراع بين الحق والباطل

سورة من السور المهمة جداً في كتاب الله عز وجل وهي سورة باسم نبي من الأنبياء كما تكلمنا في سورة يونس وسورة هود وسورة يوسف واليوم نتكلم عن سورة إبراهيم عليه السلام سورة أبي الأنبياء. وسورة إبراهيم لن يستشعرها بحق ولن يحس بمعانيها بشكل كامل إلا أصحاب الهمم العالية أصحاب الرسالة الذين حملوا همّ هذا الدين على أكتافهم الذين شعروا بإحساس المسؤولية الذين شعروا أنهم حلقة في سلسلة طويلة أولها سيدنا آدم عليه السلام وبعده سيدنا نوح عليه السلام وباقي الأنبياء هذه السلسلة الطويلة من المضحّين من الصادعين بالحق من الذين حملوا هم هذه الرسالة وتلك العقيدة، هؤلاء هم الذين يستشعرون معنى سورة إبراهيم والذين لا يستشعرون فعليهم أن يحاولوا أن يتعرفوا على هذه المسؤولية. الذي يعرف المسؤولية ويستشعر بها هو أكثر من سيتشعر معاني سورة إبراهيم عليه السلام لأن سورة إبراهيم ببساطة جداً هي مواجهة بين فريق الحق وفريق الباطل. وكلمة (فريق) مقصودة لذاتها لأن سورة إبراهيم على خلاف كثير من السور التي تكلمت في تفاصيل قصص خلاف الأنبياء مع قومهم والأمم المكذبة كثير من هذه السورة تتكلم في تفاصيل أما سورة إبراهيم فهي خطاب جماعي. تخيل فريقان واقفان: كل الأنبياء وكل من تبعهم وكل من سار على نهجهم واقتفى أثرهم كلهم يقفون في كفة بقيادة الرُسل (الكلام في سورة إبراهيم دائماً عن الرسل) وفي الكفة المقابلة الفريق الآخر، أهل الباطل والفريقان يخاطبان بعضهما خطاباً جماعياً وهذه مسألة لا بد أن نستشعرها أن كثيراً من كلام أهل الباطل رغم تشعبه إلا أنه متشابه كما يقول الله سبحانه وتعالى (تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ (118) البقرة) (أَتَوَاصَوْا بِهِ (53) الذاريات) فلخّص الله سبحانه وتعالى في هذه السورة كلام أهل الباطل كأنهم كلهم مع اختلاف الأزمان والأماكن والمواقع وبينهم وبين بعض قروناً من الزمان لكن كأنهم كلهم يتكلمون بصوت واحد، كأنهم يفعلون فعلاً واحداً (فردّوا أيديهم في أفواههم). وتجد في الجهة المقابلة كل الرسل على اختلاف أجناسهم وأشكالهم وأعراقهم وعلى اختلاف أزمانهم التي وُجدوا فيها كلهم يتكلمون بكلام واحد لأن رسالتهم واحدة حتى لو أشكالهم تختلف أو تختلف أمهاتهم وآباؤهم لكن همّهم واحد ودينهم واحد ويلخّصون هذا الصراع، الصراع بين الحق والباطل الذي تصوّر هذه السورة جزءاً مهماً جداً منه: الصراع بين أئمة الهدى وبين أئمة الضلال، وكلمة أئمة مقصودة بذاتها أيضاً لأن السورة هي سورة القادة ولذلك الذي سيستشعر السورة أكثر هم أصحاب الهمم العالية لأن هذه السورة تركّز على القادة ولذلك سماها الله سبحانه وتعالى باسم سيدنا إبراهيم عليه السلام أبو الأنبياء، سيدنا إبراهيم له مقام مخصوص مع حبنا وإجلالنا لكل الأنبياء لكن الله عز وجل قال (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ (253) البقرة) هناك رسل فضّلهم الله عز وجل سيدنا إبراهيم له تفضيل خاص، سيدنا إبراهيم من ذريته أنبياء لا نعرف نبياً أنجب هذه الذرية من صلبه إلا آدم أبو البشر فكل الذرية من صلبه (من نسل إبراهيم عليه السلام: إسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وعيسى وهارون وزكريا ويحيى ويوشع والأسباط ومحمد صلى الله عليه وسلم) سيدنا إبراهيم عُرف بأبي الأنبياء عليه السلام. وقد ذكر في السورة مثالين لأئمة الحق ومثالين لأئمة الباطل.

·        المثالان لأئمة الحق: سيدنا إبراهيم وسيدنا موسى عليهما السلام من أولي العزم من الرسل.

·        والمثالان لأئمة الباطل: فرعون وإبليس رأس الشرّ في العالم وبداية الضلال والصدّ الأكبر عن سبيل الله وخطبة إبليس في هذه السورة مشهورة جداً. وفرعون الطاغوت الذي نعرف عنه كل جبرت وكل عنف في التعامل مع الرسالة والتعامل مع النصيحة.

السورة فيها فريق تجد فيه إبراهيم ومحمد وعيسى وموسى وإسماعيل وباقي الأنبياء والرسل في كفة وإبليس وفرعون وهامان وقارون والنمرود وكل أهل الباطل في الجهة المقابلة والخطاب الجماعي بينهم والصراع بين الحق والباطل وهذا لا يستشعره إلا من ذاقه، من استشعر أنه عضو وبطل في هذا الصراع. هكذا بدأت الخليقة بالصراع بين الحق والباطل من أول ما خُلق سيدنا آدم ورفض إبليس أن يسجد له كما سيأتي في السورة القادمة سورة الحجر وسيأتي تفصيله لكن من أول ما بدأت الخليقة بدأ الصراع مباشرة وتوعّد إبليس (لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) ص) فهذا الصراع الممدود الطويل جداً، هذه السورة تلخّص مشهد عام ورؤية شاملة من هذا الصراع الذي يقوده أئمة الحق وهم الرسل ولذلك نلاحظ في هذه السورة ترد كلمة (الرسل) ولم ترد كلمة الأنبياء (قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ (11)) (قَالَتْ رُسُلُهُمْ (10)). الرسول غير النبي، كل رسول نبي وليس كل نبي رسول فليس كل نبي بُعث برسالة، يمكن أن يأتي النبي على رسالة رسول قبله يدعو لها وليس له كتاب خاص أو دين جدي أما الرسول فمقامه أعلى وأعلى الرسل مقاماً هم أولو العزم الخمسة: سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وسيدنا إبراهيم وسيدنا موسى وسيدنا عيسى وسيدنا نوح عليهم جميعاً أفضل الصلاة وأزكى التسليم. هؤلاء الرسل تتكلم الرسل عنهم لأن السورة تتكلم عن أئمة، أئمة الحق في مواجهة أئمة الباطل.

النموذج الأول لأئمة أهل الحق: المثال الذي اتّخذ مثال إبراهيم عليه السلام، إبراهيم أمة واختلف العلماء في معنى (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً (120) النحل)

فقال بعضهم كان أمة وحده في العبادة لم يكن يعبد الله عز وجل في وقت من الأوقات جاء على الدنيا إلا إبراهيم عليه السلام.

والبعض قال أمة يعني إيمانه يزن إيمان أمة كاملة وليس إيمان إنسان عادي.

وقيل أمة لكثرة ما يأتمّ به الناس، الناس تأتم به كما وعده الله عز وجل (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا (124) البقرة) سيدنا إبراهيم الذي قال الله عز وجل في حقه (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) النجم) (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ (124) البقرة) سيأتي ذكره في آيات رقيقة في ختام هذه السورة.

آيات إبراهيم

(وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)

(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ)

(رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)

(رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ)

(رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِن شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء)

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء)

(رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء)

(رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ)

النموذج الثاني لأئمة أهل الحق: هو سيدنا موسى عليه السلام وهو أعظم الرسل شأناً بعد النبي صلى الله عليه وسلم وسيدنا إبراهيم عليه السلام على قول من أقوال أهل العلم لما رتبوا الرسل وضعوا سيدنا موسى عليه السلام في مقام متقدم جداً بين الأنبياء وكل هذه اجتهادات لكن الشاهد أنه من الذين وقفوا في مواجهة الباطل، وجاء ذكر إمام الباطل الذي كان في مقابلته وهو فرعون الذي قال الله عز وجل في شأنه آية (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا (73) الأنبياء) هؤلاء أئمة يدعون إلى النار والعياذ بالله.

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)

(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ)

(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)

(وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ)

في الجهة المقابلة نماذج لأئمة أهل الباطل إبليس وقال الخطبة المشهورة (أسميها خطبة النذالة) الناس الذين اتبعوه وصدّقوه يظهر على حقيقته فيقول لهم (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ (22)) بعد أن كان يعدهم (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ (268) البقرة) انكشفت الحقيقة الآن فيقول (إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم) يريد أن يتبرأ من أتباعه فيقول أن كل ما فعله أنه دعاهم فاستجابوا وهذه حقيقة وإبليس لا يكذب لأنه ليس له سلطان على أحد في الحقيقة، لا أحد يتحجج بالشيطان ويقول (الشيطان شاطر) هو ليس له سلطان على أحد وهو لا يملك إلا الوسوسة وحتى هذه الوسوسة لا تصل إلى القلب وإنما تبقى في الصدر (يوسوس في صدور الناس) لكن للأسف الناس تتحجج به فهو في هذا الموقف يقول الحقيقة (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي) أنتم الذين استجبتم (فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم) كلامه صحيح ولكن يقوله الآن بعدما صدقوه واتبعوه؟! هذه هي النذالة والخسّة الموجودة بين أهل النار وتخاصمهم الذي ذكره الله سبحانه وتعالى في آيات كثيرة لكن لما تصدر من إمام الباطل ويتبرأ فيقول (ِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ) لن ينقذ أحدٌ أحداً مهما استغاث (إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).

هذا نموذج أئمة الباطل إبليس وفرعون خلاف لكن الطابع العام في السورة طابع الخطاب الجماعي فرقة تخاطب فرقة.

السورة عبارة عن مواجهة عامة بين فريق الحق وفريق الباطل والخطاب في أغلبه خطاب جماعي كأن أهل الحق فرقة كلهم مع بعض الأنبياء كلهم يتكلمون بصوت واحد وبكلام واحد في مقابل فريق أهل الباطل بكلام واحد كأنما تواصوا به يردون ويتعاملون مع أهل الحق بنفس الطرق وبنفس المخططات وبنفس الوسائل التي اعتدوا عليها. ومثّلت السورة بسيدنا إبراهيم وسيدنا موسى عليهما السلام من أئمة الحق ومن أئمة الباطل فرعون وإبليس. نضرب أمثلة على الخطاب الجماعي الذي هو يغلب على طابع هذه السورة كأنما يتكلمون بلسان واحد.

في البداية جاءت الرسل كأنها جاءت مع بعض (جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ (9)) مع أن بينهم مسافة واسعة جداً قد يكون بين الرسول والرسول آلآف السنين وبين سيدنا نوح عليه السلام وبين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم آلآف السنين لكن نجد وكأنهم كلهم جاؤوا مع بعض في طريقة واحد بكلام واحد وبشكل واحد والفريق الآخر يردون عليهم بنفس الردود. يقول تعالى (جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ) وفي المقابل نفس فعل رد أهل الباطل جميعاً (فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ) تكميم الأفواه. الرسل جاؤوا بالبينات من عند ربهم وبالمعجزات لكن سبيل أهل الباطل (فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) شاكّين فيما تدعوهم إليه الرسل لا يريدون سماعم وردّوا ايديهم والخطاب جماعي: الرسل جاءت (جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ) في مقابل رد فعل أهل الباطل (فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ) فلم يسكت الرسل بل تكلموا وقالوا (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ) أهل الباطل قالوا (وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) نتعلم من الخطاب الرباني، الرسل والدعاة الربانيون لا يدعون لأنفسهم أو لحزبهم أو لجماعتهم أو منهجهم إنما يدعون إلى الله لا يريدون شيئاً لأنفسهم فهم داعون إلى الله عز وجل حتى عندما يقال له نشك فيك لا يهمه لأنه لا يدعو لنفسه أو لحاجته وإنما يدعو الناس لعبادة الله عز وجل والتوبة له. لذلك لما قيل لهم (وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) لم يكترثوا وقالوا (أَفِي اللّهِ شَكٌّ) هذه هي الدعوة الربانية فهل أنتم في شك من الله؟ (فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ) يدعوكم للمغفرة يدعوكم للتوبة ويدعوكم إلى الجنة (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ (221) البقرة) (فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَـمًّى) في مقابلها قال أهل الباطل (قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا) نفس الكلام ونفس الرد، الرسل تدعوهم إلى الله ولم يذكروا أنهم أفضل من المدعويين ولم يذكروا أنهم ملائكة وليسوا بشراً، لكن كلام أهل الباطل واحد والذي يتكرر إلى يومنا هذا إذا نصحت أحدهم يجيب قائلاً هل أنت أفضل مني؟ هل النصح أو الدعوة تعني أني أفضل منك؟ هكذا كانوا يريد أهل الباطل أن يغرسوا في نفوس الناس، قالوا لسيدنا نوح (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27) هود) هذا من تمام الكبر.

ثم ردت الرسل (قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ) نحن بشر ولسنا ملائكة (وَلَـكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ) الكلام من عند الله، لا نأتي بشيء من عندنا حتى تتبعونا لأنفسنا إنما نحن بشر مثلكم لكن (وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَعلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12)) الكلام جماعي وكان حال الرسل أنهم صبروا كلهم على الإيذاء الذي ألحقه بهم قومهم، في مقابلها (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ (13)).

مميزات الخطاب الجماعي في السورة:

مُيِّز هذا الخطاب الجماعي أنه خطاب النداء، خطاب الأئمة والمتبوعين، الكلام ليس عن مجرد الكفار ولكن التركيز على الأئمة المتبوعين والقادة المؤثرين (الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ)

القدرة على الإخراج: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ) عندهم قوة مادية تمكنهم أن يطردوا الناس من بلادهم وينفوهم.

جبابرة (وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ)

عنهم قدرة على التوجيه والتأثير وعلى أن يتبعهم قومهم (لهديناكم) (وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ) (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ)

عندهم القدرة على الظلم (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13))عندهم أناس ظَلَمة والذي يظلم هو القوي الذي عنده قدرة على الظالم ولذلك قال الله تعالى (وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) السورة تتكلم عن الظالمين وعلى الأقوياء في الباطل.

عمل مؤسسي رهيب للصد عن سبيل الله (وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ)

أساليب أهل الباطل في مواجهة أهل الحق:

ويأتي الكلام في السورة عن هذه الطائفة من البشر طائفة أئمة أهل الباطل ولهم أساليب تتكرر في كل زمان ومكان:

·        أسلوب كتم الأصوات (فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ)

·        أسلوب الكذب والتشكيك (وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ)

·        أسلوب الأذى والبطش. بعد أن يجدوا أن لا فائدة من كتم الكلام والكذب والتشكيك يبدأون بالأذى يقابلها الرسل بقولهم (وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ)

·        أسلوب التهديد والإخراج (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) كما قالوا لسيدنا شعيب عليه السلام (قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا (88) الأعراف) لا يقبلوا الخلاف إما تكون معهم وترضخ لهم أو تخرج فقال شعيب عليه السلام (قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ) بالغصب؟ (قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللّهُ مِنْهَا (89) الأعراف). حتى مع النبي صلى الله عليه وسلم قالوا له نفس الكلام (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ (30) الأنفال) (وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا (76) الإسراء) نفس الكلام ونفس الوسائل المتاحة لكن أهل الحق وأئمة الحق الذين تغرس السورة كيف نكون منهم وكيف نكون حلقة في هذه السلسلة الطويلة التي أوذي فيها موسى عليه السلام وسجن فيها يوسف عليه السلام وأوذي فيها محمد صلى الله عليه وسلم وذُبح فيها يحيى عليه السلام ونُشر فيها زكريا بالمناشير، أنت عضو في هذه السلسلة الطويلة الشريفة تتحمل وتصبر ولا تفعل كما يفعل البعض عندما يُحرَج يسكت، هؤلاء ما سكتوا أبداً ولهذا تتكرر في السورة (قالت رسلهم) الكلام والصدع بالحق كما سيأتي في سورة الحجر.

ثم يأتي المآل:  

سورة إبراهيم تحدثنا عن مآل الأمر حتى نطمئن فتجد مآل في الدنيا والآخرة مع كل هذا الإيذاء تذكر السورة المآل المطمئن (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ) الرسل قاموا بما عليهم ودعوا إلى الله عز وجل ولم يسكتوا يأتي الرد من الله عز وجل (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14)) هذا المآل في الدنيا لأن بعض الناس تعتقد أن المآل في الآخرة، صحيح الكلام عن الآخرة أكثر لكن عندنا يقين أنه في الدنيا هناك نصر أيضاً (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14)) لكن الكلام أكثر عن الآخرة (وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15) مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17)) بعض أهل التفسير ذكروا أن هذه أكثر آية عذاب ووعيد في كتاب الله عز وجل وكلمة (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ) قال بعض المفسرين يأتيه الموت من تحت كل شعرة في بدنه لأن هؤلاء ليسوا ظالمين عاديين وإنما أئمة الظلم في العالم وقادة الباطل في الدنيا وهؤلاء بدايتهم إبليس ولهذا عذابهم ليس أيّ عذاب (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ) وبعد أن يأتيه الموت من كل مكان (وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ) ويحاول الأتباع أن يتبرأوا ويقولوا (فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ (21)) حوار بين المستضعفين والمستكبرين لكن في النهاية هم في نفس المصير.

لكن مآل الصالحين مختلف في هذه السورة ويعلمنا الله عز وجل (وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ (23))

هذه سورة إبراهيم لا ننسى خاتمتها والأمثلة العظيمة التي ضربت في هذه السورة (مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ (18)) في سورة الرعد شبهه الله عز وجل بالزبد (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ (17)) وهنا يشبهه بتراب وفي سورة النور كسراب بقيعة (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39))، وهذه حقيقة الباطل مهما ظهرت قوته هو في النهاية تراب، زبد أو سراب أو شجرة خبيثة كالمثال الثاني في السورة (وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ (26)) أما الحق فهو الراسخ (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25)) كلمة التوحيد، كلمة الحق (أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء) الأُكل آت والثمرة آتية وهذا وعد ربنا سبحانه وتعالى (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25)) ويختم (يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء (27))

وتختم السورة بالبلاغ لأن كل هذه السورة تتكلم عن حقيقة البلاغ حتى نفهم حقيقة الصراع بين الحق والباطل (هَـذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ (52)) ينبغي أن نفهم معنى الصراع بين الحق والباطل وأن نكون من أئمة الحق أو في ركابهم في هذه السلسلة الطويلة التي يقودها الأنبياء أسأل الله عز وجل أن نكون معهم وأن نكون ممن يقتفي أثرهم وممن يقتدي بهم.

*******************

ملخّص السورة

المقدمة: بداية الكلام عن الكتاب والرسالة وحملها ودور حامل الرسالة (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) وانتقاء لغة توصيل الرسالة (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) لكن الطريق ليست مزينة بالورود وسيحارب حامل الرسالة (الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ) فيجب عليه الاستعداد وهو ليس بدعاً في ذلك وإنما سبقه كثيرون فأوذوا.

ثانياً ذكر تفاصيل الصراع الكلي بين الحق والباطلوأساليب أهل الباطل في مواجهة أهل الحق:

كتم الأصوات ( جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ)

التكذيب والتشكيك (وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) (قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ)

الأذى والبطش (وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ)

ما وليس الذي (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) نفس ما قالوا لشعيب (قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ* قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) ولمحمد صلى الله عليه وسلم (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً (76) سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً (77) الإسراء)

كل الوسائل مباحة لديهم المهم أن يُسكتوا حَمَلة الرسالة. لكن حملة الرسالة لم يسكتوا أبداً (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى) (قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12)) فلما وصل التصادم إلى مرحلته القصوى فالرد ليس لكم بل الرد من عند الله (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ)

ثالثاً النتيجة والمآل في الدنيا والآخرة

(فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ) (وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ)

كلمة موسى استعينوا بالله واصبروا

لكن طبعا الكلام الاكثر عن المآل الأخروي فقد لا يرى العامل ثمرة بذله ونصر الله على الظالمين في الدنيا كما حدث مع خديجة ومصعب وسمية، بعض الناس يمكن أن ينتكس لتأخر الفتح وهذا بسبب التعليق الدنيوي المادي دائماً من المربّين، نحن قوم طلاب آخرة.

مآل الظالمين في السورة رهيب فهم أئمة الباطل وتجد يغلب عليه خاصيتان:

·        الإهانة والذل

·        الشدة والبطش

نفس الأسلوب الذي اتبعوه في صراعهم مع أهل الحق.

أشد آية عذاب في القرآن في هذه السورة (وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15) مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17)) من تحت كل شعرة في جسمه سببٌ للموت، طعنة من هنا وحرق من هناك ومرض وتمزيق. وبعد هذا كله (وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ)

وكذلك

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل