التعريف بسور القرآن - سورة يونس وسورة هود

سورة يونس وسورة هود

الشيخ محمد نصيف

(التفريغ حصريًا لموقع إسلاميات)



هاتان السورتان مع ما بعدها من سور يوسف والرعد (على قول) وإبراهيم ثم سورة الحجر هذه السور لها تسمية لورودها في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد جاء في مسند الإمام أحمد بسند حسن عن الأصح عن عبد الله بن عمرو بن العاص أتى رجلٌ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فقالَ: أقرِئني يا رسولَ اللَّهِ، قالَ لَهُ: اقرَأ ثلاثًا من ذاتِ الر. (سورة يونس تبدأ بـ (الر) وكذلك هود ويوسف وإبراهيم والحجر أما سورة الرعد فتبدأ بـ (المر) بزيادة حرف الميم) ولذلك بعض العلماء أدخلها في هذه المجموعة وبعضهم لم يُدخلها). قال: اقرأ ثلاثاً من ذات الر - وهذه تسمية لهذه المجموعة وإشعار أن بينها نوعاً من العلاقة - قالَ لَهُ : اقرَأ ثلاثًا من ذاتِ الر ، فقالَ الرَّجلُ : كبِرَت سنِّي ، واشتدَّ قلبي ، وغلُظَ لساني ، (هذا نوع من الاعتذار لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذه السور طوال نسبياً فالرجل كبير في السن ويصعب عليه التعلم) قالَ له النبي صلى الله عليه وسلم: فاقرأ مِن ذاتِ حم (وهذه السور تبدأ من سورة غافر إلى سورة الأحقاف وهي أقصر من تلك السور) فقالَ مِثلَ مقالتِهِ الأولى (وهذا يدل على صبر النبي صلى الله عليه وسلم على من يريد التعلّم أخذه بالرفق ولم يعنّفه بأنه يتكبر على كلام الله!) فقالَ: اقرأ ثلاثًا منَ المسبِّحاتِ (أكثرها قصير مقارنة بتلك السور فالنبي صلى الله عليه وسلم يتدرج مع هذا الرجل وهذا يُشعر أن السور التي تبدأ نفس البداية بينها نوع من العلاقة) فقالَ مِثلَ مقالتِهِ فقالَ الرَّجلُ: ولَكِن أقرئني يا رسولَ اللَّهِ سورةً جامعةً فأقرأَهُ: إذا زُلْزِلَتِ الأرضُ حتَّى إذا فرغَ منها (وسورة الزلزلة سورة جامعة وفي بعض الأحاديث وصف بعض آياتها أنها الفاذّة الجامعة كما وصفها النبي صلى الله عليه وسلم) قالَ الرَّجلُ: والَّذي بعثَكَ بالحقِّ، لا أزيدُ عليها أبدًا، ثمَّ أدبرَ الرَّجلُ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: أفلحَ الرُّوَيْجلُ، أفلحَ الرُّوَيْجلُ (يعني إن وفّى بهذا الأمر أفلح) إلى آخر الحديث. فهذا الحديث يربط بين هذه السور نأخذ منها اليوم سورة يونس وسورة هود وبينهما تقارب في أمور شتى كما أن هناك تقارباً بين الأنفال والتوبة، سورة يوسن وسورة هود بينهما تقارب:

أولاً في المطلع (الر)

ثانياً كلتاهما مكية وكلتاهما فيما يبدو في نفس الفترة المكية لأن النقاش مع الكفار شديد والتهديد عظيم لكن عندنا آيات قليلة من سورة هود نزلت في المدينة وهي قوله تعالى (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) عندما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد قارف بعض الإثم فأخبره بالتكفير بالصلاة ونحو ذلك ونزلت هذه الآية مما يدل على أن هذه الآية والتي بعدها مستثناة (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ﴿١١٤﴾ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴿١١٥﴾) (الآيتان من سورة هود مستثناة من المكية). هذه نزلت في المدينة بعد الهجرة.

من التشابه بين السورتين أن كلتيهما تحملان اسم نبي، هذه هود وهذه يونس وكذلك كل السور التي تبدأ بـ (الر): يوسف اسم نبي، إبراهيم اسم نبي، الحجر ليست اسم نبي بل هي اسم مكان لقوم كذبوا بنبي فعُذّبوا وهذا يناسب مقصود سورة الحجر، فالسورة اسمها قد يُشعر بمقصودها، وسورة الرعد ليست على اسم نبي وسيأتي الحديث عنها.

لكن سورة يونس لها اسم آخر أما سورة هود فليس لها إلا هذا الاسم. سورة يونس تسمى "السابعة" كان الصحابة يسمونها الصابعة لأنها سابعة الطوال الست التي نهايتها الأعراف.

هاتان السورتان إذا قرأت بدايتهما تعرف مقصودهما وموضوعهما. سورة يونس بدأت بقول الله تعالى (الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ﴿١﴾ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ ﴿٢﴾) عندنا موضوعان: (تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ) تدل على عظمة هذا الكتاب، وإن كان هو الكتاب الحكيم إذن كل من أراد الحكمة عليه أن يتمسك بهذا الكتاب وعليه أن يتدبر هذا الكتاب وعليه أن يعمل بهذا الكتاب لأن الحكمة وضع الشيء في موضعه فإذا أردت وضع الشيء في موضعه اقرأ هذا الكتاب لتعرف كيف تعبد الله وكيف تتعامل مع الناس وكيف تسير في هذه الحياة.

الموضوع الثاني في السورة هو في قوله (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ) فالكفار تعجبوا من الوحي وكأنه أمر غير مألوف عندهم فجاءت السورة تبين أن الوحي تدل عليه الدلائل العقلية والنقلية ثم بينت السورة أيضاً أن هذا القرآن ينبغي أن يُتّبع وأن يسير الإنسان في هداه وفي أنواره. أيهما ينبغي أن يتقدم؟ إثبات أنه وحي أم الحث على الانتفاع به؟ إثبات أنه وحي، أولاً أثبِت أنه وحي ولذلك بدأ بهذا فبدأ القسم الأول من السورة يثبت أن هذا القرآن وحي ويثبت أصلاً أنه لا بد من وجود وحي لأنهم ينكرون وجود الوحي فأثبت لهم أولاً أن الوحي لا بد منه ثم أثبت لهم أن هذا القرآن وحي من الله وليس من عند النبي صلى الله عليه وسلم فهما مرحلتان أخذتا القسم الأول من السورة. وأعظم دليل على أن هذا الوحي لا بد منه هو هذا الكون الذي نراه ولنا لأنك لو وجدت مدينة كاملة وأنت تسير في طريقك إلى مكة وجدت أبنية ضخمة جداً فدخلت فوجدت مكاناً مجهزاً بأحسن التجهيزات وبأحسن الأثاث وأحسن الأبنية فقلت أحتاج شيئاً فقيل لك هنا كل واحد يفعل ما يريده، هل يُتصور هذا أو يُعقَل؟ أم لا بد أن يكون هناك نظام؟ الله الذي خلق السموات والأرض لا يمكن أن يتركها دون وحي ينظّم سير البشرية فيها ولذلك جاءت الآيات في السورة تبيّن تصريف الله للكون قال الله سبحانه وتعالى (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ ﴿٢﴾ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ) هنا ذكر الله سبحانه وتعالى من صفاته ما يدل على أن الوحي لا بد منه (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) إن كان يدبِّر الأمر فكيف يترك البشر في الأرض بدون وحي؟! وكيف يتعجب المخلوقون المؤمنون أنه الخالق لأن الكفار كانوا يؤمنون أن الذي خلق السموات والأرض هو الله وأن الذي يرزق هو الله وفي هذه السورة قال (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿٣١﴾) خلق الله وتدبيره للكون من لوازمه العقلية أن يُنزل وحياً ولذلك جاءت الآيات تثبت وجود الوحي وتثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأت بشيء من عند نفسه، هذه الخطوة الثانية بعد وجود الوحي. أهل الكتاب يؤمنون بالوحي يقولون الله أنزل التوراة على موسى أو الإنجيل على عيسى لكنهم لا يؤمنون بهذا القرآن وقال الله سبحانه وتعالى في نهاية هذا القسم عزّ من قائل (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٣٧﴾) فالقرآن جاء مصدقاً للكتب السابقة مما يدل على أنه صادق، ثم قال (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) يعني النبي صلى الله عليه وسلم (قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ) إذا كنتم تؤمنون فعلاً بالوحي ولكن لا تؤمنون أن هذا القرآن من عند الله، إذا كان أتى به النبي صلى الله عليه وسلم وأنتم عرب مثله وفصحاء مثله فاتوا بسورة من مثله! (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٣٨﴾ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴿٣٩﴾)

بعد أن انتهى هذا القسم جاء القسم الثاني مبنياً على القسم الأول الذي أثبت أن الوحي ضرورة لا بد منه وأن هذا القرآن وحي. القسم الثاني جاء يبين مزايا هذا القرآن لنتمسك به ولنفرح بهوالله سبحانه وتعالى لم يأمرنا بالفرح في القرآن إلا في هذا الموطن في هذه السورة قال الله سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) إذا كان القلب قاسياً ففي القرآن موعظة (وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ) أيّ شيء في قلبك من حسد أو حقد أو كبر أو رياء يشفيك منه الله سبحانه وتعالى بكلامه (وَهُدًى) الهدى عكس الضلال فالذي يبعد عن القرآن يُخطئ ويضلّ والذي يسير مع القرآن يهتدي (وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿٥٧﴾ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴿٥٨﴾) فضل الله ورحمته القرآن والإسلام فما أُمرنا بالفرح بشيء إلا بهذا الشيء (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) ثم بيّن شيئاً مما يفرح به الناس وما قيمته أمام القرآن قال (هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) كل شيء يجمعه البشر القرآن خير منه يقيناً، لو مات الإنسان بعد أن جمع البلايين وليس عنده القرآن فما لم يجمعه أعظم مما جمعه وإنسان مات وما عنده شيء وعنده القرآن في قلبه يعمل به فقد جمع خيراً عظيماً ينفعه عند الله سبحانه وتعالى (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ).

وبيّن الله في هذا القسم أيضاً قصصاً لبعض الأنبياء تناسب السورة لأن السورة تثبت الوحي وهذه القصص تثبت الوحي، وهذه القصص فيها تثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم وهذه القصص تثبت النبي صلى الله عليه وسلم فذُكرت قصة نوح وقصة موسى وذُكرت بينهما قصة رسول مُجمل لم يُحدد اسمه (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ (71)) إلى أن قال سبحانه وتعالى بعد قصة يونس وقبل قصة موسى عليه الصلاة والسلام (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ﴿٧٤﴾) فإذا كنتم تستغربون من الوحي فأنتم تستغربون من تاريخ البشرية كله فإنه مملوء بالأنبياء الذين أنزل الله عليهم وحياً.

وفي القسم الأخير من السورة كأنه خلاصة السورة لأن كل السورة تثبت أن القرآن حق وأنه ينبغي العمل به، قال الله سبحانه وتعالى في آخر السورة (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ) يقابل إثبات أن القرآن حق (إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) إن كنتم في شك فأنا لست في شك بل أنا أعبد الله سبحانه وتعالى (فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ) من الذي يستحق أن تتوجه إليه وتعتصم به وتطلب منه الذي بيده حياتك وموتك (وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ) وهذا تهديد لهم وتعليل للعبادة، كيف تعبد من لا يملك حياتك؟ كيف تتوجه لمن لا يملك حياتك بل لا يملك حياته هو أصلاً؟! قال (وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٠٤﴾ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١٠٥﴾) هذا نداء والنداء الثاني في آخر السورة (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴿١٠٨﴾) ثم جاء الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ﴿١٠٩﴾).

بهذا انتهت سورة يونس وهي بهذا تناسب سورة هود التي بعدها تماماً لأنه قال في آخرها (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ) يعني القرآن (وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ﴿١٠٩﴾) ثم قال في بداية سورة هود (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ) أمره باتّباع الكتاب في آخر السورة وبيّن له هنا قيمة هذا الكتاب. ثبت أن القرآن حق في سورة يونس وهنا يبين ما هي حقيقة هذا الكتاب وما هي دعوة هذا الكتاب قال (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴿١﴾) مواصفات لا تعدلها مواصفات! أحياناً تذهب لتشتري سيارة بحسب مواصفاتها وبحسب صانعها ولله المثل الأعلى تشعر بقيمتها وأحياناً ترفض البضاعة لأنها صناعة تقليد أو أن غيرها أحسن منها والإنسان يأخذ من البضاعة بحسب قدرته لكن القرآن جاءنا بدون ثمن، جاءنا رحمة من الله سبحانه وتعالى وإلا فمن يستطيع أن يدفع ثمن القرآن؟! من يستطيع أن يحصل على القرآن بقدرته؟! لا أحد، الله سبحانه وتعالى يقول لنبيه (وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ (86) القصص) فهذا القرآن جاءنا بمواصفات عالية جداً، الله وصفه، المتكلِّم به وصفه قال (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) لو جاءك الكتاب ممن عنده حكمة وخبرة لفرحت لن إذا جاءك من الحكيم الخبير سبحانه وتعالى حكمته ليست مثلها حكمة وخبرته ليست مثلها خبرة سبحانه وتعالى والخبير أخصّ من العليم يعلم الأمور الدقيقة وهذا كلامه وقد جاءنا دون أن نطلبه وهذا من رحمة الله بنا. قال مبيناً خلاصة هذا الكتاب وملخّصه (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) هذه خلاصة هذا الكتاب (إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ﴿٢﴾) ومع العبادة هل سيحصل من الإنسان خطأ؟ نعم ولا بد قال (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) الاستغفار عبادة والتوبة عبادة لكنها هي لا بد منها إذ هي متممة للعبادة، كلنا نذنب (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) لكنني يا رب أقصّر في هذا وأرائي وأفعل قال (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) ولذلك كان سيد العابدين صلى الله عليه وسلم كثير التوبة والاستغفار وتتعجب أنه كان صلى الله عليه وسلم يتوب إلى الله ويستغفره في المجلس الواحد مرات ومرات ونحن قد تمر علينا الأيام دون استغفار إلا بعد الصلاة وهو خير كبير أن تستغفر بعد الصلاة فرغم أنك كنت في عبادة وتصلي وربما خشعت في صلاتك وربما استحضرت معية الله في صلاتك ثم تقول: أستغفر الله، أتسغفر الله، أستغفر الله، لا بد منها لكل من أراد أن يسير في موكب العابدين (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴿٣﴾ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٤﴾).

في هذه السورة قصص أكثر بكثير من سورة يونس ولذلك بعض العلماء يرى أن كل سورة تفصّل في شيء من السورة التي سبقتها ويرى أن هذا مطرد في القرآن، قصة نوح ذكرت في سورة يونس في آيتين أو ثلاث وهنا ذُكرت بالتفصيل ثم قال (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ (74)) ذكرهم إجمالاً وهنا فصّل ذكر هوداً وصالحاً ولوطاً وذكر شيئاً من قصة إبرهيم وذكر شعيباً فهذا تفصيل فذكر في السورة تفصيل لم يُذكر في السورة السابقة وإن كانت قصة موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام قد ذُكرت في هذه السورة مختصرة. فهذه القصص جاءت لتبين أن كل الرسل كانوا في هذه الدعوة (العبادة إلى الله والاستغفار والتوبة) واقرأ هذه القصص تجد هذا فيها ظاهراً جداً. ولها مع ذلك غرض آخر وهو تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم على دعوته ولقد جاء في أول السورة (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴿١٢﴾) وجاء فيها (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴿١٤﴾) فجاءت القصص تثبت النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه على هذا الدين وعلى هذه الدعوة وتبين أن دعوة القرآن هي دعوة كل الرسل السابقين.

وبعد أن انتهت القصص قال الله سبحانه وتعالى مبيناً العبرة من تلك القصص لأنه ذكر فيها إهلاكاً عظيماً لقوم نوح ولغيرهم قال (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ (42)) هذه السفينة سارت بقوم نوح بعد أن أهلك الله من أهلك قال (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ﴿٤٠﴾۞ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٤١﴾) والرحمة ذكرت في هذه السورة كثيراً مع نجاة المؤمنين قال العلماء لأن الإنسان لا ينجو إلا برحمة الله سبحانه وتعالى فالمؤمنون ينجون برحمة الله والكفار يهلكون بعدل الله سبحانه وتعالى.

جاء بعد القصص قوله تعالى (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ) ترون ديارهم مثل ما يذكر الآن عن قوم صالح إن كانت هذه ديارهم والبعض يقول هي ديار قريبة من ديارهم لكن كانت ديار صالح موجودة أيام النبي صلى الله عليه وسلم ورؤيت فإن كانت هي فهي قائمة (وَحَصِيدٌ) يعني محصود مثل الزرع المحصود فمن الديار ما هو قائم ومنها ما هو حصيد (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آَلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ﴿١٠١﴾ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴿١٠٢﴾ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ) من شروط الانتفاع بالقرآن والخوف من كلام الله سبحانه وتعالى أن يؤمن الإنسان بالآخرة وإذا نسي الإنسان الآخرة ضعف هذا الأمر وإذا أنكر الإنسان الآخرة لن ينتفع بالقرآن أصلاً قال (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ﴿١٠٣﴾ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ ﴿١٠٤﴾)

 

وفي نهاية السورة جاءت أوامر للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه بالثبات على هذا الدين والإكثار من الطاعات ومن أعظمها ثوله سبحانه وتعالى (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿١١٢﴾ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴿١١٣﴾ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ﴿١١٤﴾ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴿١١٥﴾) أسأل الله أن يجعلنا من المحسنين المنتفعين بهذا القرآن.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل