في صحبة القرآن - سورة الإسراء

في صحبة القرآن - سورة الإسراء

د. محمد علي يوسف

(التفريغ حصريًا لموقع إسلاميات)

سورة الإسراء من السور التي لها معدّل قرآءة عالي، هناك سور اختارها الله عز وجل وأخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله أو بفعله أن هناك تفضيلاً لها في معدل القرآءة، من ضمنها سورة الإسراء كما في الحديث عن السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها والحديث في السلسلة الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا ينام حتى يقرأ الزمر وبني إسرائيل. وبني إسرائيل من ضمن أسماء هذه السورة التي لها ثلاثة أسماء: بني إسرائيل، والاسم المشهور الإسراء وسبحان كما يقول عنها بعض العلماء نسبة لأول كلمة فيها في قوله تعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)

سنتناول سورة الإسراء كما شرحنا سابقاً سورة التوبة من خلال أسمائها التي يمكن من خلالها معرفة موضوع السورة ومعرفة أهم الرسائل التي يريد الله عز وجل أن يوصلها إلينا وأن تترسخ في قلوبنا لاسيما أنها تُقرأ بهذا المعدل العالي، النبي صلى الله عليه وسلم كان لا ينام يومياً دون أن يقرأها وسورة الزمر، حياة النبي صلى الله عليه وسلم كلها قرآن، في ورده اليومي، في صلاته، في قيامه، قبل أن ينام يقرأ ببعض الآيات أو سورة الإسراء وسورة الزمر.

أسماء السورة

كل اسم من أسماء السورة يتعلق بأهم المواضيع التي تغرسها فينا هذه السورة العظيمة.

الاسم الأول الذي ورد في حديث السيدة عائشة رضي الله عنها: سورة بني إسرئيل

سميت السورة باسم بني إسرائيل رغم أنهم مذكورين بكثرة في القرآن ومن أكثر المواضيع التي ذكرت في القرآن الكلام عن بني إسرائيل وقصة موسى عليه السلام وعن ما فعله بني إسرائيل بعد ذلك مع موسى وأنبيائهم عليهم السلام. لكن هذه السورة سميت ببني إسرائيل لارتباط بموضوعها، هذه السورة تغرس فينا معنى العطاء والمنع. بنو إسرائيل يقولون عن أنفسهم أنهم شعب الله المختار والحقيقة أن بني إسرائيل كانوا في لحظة من اللحظات مختارين، قال الله سبحانه وتعالى (وَلَقَد اخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (32) الدخان) اختارهم على علم وفضّلهم (وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16) وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17) الجاثية) لكن هذا التفضيل لم يستمر وانتقلت الإمامة وانتقل الاستخلاف وانتقل التفضيل من أمة بني إسرائيل إلى أمة أخرى. فهذه القصة قصة بني إسرائيل التي ذكرت في أول السورة وتلخيص معنى العطاء والمنع (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴿٤﴾ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ﴿٥﴾) القصة تلخص هذا المعنى الذي له ارتباط شديد بحادثة الإسراء التي هي احتفال بانتقال الإمامة إلى أمة النبي صلى الله عليه وسلم، حالة من الاستبدال. بنو إسرائيل كانوا الأمة المختارة، الأمة التي فيها العلم، الأمة التي أُرسل لها أنبياء وراء أنبياء (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) البقرة) لكن هذا الاختيار لا يستمر لأن الله سبحانه وتعالى لا يحابي أحداً ولا يجامل أحداً فالذي لا يكون على قدر الاختيار وعلى قدر الأمانة تتحقق فيه القاعدة التي وردت في السورة (وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً) سنّة الله عز وجل أن من فرّط يُستبدل. نجد في سورة بني إسرائيل حالة استبدال (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا) سيكون عندهم قوة يأتي الاستبدال (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ﴿٥﴾ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ﴿٦﴾) لهم صيت وسمعة ونفير ولكن مع هذا (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ) و(وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) وهذا ما حصل (فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا) حالة الاستبدال واضحة جداً في السورة وتكرر في القرآن لأن هذه الأمة أكثر أمة مفسدة شهدها تاريخ البشرية، إفساد رهيب ولو تكلمنا عن جرائمهم (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا) الإفساد مستمر عبر أجيال وأجيال، وتآمرهم وأفعالهم تجد في كل مصيبة في تاريخ الأمم لا بد أن تجد فيها يهودياً يحرّض، غزوة أُحد فيها تحريض من كعب بن الأشرف، في غزوة الخندق فيه سلّام الذي ألّب الأحزاب على النبي صلى الله عليه وسلم، بني قريظة ألّبهم حيي بن أخطب، عبد الله بن سبأ وفتنة التشيّع والرفض وبداية هذا الأمر، هذه الأمة قال الله سبحانه وتعالى عنها (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ (82) المائدة) حتى في التاريخ المعاصر أمثال هرتزل وفرويد وكارل ماركس وأتاتورك الذي أدخل العلمانية إلى تركيا، كل هؤلاء كانوا ذوو أصول أو علاقات يهودية، كل هذا يشمل معنى الإفساد (كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64) المائدة) هذه خاصية من خصائصهم، الإفساد في الأرض. إن التمكين مرتبط بالطاعة كما قال الله سبحانه وتعالى (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41) الحج) وبنو إسرائيل لم يفعلوا هذا فحصل لهم استبدال (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا) العلماء اختلفوا في مسألة الوعد الأول والثاني، الإفساد الأول تبعه هذا الإهلاك قيل أنه الذي حصل على يد بنوخذنصر ملك الفرس قتل منهم واحتل أرضهم وقيل الثاني الروم لما احتلوا الأرض، وبعض العلماء قالوا أن الوعد الثاني لم يأت بعد وهم الآن في مرحلة الإفساد الثاني والتتبير المنتظَر سيأتي على يد المؤمنين في آخر الزمان كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم حين يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر فيقولان يا مسلم هذا يهودي خلفي فاقتله. القاعدة المحكمة التي في السورة هي (وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا) إن عدتم للأفساد عدنا لاستبدالكم لأنكم أفسدتم وهذه سنة الله عز وجل التي لا تتحول، سنة التفضيل الذي يتبعه استبدال. والملاحظ أن ألفاظ التفضيل وأسلوب التفضيل يتكرر في السورة:

(وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النبيين على بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً)

(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ)

(إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا).

(انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً)

(أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا)

(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)

(قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً)

هذا التفضيل وفي مقابله نجد الاستبدال والإهلاك، يتكرر في القرآن دائماً (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) تفضيل وتدمير مرتبط بالعمل.

الاسم الأول للسورة (بني إسرئيل) والنموذج الذي ضربه الله تعالى لأمة كانت نفضّلة اختارها الله سبحانه وتعالى على علم ومع ذلك حدث التدمير والإهلاك والاستبدال الذي حدث في قصة الإسراء. الله عز وجل له سنن ثابتة من ضمنها إذا أفسد الإنسان استُبدل (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا) بأوامر ونواهي (فَفَسَقُواْ) لم يأتمروا بهذه الأوامر ولم ينتهوا عن النواهي ففسقوا فيها (فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) سنة الله عز وجل ولن تجد لهذه السنة تبديلاً ولا تحويلا. الله عز وجل قطع بهذا.

وفي السورة نجد قصة إبليس وكان يعبد الله عز وجل مع الملائكة ذكر الله تعالى قصة استبداله بعد أن كان من العابدين ثم عصى (قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً) بعدما رفض السجود آدم (أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا) (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا) مُنع ابليس وطُرد من رحمة الله عز وجل واستبدل رغم أنه كان في البداية طائعاً لله لكنه لما أفسد وخالف وبدّل "فلما بدّلوا استُبدلوا" هذه هي القاعدة، تبدِّل تُستبدَل، تبقى على طاعة الله عز وجل وتطيع يبقى لك التفضيل ويبقى لك المكانة.

المنع سنة عامة (وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً) النبي صلى الله عليه وسلم لم يركن لكن الكلام لتمام القاعدة (وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً (74) إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا) هذا الكلام قاعدة عامة لو ركن النبي صلى الله عليه وسلم للكفار أو فرّط أو استبدل أو غيّر ستكون النتيجة (ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا) وهذا أمر مشاهد في الدنيا التفضيل يليه الاستبدال.

ننتقل إلى الاسم الثاني وهو (الإسراء)

حادثة الإسراء، هذا التشريف وهذا الاجتماع كله شرف، حتى الدابة التي نقلت النبي صلى الله عليه وسلم دابة شريفة وهي البُراق هذا المخلوق الذي ليس له نظير وليس له ذكر إلا في هذا المقام الذي انتقل فيه النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الاجتماع النبوي كما ورد في بعض الروايات العلماء عدّوا 25 ألف نبي و300 رسول وتخيل الأنبياء إبراهيم وإسماعيل ويوسف ويونس وهود ولوط عليهم السلام وكل الأنبياء يقفون في هذا الاجتماع كأنه احتفال لن يتكرر ولن تشهد البشرية مثله إلا في هذا الموطن والنبي صلى الله عليه وسلم بعدما صلّى ركعتين ثم عُرج به إلى السماء ثم عاد إلى الأرض ليصلي بهم يقدّمه جبريل ليصلي بالأنبياء وكان وراءه إبراهيم عليه السلام وآدم أبو البشر وإسماعيل وهنا تظهر رمزية الانتقال، انتقلت الإمامة، كل الأنبياء قبل النبي صلى الله عليه وسلم كانوا مبعوثين لبني إسرائيل وكانوا ينتظرون نبي آخر الزمان وكانوا يستفتحون به على الذين كفروا لكن النبي جاء من العرب وبدأ التغيير وبدأ الاستبدال، الإمامة تنتقل هنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المكان المبارك الذي بارك الله سبحانه وتعالى حوله نسأل الله تعالى أن يرزقنا فيه صلاة قبل الممات أو شهادة على أعتابه إنه ولي ذلك والقادر عليه. فالمعنى هنا فيه انتقال لهذا الحشد الرهيب وسيد الملائكة واقف وسادة البشرية وأعظم رجال شهدتهم البشرية كلهم قدّموا النبي صلى الله عليه وسلم لكي يقود المسيرة ولكي تبدأ أمته القادمة أن تكون هي المستخلَفة لكن بشروط وهذا ما سنتكلم عنه في الجزء الثاني من السورة المتعلق بالإسراء وهي انتقال القيادة والإمامة. وكما أن هناك أسباباً للاستبدال هناك أسباب للقيادة. حتى تكون أمة مستخلفة، حتى تكون خليفة في الأرض لا بد أن تحقق شروطاً إذا تحققت يُنال الاستخلاف والله سبحانه وتعالى لا يحابي أحداً ولا يجامل أحداً، إنما هناك شروط معينة تعرضها هذه السورة، من هذه الشروط:

تعلق القلب بالآخرة وعزوفه عن حب الدنيا وإرادتها (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ﴿١٨﴾ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ) إرادة الدنيا استوجبت العذاب كما ورد في سورة هود وفي سورة يونس (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ (15) أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (16) هود) مجرد الإرادة كافية لتستوجب العذاب أما الآخرة فلا بد من السعي لها. إذن من صفات الأمة المستخلفة أن القلوب لا تميل إلى الدنيا وأنها متعلقة بالآخرة، تعمل في الدنيا وتنتج لكن القلب ليس متعلقاً بهذا الجدي المتعفّن الذي مرّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من يشتري هذا؟ قالوا من يشتريه وهو أسكّ معيب، لو كان حياً لم نشتريه فكيف نشتريه وهو معيب قال للدنيا أهون على الله من ذلك وفي الحديث الآخرة "أهون على الله من جناح بعوضة.

الصفة الثانية للأمة المستخلفة وصناعة القائد الخليفة أن يكون من خصائصه أخذ الكتاب بقوة كما قال الله سبحانه وتعالى ليحيى (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ (12) مريم) وقيل لبني إسرائيل (خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ (63) البقرة) لكنهم للأسف لم يأخذوه. سورة الإسراء تمتلئ بالأوامر الحاسمة بلهجة حاسمة في أغلب آيات السورة كأنها دستور، ميثاق، قانون، فهي تتحدث عن مرحلة انتقال خلافة، (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ) كلمة (قضى) (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ) (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ) اللهجة الحاسمة الآمرة، بحاجة لأخذ الكتاب بقوة، أوامر حاسمة (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا ﴿٢٥﴾ وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴿٢٦﴾ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ﴿٢٧﴾) لهجة حاسمة في آيات الأوامر هذه (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا ﴿٢٨﴾ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ﴿٢٩﴾) لهجة آمرة حاسمة وأيضاً لجة التهديد والوعيد لمن يخالف هذه القوانين وهذا الدستور الوارد في سورة الإسراء (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) (فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا) (فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً) (يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا) (إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءًا كَبِيرًا) (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً) (فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ) (كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا) هذا أخذ الكتاب بقوة والقوة والعزيمة في مواجهة الباطل. أخذ أوامر الله سبحانه وتعالى بقوة ولا تمايع أمام الباطل كأن السورة فيها جو حرب كما ذكرنا في الآيات المتعلقة بالشيطان (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ) خيل ورجل، حرب، الشيطان عدو وهناك علاقة وحسم وحرب (وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا) الكلام حاسم مع اليهود أيضاً (بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً) (وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا) (وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا) الكلام حاسم مع المكذبين بالبعث (وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا) الرد الحاسم القوي على المكذبين بالبعث (قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا ﴿٥٠﴾ أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا ﴿٥١﴾) الكلام حاسم مع المشركين (قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً) مع المجادلين وأهل الشبهات (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) حتى مع التبديل والتغيير (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ﴿٧٣﴾ وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ﴿٧٤﴾ إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ﴿٧٥﴾ وتظهر القوة في قصة موسى مع فرعون في رد موسى عليه السلام القوي في مواجهة أهل الباطل (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا) يقف موسى أمام فرعون في مواجهة ويقول له بقوة أنه هالك وهذه صفات الأمة التي تستحق الإستخلاف، الأمة التي تثبت هي الأمة التي يعظّم قادتها الله.

الاسم الأخير للسورة: سبحان

التسبيح من أهم خصائص سورة الإسراء فهي مليئة بالتسبيح وفيها من أجمل وأشمل تسابيح القرآن أن الله سبحانه وتعالى (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) التسبيح هو تعظيم لله عز وجل هو تنزيه لله سبحانه وتعالى وهذا من أهم خصائص الأمة المستخلفة، من أهم خصائص القائد الذي سيتقدم الصفوف أن يكون معظِّماً لله، معظم لشرعه، معظم لأمره، معظم لنهيه، وليس تعظيماً باللسان فقط وإنما تعظيماً بالقلب (سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً) (قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً) هذا هو العلم وهذه هي الإمامة (وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً (108) وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا). عندما يستقر هذا التعظيم يأتي الثبات وتأتي الإمامة.

كيف يحدث هذا التعظيم؟ بطريقين:

1.    الطريق الأول معرفة الله عز وجل، تعرف الله عز وجل فتعظّمه ومعرفة الله تكون من كلامه فتمتلئ السورة بالثناء على القرآن وهي من أكثر إن لم تكن أكثر سور القرآن فيها كلمة الثناء على كتاب الله عز وجل فتكررت كلمة (قرآن) في السورة 11 مرة، معدل عالي جداً لأنه مصدر المعرفة ومصدر التعظيم لله، عندما تعرف الله عز وجل من خلال القرآن وتعرف أوامر الله عز وجل ونواهيه من خلال هذا الكتاب ستعظّم الله بشكل صحيح وستحبه بشكل صحيح. في السورة كلام كثير عن القرآن (إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا) (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا) (وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا) (وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ) (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا) (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا) (وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً)

2.    الطريق الثاني هو العبادةوالسورة مليئة بأوامر العبادة (أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) 

 بإجمال سورة الإسراء لها ثلاثة أسماء كلها متعلقة بمعنى الاستبدال والإمامة، نموذج بني إسرائيل الذي اختير وفُضّل ثم استُبدل لما بدّل وأفسد، والنموذج الثاني انتقال الإمامة للنبي صلى الله عليه وسلم وحادثة الإسراء وصفات الأمة القائدة: تعظيم الله، عدم حب الدنيا، تقديس وتعلّق القلب بالآخرة والإحساس بالقوة وتنفيذ أمر الله عز وجل: أخذ الكتاب بقوة ومواجهة أهل الباطل بقوة وتعظيم الله عز وجل وتسبيحه. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل