التعريف بسور القرآن - سورة الإسراء وسورة الكهف

سورة الإسراء وسورة الكهف

الشيخ محمد نصيف

(التفريغ حصريًا لموقع إسلاميات)



سورتان عظيمتان من العتاق الأول هكذا يسميها عبد الله بن مسعود وهو من كبار الصحابة في فهم القرآن وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ القرآن عن عبد الله بن مسعود وكان يأخذ القرآن وأخذ كثيرًا من سوره من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن الصحابة الذيم أسلموا قديمًا ومن المعروف أن ساقه أثقل في الميزان من جبل أُحد رضي الله عنه وكان صغير الجسم عظيم العلم رضي الله عنه وأرضاه. يقول رضي الله عنه[1] عن سورة الإسراء والتي بعدها عن سور الإسراء والكهف ومريم وطه والأنبياء وهذه خمس سور متوالية في المصحف يقول عن هذه السور الخمس إنهن من العتاق الأول - يعني من السور التي نزلت مبكرًا في مكة والعتيق هو الشيء القديم – وإنهنّ من تلادي – وتلاد الشيء هو الشيء الذي حصل عليه الإنسان من مال أو متاع قديمًا فهي نزلت قديمًا وهو تعلمها قديمًا رضي الله عنه. قال من تلادي والتلاد هو ما كان عند الإنسان من مال أو متاع كأن يكون لديه بيت قديم أو مزرعة تملكها من قديم ومن تلاده هذه السور العظيمة الإسراء وما بعدها وبالتالي فإن هذه السور الخمس مكية الإسراء والكهف ومريم وطه والأنبياء.

سورة الإسراء

لها اسمان تسمى الإسراء وتسمى بني إسرائيل. ثبت في الحديث عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا ينام حتى يقرأ بني إسرائيل والزمر. المصاحف لا تذكر كل أسماء السور فبعضها له خمس وعشرين اسمًا كما في الفاتحة على خلاف أن بعضها وصف وليست اسمًا لكن بعض السور لها أكثر من اسم. فسورة الإسراء تسمى بني إسرائيل كما ثبت في هذا الحديث وفي غيره كما في حديث ابن مسعود "إنهنّ من العتاق الأول وإنهنّ من تلادي" ذكر سورة بني إسرائيل. سورة الإسراء لأنها بدأت بالإسراء (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ) وأشير فيها إلى الإسراء في وسطها أيضًا (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ﴿٦٠﴾) وذُكر فيها بنو إسرائيل في أولها وفي آخرها (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴿٤﴾) وذُكروا في آخرها قال الله سبحانه وتعالى (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا ﴿١٠١﴾) فذُكر بنو إسرائيل في أول السورة وفي آخرها فسميت الإسراء وسميت بني إسرائيل وبينهما ارتباط كما سيظهر في موضوع السورة.

كون النبي صلى الله عليه وسلم يواظب على قرآءتها كل ليلة فهذا فضل للسورة ويقرأ معها الزمر وثبت في حديث صحيح آخر أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ السجدة والملك ولا شك أن القليل الدائم خير من الكثير المنقطع. النبي صلى الله عليه وسلم كان يواظب على هذه السور: الإسراء حوالي نصف جزء والزمر أقل من نصف الجزء بقليل والملك قصيرة والسجدة ثلاث صفحات فإذا لم يستطع الإنسان المحافظة على الزمر والإسراء لا يكلف نفسه شيئًا لا يواظب عليه فليحافظ على السجدة والملك وكثيرًا ما تجد الناس يحافظون كل ليلة على سورة لم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أو جاءت في أحاديث ضعيفة والصحيح أولى بأن يواظب عليه الإنسان من الضعيف فضلًا عن ما لا أصل له. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يواظب على الإسراء لكنها طويلة فإن كان للإنسان متسع من الوقت ويعرف أنه يستطيع الاستمرار فإنه خير كبير أن يواظب على ما كان يواظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم.

هذه السورة مكية لكن فيها آية فيها كلام طويل وسأذكر شيئًا من الخلاف فيها لا لسبب إلا إظهار حرص العلماء على ضبط السُنّة ولإظهار حرص العلماء على الجميع بين الأدلة لا كما قد يتوهم البعض أنهم مجرد نقَلَة للعلم. جاء في صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه[2] – وعبد الله بن مسعود وصف هذه السور أنه تعلمها مبكرًا – يقول كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث بالمدينة وهو يتوكأ على عسيب (جريد من النخل) فمرّ بنفر من اليهود فقال بعضهم سلوه عن الروح وقال بعضهم لا تسألوه لا يُسمعكم ما تكرهون فقاموا إليه فقالوا يا أبا القاسم حدّثنا عن الروح فقام ساعة ينظر – يقول ابن مسعود – فعرفت أنه يوحى إليه فتأخرت عنه حتى صعد الوحي ثم قال (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)، هذه القصة حدثت في المدينة والسورة مكية. وجاء في مسند الإمام أحمد والترمذي والحديث الأول متفق عليه في صحيح البخاري ومسلم، الحديث الثاني في أحمد والترمذي[3] وهو ثابت على الراجح قال: قالت قريش لليهود أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل فقالوا سلوه عن الروح فسألوه فنزلت (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴿٨٥﴾) قالوا أوتينا علمًا كثيرًا أوتينا التوراة ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرًا كثيرًا فأنزل الله (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109) الكهف). هذه الرواية تبين أن السورة مكية قريش سألت اليهود وأرسلوا لهم بهذا السؤال فأجابوا. هنا اختلف العلماء ولكن عندهم وسائل للترجيح فمن وسائل ترجيحهم قالوا القصة إذا كانت حدثت في مكة فابن عباس لم يكون قد ولد أو كان رضيعًا وبالتالي هو لم يشهد القصة وإنما ينقلها عن غيره بينما ابن مسعود إذا كانت القصة في المدينة فهو حاضر بدليل أنه قال (فتأخرت عنه) إذن هو حاضر، هذا مرجّح لقصة ابن مسعود على قصة ابن عباس والذي حضر الحادثة ليس كمثل الذي لم يحضر الحادثة وهذه من وسائل الترجيح بين الأحاديث إذا حدث فيها اختلاف. والترجيح الآخر أن حديث ابن مسعود متفق عليه بين البخاري ومسلم وحديث ابن عباس في الترمذي وأحمد فهو أقل في الدرجة وهذا مرجّح ثاني. مرجّح ثالث ابن مسعود يقول أنا تعلمت الإسراء من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة أو من السور التي تعلمها مبكرًا فأحيانًا يتعلم السور مباشرة من النبي صلى الله عليه وسلم وأحيانًا يتعلم من أحد الصحابة لكن من السور التي تعلمها مبكرًا فكونه يذكر واحدة من آياتها ويجعلها مدنية فهو عارف بالشيء الذي ينقله ولذلك رجّح بعضهم أنها مدنية وبعضهم قال نزلت مرتين نزلت أول مرة بسبب قريش عندما سألوا بعد أن أخذوا السؤال من اليهود ثم سأل اليهود مرة أخرى فنزلت مرة أخرى والله أعلم. وتبقى آية الكهف (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي) تحتاج إلى مراجعة في سندها أكثر. الشاهد من هذا أن العلماء كانوا يدققون في الرواية إذا وجدوا اختلافًا يرجحون باشياء تدل على ذكائهم وعقولهم يميزون هذا الرواي كبير في السن وهذا صغير، هذا يضبط وهذا لا يضبط، هذا روايته أقوى وهذا روايته أضعف ولم يكونوا مجرد نقلة للروايات كيفما اتفق.

هذه السورة اسمها الإسراء واسمها بني إسرائيل ومن هذين الاسمين تفهم مقصودها إذا تأملت في آياتها، هي تدور حول النعمة علينا بهذا القرآن والتذكير بهذه النعمة تذكيرًا عظيمًاوالنعمة علينا بالنبي صلى الله عليه وسلم عمومًا وبما أكرمه الله به مع المقارنة مع قوم أوتوا النعمة لكنهم لم يشكروا ربهم عليها وهم بنو إسرائيل ولذلك بدأت بنعمة عظيمة على النبي صلى الله عليه وسلم وهي نعمة علينا قال سبحانه وتعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿١﴾ وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) الله سبحانه وتعالى أعطى النبي صلى الله عليه وسلم الإسراء وأعطى موسى الكتاب (وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ﴿٢﴾ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴿٣﴾) هذه مقدمة السورة تُشعر أن هناك مننًأ من الله وأن هناك من يشكر الله على هذه المنن في مقابل الشكور من يكفر ولا يتعامل مع نعم الله بما تستحقه من شكر.

ثم قال الله سبحانه وتعالى (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ) الآن بنو إسرائيل عندهم الكتاب قال (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ) هذا كفر وليس شكرًا لأن الكفر الذي يقابل الشكر لا يشترط أن يكون مُخرجًا من الملّة لكن (لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ) هذا ليس شكرًا هذا كفر فذكر الله بعض ما يصنع اليهود من عدم شكر نعمة الله وفي آخر السورة ذكر بني إسرائيل مرة أخرى وذكر أن بعضهم يشكر الله سبحانه وتعالى وفي وسط السورة جاءت ثلاث آيات تقسم السورة وتتحدث عن النعم على هذه الأمة:

النعمة الأولى في قوله تعالى (إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴿٩﴾) والقرآن ذُكر في هذه السورة كثيرًا. ثم قال (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا ﴿٤١﴾) ثم وصف بعض أولئك الذين لا يستجيبون لهذه النعمة قال (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا ﴿٤٥﴾ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآَنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا ﴿٤٦﴾) أكنّة أي أغطية، (وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا) قد يسمع الحروف لكنه لا يفقه شيئًا وإنما الموفق من أكرمه الله ففهم وتأثر قلبه واستكانت جوارحه – أخبرني رجل قال كنت في وقت لا أصلي إلا الجمعة وكنت أحضر خطبة الجمعة وأسمع الخطيب يحرك فمه ولا أفهم شيئًا وهو رجل عربي قرشي ثم هداه الله واستقام على الصلاة نسأل الله أن يهدينا – وهناك من يسمع كل الحروف وينشغل بالصوت أو بشيء من الأشياء أو ينشغل بالدنيا (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا (45)) وهذا مفتاح وهو مذكور في القرآن مرات متعددة، هؤلاء لا يفهمون القرآن لأنهم لا يؤمنون بالآخرة فأنت إذا فتحت المصحف تذكر أن هناك آخرة وأننا والله سنُسأل عن هذا القرآن إما أن يكون حجة لنا وإما أن يكون حجة علينا إما أن يقودنا إلى الجنة وإما أن يسوقنا إلى النار، إذا دخل الإنسان بهذا الخوف لا يُحجب عن القرآن بل برى من خلال القرآن (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا) نسأل الله العافية، مع أن الذي يقرأ القرآن أحسن من يمكن أن تسمع منه آيات القرآن صدقًا وإخلاصًا ومعرفة بالله ورغبة في هداية الخلق ومع ذلك (حِجَابًا مَّسْتُورًا) (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا) منعٌ للجوارح من الاستفادة بالقرآن والسبب عدم الإيمان بالآخرة، فكلما زاد الإيمان بالآخرة زاد الانتفاع بالآيات، فالذي دفن قريبه في البقيع بعد صلاة المغرب وتأثر ثم جاء صلاة العشاء فهل تقع عليه الآيات وهو في هذا الحال من التأثر كما تقع عليه في حالة الغفلة؟! لأن الإيمان بالآخرة درجات وكلما زاد الإيمان بالآخرة قلّ الحجاب وكلما ضعف الإيمان بالآخرة زاد الحجاب نسأل الله أن يقربنا من معاني كتابه.

نعمة القرآن جاءت في السورة ثم جاءت نعم أوسع من نعمة القرآن قال (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴿٧٠﴾) ثم جاءت نعمة القرآن مرة أخرى (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ﴿٨٩﴾) فنعمة القرآن بدأت وانتهت وبينها نعم أخرى والنعم لا تنتهي لكن أعظم نعمة علينا هي نعمة القرآن فقد قال الله سبحانه وتعالى في سورة الرحمن (الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2)) قال بعض أهل العلم قدّم تعليم القرآن على النعم الأخرى (خلق الإنسان) قدم تعليم القرآن على خلق الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم ثم ردّه أسفل سافلين إلى أن وصل إلى أصل الجحيم ولم يتعلم شيئًا من القرآن ولم يؤمن به أصلًا هذا يقول يا ليتني كنت ترابًا، وما ناله لا فائدة فيه وما فاته أعظم بكثير! (الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2)) وهذا يدل أيضًا على أن تعليم القرآن من رحمة الله بنا علينا أن نفرح بها ونحرص عليها.

فالسورة تدور حول التذكير بنعمة القرآن وبيان ما يصرف عن الانتفاع بالقرآن مع التذكير بقوم سابقين جاءتهم نعم لكنهم ما شكروا وهم بنو إسرائيل وتخللت السورة كثير من الآيات تتحدث عن يوم القيامة وهذا معتاد في سور القرآن لأن ترقيق القلوب يحصل بتذكر بالآخرة فينتفع الإنسان بالموعظة.

سورة الكهف

أما سورة الكهف فنفتتحها بفضل من فضائلها وهو ما في صحيح البخاري أن البراء بن عازب قال: قرأ رجل الكهف وفي الدار الدابة فجعلت تنفر (هو في بيته حيوان قد يكون ناقة أو حصان فهو يقرأ الكهف صارت الدابة تنفر) فسلّم فإذا ضبابة أو سحابة غشيته فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: اقرأ فلان (أكمل قرآءتك) فإنها السكينة نزلت للقرآن. هذه كرامة نالها بعض الصحابة ويمكن أن ينالها الإنسان كرامة من الله في أي عصر وفي أي مصر لكن عين الكرامة كما قال العلماء الاستقامة، أهم شيء الاستقامة على دين الله. بعض الناس لا يصلي ويقولون عنده كرامات، هذه ليست كرامة، هذا والعياذ بالله بؤس وشقاء لكن عين الكرامة الاستقامة فإذا أكرم الله العبد بالمحافظة على الصلوات وعلى الذكر وعلى حفظ اللسان وحفظ الفرج وحفظ البصر فهذه أكرم الكرامات.

سورة الكهف مثل سورة الإسراء مكية وفيها قصص كثيرة والقصص تأنس لها النفوس وتنتفع بها ونلاحظ أن هذه القصص في هذه السورة ترتبط بالدنيا أو باشتمالات الإنسان في الدنيا فأنت في الدنيا إما أن تمر بضيق وإما أن تمر بسعة وقد تكون في حالة متوسطة وهذه الحالات موجودة في السورة مع ذكر الدنيا بشكل ظاهر، قال الله سبحانه وتعالى في مطلع السورة (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴿١﴾) إلى أن قال (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴿٧﴾) وصف الدنيا ظاهر في السورة، (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) هذه الأشياء التي تراها في الدنيا موجودة لمجرد اختبار البشر لابتلائهم والابتلاء هو الاختبار الشديد (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) ما قال لنبلوهم أيهم عمله حسن وإنما لنبلوهم أيهم أحسن عملًا فليحرص الإنسان على الأحسن، كلما رأيت شيئًا من أمور الدنيا أمامك اعرف أنه زينة للابتلاء فإما أن تعمل حسنًا وإما أن تعمل أحسن وإما أن تعمل والعياذ بالله قبيحًا وإما أن تعمل أقبح ولكن في النهاية (وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا ﴿٨﴾) تنتهي كلها!

ثم ذكرت قصة أصحاب الكهف وهي قصة تمثل نموذجًا لأناس يريدون التمسك بالدين لكنهم في بيئة فاسدة فكان الحل (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ) الكهف مكان ضيق موحش (يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِه) ورحمة الرب واسعة (ورحمتي وسعت كل شيء)ِ (وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا ﴿١٦﴾) فهذه القصة تمثل ابتلاء يبتلى به الإنسان فإما أن يختار الدنيا ويبقى في البيئة الفاسدة وإما أن يختار الله والدار الآخرة فيعوضه الله خيرًا وقد عوّضهم الله خيرًا فذُكروا في خير كتاب وربما الصغار والكبار يعرفون قصتهم وهذا من رحمة الله بهم وإكرامه لهم سبحانه وتعالى.

القصة الثانية قصة الرجلين قال (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ﴿٣٢﴾) واحد عنده أموال ولكنه متكبر بها والثاني ربما لا تكون عنده نفس هذه الدرجة فحصل بينهم خلاف على التوحيد وعلى الآخرة ففي نهاية القصة قال (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا ﴿٤٢﴾ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا ﴿٤٣﴾) وهذه تذكر الإنسان أنه إن كان في نعمة الدنيا فانشغل بها عن الله فإنها توشك أن تذهب عنه ويبقى نادمًا يوم لا ينفع الندم.

ثم قال الله سبحانه وتعالى (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ﴿٤٥﴾) مما يدل على أن الدنيا تُذكر كثيرًا في السورة.

ثم ذكر الله قصة موسى مع الخضر وهذه قصة تبين لك أهم ما يحرص عليه الإنسان في الدنيا، موسى كليم الله وكان يعتقد أنه أعلم أهل الأرض كما في صحيح البخاري سأله بعض الناس من أعلمُ أهل الأرض؟ فقال أنا، فَلِيمَ على ذلك وأُخبر أن هناك من هو أعلم منه أو عنده علم ليس عنده وهو الخضر فانطلق يبحث عنه كما في صحيح البخاري فلما وصل إليه وصل إلى السفينة فجاء العصفور فنقر في البحر نقرة فقال الخضر لموسى وكلاهما على علم عظيم: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور من هذا البحر. وهذه القصة تحرك فيها موسى بحثًا عن العلم ولذلك عندما قابل الخصر قال (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ) هذا من أدب موسى (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ﴿٦٦﴾) مع أن موسى علم كثير لكنه سعى حتى قال (لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ﴿٦٢﴾) تعب في سفره وهو النبي المُرسَل لكن هذا تعليم لنا أن العلم العظيم وأنه من أعظم ما ينبغي أن يسعى فيه الإنسان.

والقصة الأخيرة التي في السورة هي قصة ذي القرنين وهذه عكس قصة أصحاب الكهف، أصحاب الكهف ما عندهم الدنيا واضطروا أن يضحّوا بالدنيا من أجل الآخرة أما ذو القرنين فأعطاه الله الدنيا فسخّرها في طاعة الله فكان يعذّب اقوامًا لأنهم لا يطيعون الله وغيرهم يتعامل معهم بحسب حالهم في قصته المعروفة وفي آخرها (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا ﴿٩٩﴾ وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا ﴿١٠٠﴾) وهذا تذكير بزوال الدنيا.

وفي آخر السورة (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴿١١٠﴾) من كان يرجو لقاء ربه في الآخرة فليعمل عملًا صالحًا في هذه الدنيا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا نسأل الله أن يجعلنا ممن يلقاه بعمل صالح خالص.

 



[1]عن عبدِ اللهِ قالَ : بني إسرائيلَ والكهفِ ومريمَ وطه والأنبياءِ : هُنَّ من العِتَاقِ الأُوَلِ ، وهنَّ من تِلادِي .الراوي: عبدالرحمن بن يزيد المحدث:البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 4739 - خلاصة حكم المحدث: [صحيح]

[2]كنتُ معَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في حرثٍ بالمدينةِ، وهو يتوكأ على عسيبٍ، فمر بنفرٍ من اليهودِ، فقال بعضهم : سلوهُ عن الروحِ، وقال بعضهم : لا تسألوه، لا يُسمعُكم ما تكرهون، فقاموا إليه فقالوا : يا أبا القاسمِ، حدِّثنا عن الروحِ، فقام ساعةً ينظرُ، فعرفتُ أنه يوحى إليه، فتأخرتُ عنه حتى صعِدَ الوحيُ، ثم قال : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي } . - الراوي: عبدالله بن مسعود المحدث:البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 7297 - خلاصة حكم المحدث: [صحيح]

[3]قالت قُرَيْشٌ ليَهودَ : أعطونا شيئًا نسألُ هذا الرَّجلَ . فقالوا : سلوهُ عنِ الرُّوحِ . فأنزلَ اللَّهُ تعالى وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا قالوا : أوتينا علمًا كثيرًا ، التَّوراةَ ، ومَن أوتيَ التَّوراةَ فقد أوتيَ خيرًا كثيرًا . فأنزلَ اللَّهُ تعالى : قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي إلى آخرِ الآيةِ - الراوي: عبدالله بن عباس المحدث:ابن دقيق العيد - المصدر: الاقتراح - الصفحة أو الرقم: 104 - خلاصة حكم المحدث: صحيح



التعليقات

  1. إسلاميات علق :

    أختي الكريمة جزاك الله خيرا على المتابعة.
    أسباب النزول تتعلق ببعض الآيات في السورتين وليس كل السور وتجدين بعضها في تذييل المحاضرة التي هي عبارة عن تعريف بالسور لا الحديث المفصل عنها وعن كل ما يتعلق بها.
    ويمكنك من أي كتاب تفسير أن تتعرفي على أسباب النزول
    وفقك الله
    إدارة المدونة

  2. سلمى علق :

    ما هو سبب نزولها

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل