التعريف بسور القرآن - سورة الحجر وسورة النحل

سورة الحجر وسورة النحل

الشيخ محمد نصيف

(التفريغ حصريًا لموقع إسلاميات)



سورة الحجر امتداد لسور سبقتها ومرّ معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم سماها (ذات الر) بداية من سورة يونس وحتى سورة الحجر وبينها سورة الرعد (المر) بعض العلماء يُدخلها فيها وبعضهم يُخرجها. هذه السورة آخر سورة من ذات الر، سورة الحجر. ولاحظ بعض العلماء أن السور التي تبدأ بنفس الحروف وتأتي متوالية تكون آخر سورة فيها مناسبة للختام ويكون في ختامها آية مناسبة للختام فمن ذلك هذه السورة فإن آخر آية فيها (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴿٩٩﴾) إلى أن يأتيك الموت، أمرٌ بالاستمرار على العبادة فهو مناسب لختم هذه السور. وفي السور المبدوءة بـ (طس) و(طسم) جاء في آخرها (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88) القصص) وهكذا في السور التي تبتدئ بنفس الحروف تجد أن آخر سورة فيها فيها ختام يناسب الختام وكأنها مجموعة وانتهت ومنها هذه السورة فإن في آخرها (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ).

وهذه السورة إذا قرأت أولها يقول الله سبحانه وتعالى في مطلعها (الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ ﴿١﴾ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ﴿٢﴾) فالسورة تدور حول كفر الكفار وشدة إعراضهم وأنهم يتمنون يوم القيامة أن لو كانوا مسلمين ولقد جاءت في هذا عدة أحاديث لا تخلو من ضعف ولكنها تدل في مجموعها على أصل المعنى منها ما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يُخرج الله أناساً من المؤمنين من النار بعدما يأخذ نقمته منهم قال لما أدخلهم الله مع المشركين قال المشركون أليس كنتم تزعمون في الدنيا أنكم أولياء فما لكم معنا في النار (الموحّدون بعضهم في النار والمشركون في النار فيقول لهم المشركون ماذا استفدتم بعد هذا صرتم معنا في النار؟) فإذا سمع الله ذلك منهم أذن في الشفاعة فتشفع لهم الملائكة والنبيون حتى يخرجوا بإذن الله - ولا يبقى من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان في النار لا بد أن يخرج منها يوماً من الدهر – قال فلما أُخرجوا قالوا يا ليتنا مثلهم، فذلك قول الله جلّ وعلا (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ) يتمنون ذلك لكنهم في الدنيا كما قال الله (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ) مشغولون ويؤخرون التوبة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى همّهم الأكل والتمتع (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ) ثم قال الملك جلّ في علاه (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) وأنت تشعر بقيمة هذه الكلمة بحسب قائلها لو توعّدك أحدهم، هذا الكلمة تقابل (فسوف تعلمون) ستعرف لكن إن قالها ضعيف فهي ضعيفة وإن قالها متوسط في القوة فهي متوسطة في القوة وإذا قالها القوي المتين ذو العرش المجيد الفعّال لما يريد قال (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) تكفي لمن كان في قلبه إيمان أن يخاف ويرتدع.

هذه السورة باعتبار أنها من ذوات (الر) فهي مكية مثل بقية السور وجاء في آخرها (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴿٩٤﴾) مما يدل على أنها مبكرة في النزول لأن هذا أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بالجهر بالدعوة وفيها أيضًا (وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ ﴿٨٧﴾) والسبع المثاني هي سورة الفاتحة مما يدل على أن هذه السورة نزلت بعد سورة الفاتحة.

هذه السورة تدور في كثير من آياتها حول كفر الكفار وشدة إصرارهمحتى نعرف صفاتهم التي إن اتصفنا بها كان لنا شبه بهم بقدر اتصافنا بها ومنها انشغالهم بالدنيا (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴿٣﴾). وهذه السورة تقسّم بعد مقدمتها التي تبين شدة إعراض الكفار حتى قال سبحانه وتعالى (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴿١٤﴾ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴿١٥﴾) مهما كانت الآيات فإنهم لا ينتفعون بها بل يظلون مصرين على كفرهم والعياذ بالله! هذا القسم الأول من السورة يبين كفرهم وشدة إعراضهم.

القسم الثاني يبين ما حولهم من آياتلو تأملوها لعرفوا الحق ولعرفوا قدرة الله سبحانه وتعالى وقدرته على البعث عز وجل قال (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ﴿١٦﴾) انظُر في السماء خاصة في الليل وانظر إلى النجوم لتعرف ما هي قدرة هذا الرب سبحانه وتعالى الذي خلق هذه السماء بهذه السعة، ما أنت ومن أنت؟! عندما يقف الإنسان أمام الجبل يشعر أنه صغير جداً والله سبحانه وتعالى ألقى في الأرض رواسي بكل يسر وسهولة منه سبحانه وتعالى. قال (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ﴿١٦﴾ وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ ﴿١٧﴾ إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ ﴿١٨﴾ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ﴿١٩﴾) إلى غير ذلك من الآيات التي ذكرها الله وهذه الآيات تتكرر في سورة كثيرة ومن التفريط في حق القرآن بل في حق الإنسان مع نفسه أنه لا ينظر إلى السماء والأرض ولا يتأمل فيها، يأكل ويشرب ويمشي يعيش على الأرض ولا ينظر فيها، يستظلّ بالسماء ولا يتأمل فيها، تمطر عليه السُحُب ولا يقول سبحان الله! هذا خذلان والعياذ بالله! وكثيراً ما تأتي الآيات في القرآن تتحدث عن هذا وهذا من أهم مقاصد القرآن "الاستدلال بالمخلوقات على خالقها والاستدلال بالمخلوقات على وجوب التوجّه لمن خلقها وسخّرها لنا سبحانه وتعالى".

في القسم الثالث من السورة جاءت مجموعة من القصص: أولها قصة إبليس وآدم وهذه القصص جاءت لفوائد متعددة. قصة آدم في القرآن ذكرت سبع مرات لها هدف عام في هذه المرات السبع وهو الاستدلال على البعث. قصة آدم كيف نستدل بها على البعث؟ الذي خلق أول مرة قادر على أن يخلق مرة أخرى، هذا دليل عام شامل لكل السور التي جاءت فيها قصة آدم لكن في كل قصة تكون لها خصوصية معينة أخرى زائدة على قضية البعث وهذا من حكمة الله، تأتي القصة الواحدة في أماكن مختلفة لتحقق أغراضًا مختلفة ولذلك يختلف التعبير فيها لا تجد القصة إذا ذُكرت مرتين إلا وفيها اختلاف يسير وأحيانًا اختلاف يسير جدًا لا يعرفه إلا من يحفظ الآيات وأحيانًا يكون الاختلاف واضحًا. في هذه القصة والقصة التي بعدها (قصة إبراهيم مع لوط وذكرت إشارة إلى أصحاب الأيكة وأصحاب الحجر، هذه القصص ذكرت في سور أخرى لكن كل سورة تأتي لعبرة معينة). قصة آدم كما بحثها بعضهم قال كلها تدل على إمكانية البعث لكن في سورة الحجر تدل على التصلب في الكفر ولو تأملت في كلمات إبليس في هذه القصة وتأملت في صفة خلقه وتأملت في وعيده قال (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٣٩﴾ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴿٤٠﴾ قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴿٤١﴾ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴿٤٢﴾ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٤٣﴾ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ﴿٤٤﴾)

ثم ذُكرت قصة لوط وهذا الاصرار على الكفر الذي قلنا أنه موضوع السورة من بدايتها، الإصرار على الكفر ظاهر جدًا في قصة لوط كما لم يظهر في أي سورة أخرى ذُكر فيها قوم لوط فإن الله وصف قوم لوط في هذه السورة وصفًا لا نجده في أي سورة من القرآن لأي أحد من الكفار قال (لَعَمْرُكَ) هذا قسم من الله بعمر النبي صلى الله عليه وسلم (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴿٧٢﴾) قوم لوط كانوا سُكارى والعياذ بالله من شدة الشهوات التي انغمسوا فيها وهذا مناسب لشدة الكفر ولذلك لما ذكر عذابهم في هذه السورة قال (فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا) في سورة أخرى قال (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ (82) هود) هنا أمطر الله على القرية لكن في هذه السورة قال (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ﴿٧٤﴾) قال بعض العلماء قال هنا (عليهم) وهناك قال (عليها) كان الكلام عن القرية كلها لكن لما قال (عليهم) فهو مخصوص لهم وهذا بتناسب مع شدة كفرهم، عندما ذكرت شدة كفرهم ذكر أن العذاب توجه إليهم مباشرة نسأل الله أن يقينا عذابه وأن يوقظنا من غفلتنا وأن لا يجعلنا ممن يصابون بمثل هذه السكرة والعياذ بالله.

هذه القصص امتدت جزءاً من السورة ثم جاءت في آخر السورة أوامر للنبي صلى الله عليه وسلم في مقابل هذا الكفر الشديد قال الله (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ﴿٨٥﴾) ثم قال (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿٨٨﴾) إلى غير ذلك مما ختم بقوله (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴿٩٩﴾) ولهذا فإذا رأيت كفر الكفار فهذا يجعلك تلتجئ إلى الله أكثر وتثبت على الحق مع دعوتهم (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴿٩٤﴾).

سورة النحل

أما سورة النحل فهذه السورة يسميها بعض العلماء سورة النِعَم لأن النعم المذكورة فيها كثيرة وسورة النحل مكية مثل سورة الحجر لكن فيها آيات مستثناة فقد قال الله سبحانه وتعالى في آخر السورة (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١١٠﴾) هذه نزلت بعد الهجرة وكذلك قوله تعالى على ما اختار أكثر المفسرين (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴿١٢٦﴾ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ﴿١٢٧﴾) هذه الآيات نزلت في المدينة قيل إنها نزلت بعد غزوة أحد حين صنع المشركون ما صنعوا بحمزة وغيره فأراد المسلمون الانتقام وقيل غير ذلك وجمهور العلماء على أن هذه الآيات نزلت في المدينة أما عامة السورة فنزلت في مكة.

وهذه السورة تدعو إلى الاستسلام لله تعالىخاصة في القسم الأول منها، تدعو إلى الاستسلام لله والإسلام هو الاستسلام لله فهي تدعو إلى الاستسلام لله سبحانه وتعالى من خلال أمرين:

·         الأمر الأول أن القيامة آتية وهي قريبة

·         والأمر الثاني من خلال نعم الله المبثوثة في هذا الكون الواسع

أمران يدعوان إلى الاستسلام الأول أن القيامة آتية ولذلك جاءت أول آية في السورة (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) أتى فعل ماضي المفترض أن يكون عن شيء حصل وانتهى والقيامة لم تأت بل الله في سورة الحجر (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)) يعني في المستقبل وهنا قال (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) وهذا من التناسب بين السورتين، آخر سورة الحجر (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) وهنا يفكر الإنسان متى يأتي اليقين؟ قال (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) كيف أتى وهو لم يأت؟! لأنه يستوي ما وعد الله بأن يأتي مع الآتي لأن الله سبحانه وتعالى إذا وعد أن الشيء سيأتي فهو آتٍ ثم إن كل ما هو قريب قد أتى فهو حكماً آتٍ ولا بد قال (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿١﴾) وجاء في عدة آيات ما يُشعر بأن القيامة تأتي فجأة وتأتي بغتة (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿٣٣﴾) وقال في آية أخرى (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴿٢٧﴾ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) ماذا يصنعون وقتها؟ (فَأَلْقَوُا السَّلَمَ) طُلب منهم الاستسلام لله وظلوا متكبرين ووصفوا بالكبر في هذه السورة (فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ يستسلمون ويدّعون أنهم لم يكونوا يعملون شرًا والعياذ بالله اعتادوا الكذب (بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٢٨﴾ فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ﴿٢٩﴾ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا) إلى أن قال عنهم (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٣٢﴾) طيبين بالتوحيد أولًأ وقبل كل شيء وأولئك (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) ظلموا أنفسهم أولًا وقبل كل شيء بالشرك نسأل الله أن يميتنا على التوحيد. فهذه السورة تذكّر بالآخرة كثيرًا دعوة للعباد أن يستسلموا قبل أن يكون وقت لا ينفع فيه الاستسلام.

أمر آخر يُذكر في السورة كثيرًا ويدعو إلى الاستسلام هو نعم الله الكثيرة المبثوثة في الأرض من أول السورة وفي وسط السورة تذكر نعمًا كثيرة قال (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ ﴿٨٠﴾ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا) تخيّل الحياة لو ليس فيها ظل، والشمس أربعًا وعشرين ساعة في كبد السماء، الظل نعمة كبيرة من الله قد يشعر الإنسان أنه ليس نعمة. تتكرر كلمة (لكم) في السورة كثيرًا (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ) هذا خطاب لنا (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ) سرابيل أي ملابس، الشاهد هنا في قوله تعالى بعد نعم كثيرة سبقت هذه الآيات في السورة (كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) هذا هو الشاهد، ذكرنا أن الآيات تذكر الآخرة من أجل الاستسلام لله وتذكر النعم أجل الاستسلام لله، الله سبحانه وتعالى أعطاني هذه العين أرى بها وأذهب من بيتي إلى المسجد دون مساعدة أحد، نعمة العقل ونعمة الدم الذي يمشي في العروق والرجل التي تتحرك حتى تصل إلى بيتك، لماذا يُتم علينا سبحانه وتعالى هذه النعمة؟ (لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) فالذي لا يستسلم لله كأنه ما حقق الغرض من كل هذه النعم التي حوله والذي يستخدمها في معية الله عَكَس كما لو تعطي ولدك شيئًا ليفعل به شيئًا فيفعل عكسه كيف تعامله؟ وماذا تعتبره؟! ولله المثل الأعلى (كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴿٨١﴾ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴿٨٢﴾ يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ ﴿٨٣﴾) نسأل الله السلامة.

في هذا القسم جاء الحديث عن الآخرة وعن النعموكِلا هذين الأمرين يدعو إلى الاستسلام لله سبحانه وتعالى. وفي آخر هذا القسم قال الله سبحانه وتعالى في آية عظيمة حُقّ للأمة أن تفرح بها وتتمسك بها قال مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم وبنى على هذا القسم الثاني في هذه السورة والذي فيه تفصيل بعض الأحكام وفي كيفية التعامل مع القرآن وكيفية الدعوة إلى الإسلام ختم بآية يقول الله سبحانه وتعالى فيها (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) وهذه الكلمة تفصيلها هو كل الحياة، قال (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) كيف كل شيء؟ لا يمكن أن يُذكر كل شيء في الكتاب لكن كل الأصول والأسس والقواعد الفكرية والعقلية والاجتماعية والاقتصادية التي يحتاجها البشر لكي يعيشوا في أحسن حال وكي تكون عاقبتهم الجنة في هذا القرآن لكن شرحها أو فهمها يحتاج إلى قلوب تتعلق بهذا القرآن وتقرأ هذا القرآن وتتأمل في هذا القرآن ولذلك نصّ بعض أهل العلم أن هذه الآية (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) أول ما يدخل فيها تبيانًا لكل شيء مما يحتاج من أمور الدين لكن قالوا أيضًا في القرآن الأسس والقواعد التي تستقيم بها حياة البشر ومعاشهم في الدنيا قبل الآخرة (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ). ومن اللطائف التي تُذكر أن أحدهم كان في بعض بلاد الكفار ودخل مطعمًا وكانت يتكلم مع شخص كافر يعمل في المطعم فقال له في كتابكم (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) قل لي أين وصفة الوجبة التي قدّمتها لك الآن؟ قال له ربنا أعطانا قاعدة (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) النحل) هذه قاعدة عامة أي مسألة لا تفهمها ولا تعرفها قال الله تعالى اِسأل المتخصص وهذه ليست بنص الآية وإنما بالقياس (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) في أمور الدين وتقيس عليها أهل كل تخصص في تخصصهم فالقرآن يربي عقلًا يفكّر بشكل سليم فتستقيم حياته قبل مماته وأما الآخرة خير وأبقى بلا شك.

 

استمرت هذه السورة في ذكر بعض الأحكامبعد ذلك وكان في آخرها (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١٢٠﴾ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ) لأن إبراهيم يمثل المثل الأعلى في الاستسلام لله سبحانه وتعالى والسورة تدعو إلى الاستسلام وإبراهيم كما قال عنه ربه (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) البقرة) فإبراهيم قدوة في الاستسلام لله سبحانه وتعالى ولذلك أُمرنا باتباعه قال (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١٢٣﴾) ثم ذكر بعض ما هو اتباع لملة إبراهيم قال (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴿١٢٥﴾).



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل