في صحبة القرآن - سورة الحجر

في صحبة القرآن - سورة الحجر

د. محمد علي يوسف

(التفريغ حصريًا لموقع إسلاميات)


نحن نعطي مفاتيح للسورة وليس تفسيراً كاملاً، كثير من الناس تقرأ ولكن قليل من يعمل والهدف الرئيسي من هذا الكتاب هو العمل وليس كتاب تحصيل حسنات، هذه الحسنة هدية فلا ينبغي أن تشغلنا الهدية عن الوصية، عندما تقضي وقتاً طويلاً جداً لكي تكسب حسنات هذا جيد إن شاء الله تثقل موازينك لكن ليس هذا هو المقصد من إنزال الكتاب، أنت تأخذ ثواباً على كل الأذكار إنما هذا الكتاب فيه توصيات عملية لإصلاح دين الناس ودنياهم، لإصلاح الحياة ولإصلاح علاقتك بالله سبحانه وتعالى وليس فقط أن الحرف بعشر حسنات فإياك أن تكون هذه فقط نظرتك لكتاب الله عز وجل لأن هذا كلام الله سبحانه وتعالى.

تكلمنا في المرة السابقة عن سورة إبراهيم وذكرنا أنه كان يغلب عليها طابع الصراع العنيف بين الحق والباطل وكيف أن أهل الباطل هددوا أهل الحق (لَنُخْرِجَنَّـكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13)) وكلام عن الجبارين (وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15)) كلام تشعر أن هناك صراع عنيف في سورة إبراهيم عليه السلام.

سورة الحجر فصل جديد في فصول الصراع لكنه فصل مختلف، فصل يناسب خاتمة سورة إبراهيم والتي فيها قول الله عز وجل (وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)) هذا المكر وهذا التدبير وهذا الدهاء يكاد لو سُلّط على جبل أن يزيله، فتخيل هذا التآمر وشكل هذا المكر! فهذا الكلام عن ختام سورة إبراهيم بعد التذبيح الذي مارسه فرعون والقسوة التي استعملها أهل الباطل مع أهل الحق نجد أن الكلام في سورة الحجر له علاقة وثقية بختام سورة إبراهيم، كلام له علاقة بالمكر، جهد مكر أهل الباطل على أهل الحق، المكر هنا وبأسلوب أسميه أسلوب الحجر.

والحجر باختصار هو الحاجز المانع الشيء الذي يتحصّن فيه، الذي يمنع والذي يحجز، الجدار، ومعاني أخرى كثيرة سنذكرها ووردت في القرآن. لكن الفكرة أن هناك جهد لأهل الباطل في منع الحق من الوصول إلى الناس وفي حصار أهل الحق حتى لا يصلوا، تشعر أن هناك حصار مزدوج: حصار حول الناس حتى لا يصل لهم الحق وحصار حول أهل الحق حتى لا يتمكنوا من إيصال الحق الذي معهم.

سورة الحجر فصل جديد من هذا الصراع لكن الصراع هنا أكثره صراع فكري، صراع الفتنة، صراع الشبهة، صراع التكذيب والتشويه وقد ذكرنا في سورة آل عمران أن جهد الشبهات أخطر من جهد حرب السيف المباشرة فالله سبحانه وتعالى قال (والفتنة أشد من القتل) و(والفتنة أكبر من القتل) أن تفتن الناس عن دينها هذا أخطر لأنه لو مات على هذه الفتنة يذهب إلى النار والعياذ بالله! وهذا لا يعني أن الحرب تُطلب فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا تتمنوا لقاء العدو فإذا لقيتموهم فاثبتوا. لكن الفكرة أن الحرب المادية لما تُقتل فلك إحدى الحسنيين إما نصر وإما شهادة، إما أن أكون منتصراً بإذن الله أو أكون شهيداً عن ربي سبحانه وتعالى أما المفتون فهو يضلّ والعياذ بالله ويغيّر ويبدّل.

سورة الحجر تعلمنا هذه القضية وكيف أن جهد أهل الباطل يتنوع وأن المسألة لا تقتصر على الضرب والإخراج والإهانة والإيذاء ولكن أحياناً يكون هناك جهد متخفّي جهد الغواية وجهد التسكير وقد تكرر لفظ التسكير في سورة الحجر أكثر من مرة (لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا (15)) (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)) والسُكر هو الإغلاق إذا سكّرت شيئاً معناه أنك تغلّقه وسمي الخمر مُسكراً لأنه يسكّر العقل ويخمّر العقل يغطي عليه فلا يفقه الإنسان شيئاً فمن جهد الباطل أنهم يغطوا على الحقّ. سنجد هذا المعنى في السورة.

نزلت سورة الحجر على الراجح في النصف الأول من العهد المكي وتحديداً في السنة الرابعة من البعثة كما قال بن عاشور حيث ارتبط نزولها بآية خطيرة جداً أحدثت فرقاً في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وفي حياة الصحابة رضي الله عنهم. الدعوة في مكة كان لها مراحل، في البداية كانت الدعوة سرّية وكان المسلمون يجتمعون في دار الأرقم وفي سورة الحجر آية نقلت الدعوة من دعوة سرية إلى دعوة جهرية وهي قول الله عز وجل (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94)).

ذكرنا أن الحجر هو الجدار، الحاجز، الحصن، ويأتي مقابلها (صدع) من التصديع، صدّع الشيء أي شققه فكلمة الحق تشرخ جدار الباطل وتصدغ وتشقق الجُدُر التي يضعها أهل الباطل. يقول ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: "ما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفياً حتى نزلت فاصدع فخرج هو وأصحابه "ولذلك الترجيح أن السورة نزلت في النصف الأول من العهد المكي قبل الهجرة.

وكلمة الحجر وردت في القرآن أكثر من مرة وكلها تأتي بمعاني متشابهة لها علاقة بمسألة العزل. ويمكن أن نقول أن جهد أهل الباطل في سورة الحجر العزل، يعزلون الحق ويعزلون الناس عن الحق فهو جهد مزدوج. 

وورد ذكر الحجر في القرآن بهذه المعاني في خمس مواضع منها الآية في سورة الحجر:

1.    (هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ (5) الفجر)

2.    (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (22) الفرقان) حجاباً ساتراً يطلبون أن تُبعد عنهم النار والعذاب.

3.    (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (53) الفرقان) فاصلاً دقيقاً لا تطغى المياه المالحة على المياه العذبة.

4.    وقول الله عز وجل في سورة الأنعام (وَقَالُواْ هَـذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نّشَاء بِزَعْمِهِمْ (138)) ممنوعة.

5.    كل مواطن الحجر تأتي بمعنى المنع، الحماية، العزل، الجدار، الفصل وفي سورة الحجر جاءت في قول الله عز وجل (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80)) وهم قوم ثمود الذين نحتوا في الجبال بيوتاً جعلوها حصنهم، جبالهم تحصّنهم وطنوا أنها ستعزلهم عن عذاب الله، ستعزلهم عن بطش ربهم إذا عصوه لكنها لم تمنعهم شيئاً ولم تنجيهم من عذاب الله لما جاءهم.

علاقة هذا الحجر بموضوع السورة:

الجهد الذي تركز عليه هذه السورة جهد فصل الناس عن دين الله سبحانه وتعالى فكان لا بد أن يأتي موضوع الصدع وموضع تكسير هذا الجدار الذي من المقاصد الشرعية يجب أن يُكسر، ينبغي لأهل الحق أن يصدعوا. واليوم هناك جهد شديد أن يشكك الناس في هذه الفكرة، موضوع أن تصدع بالدين يقال لك دع الدين بينك وبين الله وهو علاقة بين العبد وربه فلا تتكلم في الدين ودع الناس من شاء منهم يؤمن ومن شاء يكفر ومن شاء منهم يُلحد ومن شاء منهم يعصي، ويبدأ التشكيك في هدف الداعي إلى الحق بأنه يقوم بالدعوة ويصدع بها لأجل الدنيا أو لأجل الشهرة أو المال فيبدأ يشكك في الذين يصدعون لأنه يرفض فكرة الصدع من أساسها. لكن هذا مقصد شرعي والله سبحانه وتعالى أمر به (فاصدع) تكسير لهذه الجُدُر وتكسير هذا الحائط المنيع الذي يضعه أهل الباطل أمام الحق وأمام الناس لكي لا يصل إليهم الحق ويظنون أنهم بهذا يحمون أنفسهم! خرجت علينا إحدى الإعلاميات منذ أيام قليلة وقالت: امنعوا أولادكم من الذهاب إلى المساجد. ألهذه الدرجة؟! يظنون أنك بهذا تحفظ نفسك من هذا الدين! أنت تحفظ نفسك بالدين لأنه من عند الحفيظ سبحانه وتعالى (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا (64) يوسف) وفكرة الحفظ تتكرر كثيراً في السورة التي تذكر جهد أهل الباطل في العزل وجهد أهل الحق في الصدع وحفظ الله عز وجل لأهل الحق ولدينهم ودنياهم.

نأتي للتفاصيل:

سورة الحجر تعرض لنا القصة من بدايتها من بداية خلق سيدنا آدم عليه السلام (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (26) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ (27) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ (29) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِين (31) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (33) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35) قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38))

وهنا بداية الحرب، توعّد إبليس أن يزين لأتباعه سجنهم الذي يعزلهم فيه (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39)) والدنيا سجن المؤمن ، يتوعد إبليس أنه سيحبسهم في سجن من ذهب، الذي سيحيطهم به إبليس سجن مزّين (لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) سيعمي أعينهم بالغواية! تخيل أنه سجن وأنت تعرف أنه سجن وتعرف أنه مؤقت وفترة حبسك فيه مؤقتة وتكون مفتوناً بالزينة التي وضعها إبليس ولو كان قفصاً من ذهب فإنه يظل في النهاية قفصاً يحدّ حريتك إنما الحرية الحقيقية في الآخرة. فتجد إبليس يُنسي ويزيّن ويتوعّد بهذه السكرات وهذه الشهوات وهذه الغواية وهذا الحصار الشامل، إبليس عمل حصاراً شاملاً (أجمعين) أي الكل إلا استثناء واحداً استثناء من استخلصهم الله من هذا الحصار فقال (إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)

من معاني سورة الحجر تكلمنا عن حصار مضروب على الناس حتى لا يصل إليهم الحق وأؤكد أننا لا نحكم حكماً جازماً أن هذا هو الموضوع الوحيد، فأسرار القرآن وعجائبه لا تنقضي ولكن هذه محاولة للتدبر والتأمل والفهم، هذا أحد المعاني وأعتقد أنه أحد أهم المعاني بل أهمها وقد يجد غيري معنى آخر بحسب تدبراته وتأملاته والله عز وجل جعل التدبر والتأمل والفهم نعمة يمنّ بها على من يشاء فلعل الله عز وجل يفتح في سورة على أحد ويفتح في سورة على آخر ولكننا نحاول ونتدبر ونتذاكر.

قلنا أن إبليس توعد في هذه السورة وقال (وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) الكل، ولكن هناك استثناء (إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) فردّ الله عز وجل عليه (قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42)) نذكر في سورة إبراهيم لما قال إبليس (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي (22)) إبليس له سلطان إلا أنه يدعو ويتكلم. إنما هناك أناس يصطفيهم الله سبحانه وتعالى ويستخلصهم ويتنزعهم من هذا الحصار وهم المخلَصين. واللام عندما تُفتَح تعطي معنى غير المخلِص، المخلص بكسر اللام هو الذي قلبه مع الله عز وجل فقط أما المخلَص فهو الذي اصطفاه الله وخلّصه، جوارحه، حياته، كلها لله عز وجل. فالمخلَص درجة أعلى من المخلِص مع أنها مرتبة عالية رزقنا الله الإخلاص لكن الاستخلاص أن يستخلصك الله عز وجل لنفسه ويصطنعك لنفسه نسأل الله عز وجل أن يرزقنا من فضله.

(قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43))).

طرق حصار الحق وأهل الحق

ويستمر الصراع والحصار المراد في سورة الحجر حصار كامل وأهل الحق يحاولون دائماً أن يصدعوا هذا الجدار فلا بد أن يكون الحصار من نوع مختلف فتجد استراتيجيات متنوعة وتعرض لنا السورة أنواع كثيرة منها:  

الطريقة الأولى: من ضمن طرق الحصار التشويه، تشويه حملة الحق، يحاصرك بأن يشوّهك تسمع قول الله عز وجل (وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) يشوه عقله بأن يدعي أنهم مجاني أو لديهم أمراض نفسية ويقول في آية أخرى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ (10) وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ (11)) السخرية والاستهزاء بأهل العلم وصحيح أن العلماء والشيوخ هم بشر يخطئوا ويصيبوا لكن لما تشوه دائماً بالناس وتُظهر دائماً الجانب السيء منهم وتُظهر أخطاءهم وتسهتزئ بها من أين يتعلم الناس دينهم؟! هل يسألون هؤلاء المستهزئين من أهل الباطل؟! عندما يحب أحد الناس أن يسأل أهل الذكر كما أمرنا الله سبحانه وتعالى (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) النحل) فمن أين يأتي بأناس معصومين ليسألهم؟ كل الناس تُخطئ، ولو أمسكنا بخطأ كل واحد فينا لقضينا الوقت نستهزئ! وسيلة الاستهزاء وسيلة قديمة (وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ) كان يستهزئون بالرسل. سيدنا موسى عليه السلام قالوا عنه أنه آذر لأنه لم يكن يحب أن يتكشف شيء من جسده أمام الناس فيقولون عنده أذى في جلده، تشويه وازدراء واستهزاء، طريقة معروفة في حصار الناس وإبعادهم عن حملة الحق. يقول الله تعالى (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ) النبي صلى الله عليه وسلم يضيق صدره علماً أن صدره صلى الله عليه وسلم رحب وواسع وصبور وحليم لكن أن يصل إلى درجة أن يضيق صدره فماذا تراهم يقولون؟ لا بد أنهم وصلوا لمراحل صعبة جداً من الازدراء والاستهزاء! هذه الطريقة الأولى. (كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى المُقْتَسِمِينَ) وهؤلاء مجموعات كان يقسمون أنفسهم في الحج إلى 16 رجل ويقفوا عند كل باب وكل مدخل من مداخل مكة ليصدوا الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم فيقول بعضهم أنه ساحر ويقول غيره أنه مجنون ويقول آخر أنه كاهن وآخر يقولكذّاب، ويشوّهوا. فالطريقة الأولى إذن طريقة

الطريقة الثانية: طريقة العزل. كما ذكرنا في سورة إبراهيم (فردوا أيديهم في أفواههم)وهنا قالوا (قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ) عندما تكلموا مع سيدنا لوط وكلبوا منه ألا يتكلم مع أحد ولا يتواصل مع أحد، عزل تام وحصار كامل.

الطريقة الثالثة: الكذب. (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ (14)) عندما رأوا الآيات العظيمة التي خلقها الله عز وجل (لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ (15))

الطريقة الرابعة طريقة التعجيز (لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (7) مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذًا مُّنظَرِينَ (8)) يحاول أن يطلب شيئاً تعجز عنه. أذكر مرة أحد الناس قال أيها المتأسلمون أخبروني بإجابة هذا السؤال ما هي السورة التي فيها ألف أمر وألف نهي، هل يريد هذا تعجيزنا؟ لو وفقني الله واستطعت الإجابة ولكن افترض أني لم أستطع الإجابة؟ (وفوق كل ذي علم عليم). فأسلوب التعجيز هذا أسلوب مدروس ومتّبع.

الطريقة الخامسة: حجاب الشهوة وسكرتها التي تعمي عن رؤية الحق وتطمس الفطرة ،السكرة. وقد ذُكرت هذه السكرة في قصة لوط عليه السلام والتي نحتاج أن نتأملها لندرك أين وصل طمس البصيرة وطمس الفطرة بالقوم وكيف استطاع إبليس أن يطمس على فطرتهم إلى هذه الدرجة أنهم يريدون أن يدخلوا ويقتحموا على سيدنا لوط عليه السلام الدار حتى يأتوا الرجال شهوة من دون النساء وهو عليه السلام يقول لهم (قَالَ هَؤُلاء بَنَاتِي إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ) هؤلاء بناتي تزوجوهم بالطريقة الحلال التي شرعها الله عز وجل الطريق الذي جعله الله عز وجل بين الناس يتزوج الرجل والمرأة وتحدث الذرية والتكاثر في الأرض، فقالوا (قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79) هود) نحن لا نريد النساء، نحن نريد هذه الشهوة المحرّمة لدرجة أنه زرع فيهم الشهوة حتى قال الله عز وجل (لَعَمْرُكَ) أقسم الله عز وجل هنا بعمر النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال (إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) العمه من العمى كأن السكرة جعلتهم عمياً لا يرون أمامهم.

الطريقة السادسة: الفتنة من خلال الكهانة والعرافة والسحر (إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ) التي تخاطب أهم فتنتين الأمن والرزق.

أنواع القوة في مواجهة الحصار

هذه طرق متعددة وحصار مزدوج وأمام هذا الحصار حصار العزل والتشويه والفتنة والشهوة والتكذيب نحتاج إلى قوتين:

قوة  الصدع من حَمَلة الحق (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) (فاصدع بما تؤمر)

والقوة الثانية والأهم هي قوة حفظ هذا الدين وأهله أمام تلك الحملات الشعواء (قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) هود) ولذلك نجد في السورة (نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ) تكلم ولا تسكت ولا تخضع أبداً لهذا الحصار مهما كان يضيق صدرك (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ) لكن أعرض ولا تلتفت لهذا واستمر في جهد الصدع فلما تصدع وتصرّ على هذا الاستعلاء بكلمة الحق ساعتها تأتي قوة الحفظ وربنا يطمئنا في هذه السورة أن كل شيء محفوظ في هذه السورة، قوة الحفظ من عند الله عز وجل في الدنيا والدين.

فالرزق: يضمنه الله عز وجل (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ)

وحتى الماء: لو حاولتم أن تخزنوه لن تقدروا (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ)

الأجل: (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ) لا تخاف أن يقتلوك لأن الله عز وجل هو الذي يحيي ويميت.

الأمن: يضرب الله سبحانه وتعالى مثل لأصحاب الحجر الذين ظنوا أن بيوتهم ستحميهم، هل أمنوا من مكر الله عز وجل؟ أبداً بل أُخذوا بالصيحة وأتاهم الله عز وجل من حيث لم يحتسبوا (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ (81) وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِين (82) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (83) فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (84))

حتى التوازن البيئي يحفظه: الأرض (وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ (19)) والسماء (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ)

هذا في الدنيا.

الدين محفوظ أيضاً، هل أنت خائف على دين الله؟ يقول الله عز وجل (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).

خائف على القرآن؟ الله عز وجل يقول أنه سيحفظه.  

خائف على الدين والتقوى؟! (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) لو أنت من عباد الله حقاً فإن الله سبحانه وتعالى يحفظك من مكائد الشيطان ويجعل لك حفظاً وعصمة من عنده سبحانه وتعالى.

خائف من الفتن والسحر والكهانة  (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ)

خائف على النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يستهزئون به؟ (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ)

خائف على آخرتك؟ الله سبحانه وتعالى يضمنها لك لو كنت على الحق وتصدع به (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45) ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ (46) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ (47) لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48))

كل شيء محفوظ في هذه السورة بأمر من الله عز وجل.

أهم توجيه في هذه السورة أمام كل جهد أهل الباطل في الحصار والفتنة والتشويه لا بد من جهد الصدع وجهد العبادة (وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ) (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) تماماً كأول ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) المزمل) (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2) المدثر). جهد الدعوة وجهد العبادة: فاصدع فلما حزنت من كلامهم وضاق صدرك قال الله تعالى (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (98)) سبح ربك واسجد لربك وتقوى بعبادة الله عز وجل (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)) أي حتى يأتيك الموت ولا تمدن عينيك إلى الدنيا (لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (89)) توجيهات آخر السورة.

أهم توجيه في السورة من التوجيهات الدائمة للنبي صلى الله عليه وسلم في فترة البعثة فترة الاستضعاف التي تجعل الناس أحياناً تضيق صدورها بما يحدث جهد الدعوة لا يقف، تصدع وتعرض عن المشركين وتعبد الله عز وجل هذا يكون خير عون لك في صدع جدار الباطل وفي صدع حصار أهل الباطل.

 هذه باختصار سورة الحجر جهد أهل الباطل في الحصار وجهد أهل الحق بالصدع وحفظ الله عز وجل لمن صدع بالحق ولمن أعلى كلمة الله سبحانه وتعالى نسأل الله أن نكون منهم وممن يصدعون بكلمة الحق ويعرضون عما سواها إنه ولي ذلك والقادر عليه. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل