التعريف بسور القرآن - سورة مريم، طه والأنبياء

سورة مريم وسورة طه وسورة الأنبياء

الشخ محمد نصيف

(التفريغ حصريًا لموقع إسلاميات)



مع تتمة العِتاق الأول التي أخذنا منها سورة الإسراء وسورة الكهف واليوم نأخذ سور مريم وطه والأنبياء. هذه السور كلها نزلت في مكة وهي مما اعتنى به عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وهي من العِتاق الأول.

وسورة مريم كما هو معروف قصة ولادة عيسى من غير أب وولادة يحيى بعد أن كانت أمه عقيمًا وأبوه كبيرًا وهذه القصة جاءت بهذا التفصيل هنا وجاءت بتفصيل مشابه له في سورة آل عمران لكن هناك فرق كبير بين الموقفين من جهة أن سورة آل عمران نزلت بعد أن سكن النبي صلى الله عليه وسلم المدينة حين جاءه وفد نصرى نجران يتحاورون معه فكانت تلك الآيات تخاطبهم، أما هذه الآيات فالعجيب أنها نزلت في مكة ولم يكن هناك نصارى إلا شيئًا يسيرًا لا يُذكر في مكة وبالتالي لم يكن هناك حاجة في الظاهر للتفصيل في ولادة عيسى لكن هذا النزول المبكر نفع المسلمين نفعًا عظيمًا وهم في الحبشة ففي سيرة ابن هشام أن أم المؤمنين أم سلمة كانت تصف ما حصل للمسلمين في الحبشة باعتبار أنهم لما هاجروا إلى الحبشة أرسلت قريش بعض من يسترد المهاجرين قالت أم المؤمنين: ثم أرسل النجاشي إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم – الذين وفدوا من المشريكن هم عمرو بن العاص ومعه رجل آخر وكانوا على الشرك وقتها وفدوا على النجاشي وأعطوا حاشيته الهدايا وقالوا لهم نريد أخذ أولاد بلدنا خرجوا عن دين آبائهم وأجدادهم – قالت أم المؤمنين أم سلمة وكانت ممن هاجر إلى الحبشة رضي الله عنها: ثم أرسل النجاشي إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم فلما جاءهم رسوله (اي رسول النجاشي) اجتمعوا (اجتمع مهاجرو الحبشة) ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذ جئتموه؟ - لأنهم يعرفون أن عقيدتهم تختلف عن عقيدة النصارى في عيسى – قالوا نقول ما علمنا وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم كائنًا في ذلك ما هو كائن فلما جاؤوا وقد دعى النجاشي أساقفته وهم علماء النصارى فنشروا مصاحفهم حوله سالهم فقال لهم ما هذا الدين الذي فارقتم به قومكم ولم تدخلوا به في ديني ولا في دين أحد من هذه الملل؟ قالت: فكان الذي كلّمه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم ومن أشبه الناس به خَلقًا وخُلُقًا رضي الله عنه فقال له أيها الملك كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف وكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف صدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكفّ عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا- قالت: فعدّد عليه أمور الإسلام - فصدّقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئًا وحرّمنا ما حرّم علينا وأحللنا ما أحلّ لنا فعدى علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله وأن نستحل ما كنا نستحلّ من الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نُظلَم عندك أيها الملك. قالت: فقال له النجاسي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ فقال له جعفر: نعم، فقال له النجاشي: فاقرأه عليّ  - وكان يمكن أن يقرأ عليه جعفر أية آية من القرآن لكن أن يختار السورة التي تبين عقيدة تخالف عقيدة النصارى فهذا من الثبات على الحق ومن التمسك بالدين وهو الذي وقع كثير من المسلمين في غيره إذا تكلم مع النصارى يحاول أن يخفي بعضًا من الإسلام وكأنه شيء يملكه، أنت لا تملك الدين، الدين دين الله وأنت تبلّغه كما هو – قالت: فقرأ عليه صدرًا من (كهيعص) يعني سورة مريم وورد عن بعض الصحابة أنه يسمي سورة مريم سورة كهيعص. قالت: فبكى والله النجاشي حتى اخضلّت لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم (من شدة التأثر) ثم قال لهم النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة انطلقا (هذا خطاب للمشركين اللذين جاءا لاسترداد المسلمين – فوالله لا أُسلمهم إليكما ولا يُكادون إلى آخر القصة المروية بالتفصيل لكن الشاهد فيها أن سورة مريم فيها تفصيل لم يكن المسلمون يحتاجونه في الخطاب مع النصارى ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم وهو عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب ولم يكن يعلم أن المسلمين سيحتاجون إلى هذا النقاش مع النصارى لكنه تنزيل من حكيم حميد سبحانه وتعالى من لدن لطيف خبير سبحانه وتعالى فأنزله وعلّم جعفر – ولم لم يحفظ جعفر هذه السورة لما أتى بها لكن هذا تدبير الرب سبحانه وتعالى لأوليائه وأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم -.

سورة مريم تنقسم إلى قسمين:

قسم يتحدث عن رسل الله في قصص متعددة بدأت بزكريا ويحيى ثم مريم وعيسى وهذا تكرر في آل عمران أيضًا فقبل ذكر عيسى ومريم ذكر زكريا ويحيى ونحن نعرف أن عيسى معدود في الأفضلية أفضل من زكريا ويحيى لكن هذا قالوا من أسلوب التعليم لأن قصة يحيى وزكريا غريبة لأن الرجل اشتعل رأسه شيبًا ووهن عظمه وامرأته عاقر فكيف يُرزق بولد هذا عجيب ولكن الأعجب منه أن تلد مريم التي لم يمسها بشر بشرًا سويًا. فالبداية للمتعلم تبدأ له بالغريب ثم الأغرب لأن الأغرب أبعد عن التصديق فيحتاج إلى التلطيف بقصة توصل إلى القصة التي بعدها فلذلك تقدمت قصة زكريا ويحيى على قصة عيسى ومريم. ثم ذكر الله أيضًا قصة إبراهيم وأشار إلى موسى وإسماعيل وإدريس ثم قال سبحانه وتعالى (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ۩﴿٥٨﴾) هنا ينتهي القسم الأول من السورة والحديث عن رسل الله وأولياء الله وأنهم موحدون لله وأنهم يسجدون لله. وقد ذُكر عن عمر رضي الله عنه في سند فيه ضعف أنه سجد مرة هذه السجدة الآية تقول (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) فقرأ عمر هذه الآية فسجد وقال: هذا السجود فأين البُكيّ؟! الإنسان يحاسب نفسه، نحن نسجد كما سجدوا والمفترض أن نبكي كما بكوا فكان يحاسب نفسه بهذه الطريقة أما أن يكون مجرد حركة بالجسد فلا، وسجدة التلاوة فضلها عظيم وكما هو معروف أن إبليس يتنحى جانبًا إذا سجد الساجد.

القسم الثاني من السورة عن أهل الشرك وأهل الكفر والرد عليهم بدأ بقوله (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴿٥٩﴾) هذا قسم آخر، صنف آخر وجاء الرد عليهم في القسم الثاني في عدة أمور:

أولًا: إنكارهم للبعث قال (وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ﴿٦٦﴾ أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا ﴿٦٧﴾) هذه دليل هذه وهي أقوى.

وذكر أيضًا اتخاذهم الشركاء واشار أيضًا إلى من قال أن لله ولدًا (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ﴿٨٨﴾ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا ﴿٨٩﴾ تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ) السماء تتشقق من هذه الكلمة التي قد يستخف بها الإنسان ويعتقد أن النصراني شكله نظيف ومواعيده دقيقة وينسى أنه قال كلمة تكاد السموات يتفطرن منها! (وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ﴿٩٠﴾ أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ﴿٩١﴾ وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ﴿٩٢﴾ لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ﴿٩٤﴾ وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ﴿٩٥﴾)

في نهاية هذه القصة يقول الله سبحانه وتعالى (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا ﴿٩٨﴾) لاحظ القصص المذكورة في السورة لم يذكر فيها إهلاك الكفرة والظالمين وإنما فيها مدح للأنبياء والرسل وعبادتهم لله لكن لم تذكر عاقبة الكفار لكن في آخرها (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا ﴿٩٨﴾) هل بقي من الكفار أحد؟ لا، فجاءت السورتان اللتان بعدها وهي طه والأنبياء جاءت تفصل هذا الإهلاك وهذه على القاعدة التي أخذها بعض العلماء أن كل سورة تفصّل التي قبلها فسورة مريم اشارت إلى إهلاك الكفار وذكرت قصة موسى باختصار شديد في ثلاث آيات (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا ﴿٥١﴾ وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا ﴿٥٢﴾ وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا ﴿٥٣﴾) قصة مختصرة جدًا جاءت سورة طه وفصّلت في قصة موسى تفصيلًا طويلًا جدًا كأنها تفصيل لقصة موسى التي في مريم (وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ﴿٩﴾ إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى ﴿١٠﴾ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى ﴿١١﴾ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ﴿١٢﴾) فصلت المناجاة المذكورة في سورة مريم.

بقية الأنبياء قال عنهم (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58) مريم) ذكر تفصيلهم في سورة الأنبياء فذكر كثيرًا من الأنبياء في سورة الأنبياء فكأن السورتين تفصّلان ما في السورة قبلهما التي هي سورة مريم.

سورة طه لها فضلها يميزها عن مريم والكهف وهي ما جاء في الحديث الذي قوّاه أهل العلم أن اسم الله الأعظم في ثلاث سور من القرآن وهي البقرة وآل عمران وسورة طه واجتهد العلماء بعد ذلك في تحديد هل المقصود (الحي القيوم) أو ما المقصود باسم الله المذكور في هذه السور الثلاث، هذا من فضل هذه السورة.

وهذه السورة تبدأ بكلمة (طه) وكثير من العلماء أن (طه) هي مثل (الم) ومثل (كهيعص) وبعض أهل العلم يقولون هو اسم للنبي صلى الله عليه وسلم أو كلمة بغير اللغة العربية بمعنى يا رجل إلى غير ذلك مما هو مفصّل في كتب التفسير لكن الأشهر أنها من الحروف المقطعة مثل (الم) ومثل (كهيعص) ومثل (ق) و(ص) وغيرها. والملاحظ وهي ملاحظة غريبة نبه عليها العلماء: أيّ سورة تبدأ بحروف مقطعة فيها حرف الطاء يذكر فيها نبي الله موسى (طه) فيها قصة موسى ثم (طسم) سورة الشعراء بدأت بقصة موسى ثم (طس) سورة النمل فيها قصة موسى و(طسم) في سورة القصص فيها قصة موسى أيضًا من بداية السورة، هذه ملاحظة نبه عليها بعض أهل العلم.

سورة طه من أولها تبين لنا شيئًا نحتاج إليه جدًا تبين لنا هو سبب الشقاء في هذه الدنيا وما هو سبب السعادة والبعد عن الشقاء في هذه الدنيا، كل إنسان يتمنى أن يعيش سعيدًا مرتاحًا. يقول الله سبحانه وتعالى (طه ﴿١﴾ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى ﴿٢﴾) القرآن ما نزل ليكون شقاء (إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى ﴿٣﴾ تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا ﴿٤﴾) بيان مصدره يبين أن لا يمكن أن يكون سببًا للشقاء فالله سبحانه وتعالى رحيم كريم وتواب ولطيف وهو الشافي سبحانه وتعالى وهو كما في حديث المسند الذي قوّاه أهل العلم هو الطبيب سبحانه وتعالى قال الله الطبيب وأنت رجل رفيق – جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرأى خاتم النبوة فقال له أطبّها لك يعني أعالجك منها فقال إنما أنت رجل رفيق والله الطبيب. نسأل الله أن يجعل كلامه شفاء لنا. يقول الله سبحانه وتعالى واصفًا لنا مصدر القرآن (تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا ﴿٤﴾ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴿٥﴾ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى ﴿٦﴾ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴿٧﴾ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴿٨﴾) فإذا عرف الإنسان كل هذه الصفات وتذكرها فرح بهذا القرآن ولم يكن سبيلًا للشقاوة أبدًا وهذا متصل بآخر السورة كما سيأتي.

هذه المقدمة جاءت بعدها قصة موسى وبينت كيف أن اتباع الوحي هو النجاة وقد نجّا الله موسى ومن معه وأن الإعراض عنه هو الشقاء وقد أهلك الله فرعون ومن معه. وجاء بعد نهاية هذه القصة قوله تعالى (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا ﴿٩٩﴾ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ) من أعرض عن القرآن (فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا ﴿١٠٠﴾) ثقل فوق ظهره (خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا ﴿١٠١﴾) نعوذ بالله! (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا ﴿١٠٢﴾) ثم ذكر آيات تذكر اليوم الآخر (وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا ﴿١٠٨﴾) إلى أن قال سبحانه وتعالى (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴿١١٤﴾) ثم آتاه علمًا آخروهو قصة آدم فذُكرت قصة آدم وجاء فيها قضية الشقاء التي تكلمنا عنها أن القرآن ما نزل للشقاء وإنما نزل للسعادة هنا يقول الله سبحانه وتعالى لآدم وحواء بعد أن أُهبطا من الجنة وذكر قصتهما وأكلا من الشجرة قال (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴿١٢٣﴾) لا يمكن أن يشقى من اتبع الهدى، إذا اتبع الهدى خمسين في المائة يبتعد عن الشقاء خمسين في المائة وإن كان الرب أكرم فمن تقرب إليه شبرًا تقرّب إليه ذراعًا سبحانه وتعالى لكن القصد أن السبيل لعدم الشقاوة والضلالة هو اتباع هذا الهدى (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴿١٢٤﴾) لا شقاوة أعظم من هذه! كان في الدنيا يرى لكن يوم القيامة يُحشر أعمى (قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ﴿١٢٥﴾ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴿١٢٦﴾) واحد لا يقرأ القرآن ولا يريد أن يعرف حُكم القرآن ولا يستمع للقرآن ويفرّ من القرآن ولا يؤمن بالقرآن يُحشر والعياذ بالله مع العميان يوم القيامة نسأل الله السلامة!

وفي خاتمة السورة جاءت تثبيتات للنبي صلى الله عليه وسلم تذكره بقيم الأشياء وإذا عرفنا أن القرآن هو مصدر السعادة وأن الإعراض عنه هو مصدر الشقاء فما قيمة الشياء الأخرى؟! لا قيمة لها. قال سبحانه وتعالى (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴿١٣١﴾) وقال له في الآيات (والعاقبة للتقوى) وفي آخر آية من السورة قال الله سبحانه وتعالى (قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى ﴿١٣٥﴾)

سورة الأنبياء

ثم جاءت سورة الأنبياء يقول الله سبحانه وتعالى في أولها (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴿١﴾) فهناك تناسب بين آخر سورة طه وأول سورة الأنبياء (فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى ﴿١٣٥﴾ طه) قال هنا (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴿١﴾ يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴿٢﴾) ما همّهم (لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴿٣﴾) بداية هذه السورة  تدل على لإعراض شدي من الكفار وجاءت السورة وهي مكية كالسور السابقة جاءت لترد على شُبه المشركين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر وادّعاء الولد لله سبحانه وتعالى وإشراكهم مع الله سبحانه وتعالى فجاءت السورة ترد عليهم في هذا الأمر وتجد في السورة كثيرًا من الآيات مفتتحة بقوله تعالى (ما) أو (وما) وهذه الآيات التي تبدأ بهذا الشكل تكون غالبًا في الردّ على شيء عندهم قال الله سبحانه وتعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿٧﴾ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ ﴿٨﴾) تتكرر (وما) كثيرًا في السورة إلى أن يقول الله سبحانه وتعالى في آخرها (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴿١٠٧﴾) تتكرر (ما) كثيرًا في السورة وتأمل فيها تجد بعدها إثباتًا لشيء ونفيًا لشيء وتصحيحًا لعقيدة وربطًا بالله سبحانه وتعالى خالق هذا الكون قال (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ﴿٣٤﴾ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴿٣٥﴾)

وجاء في النصف الثاني من السورة وسط هذه الردود على المشركين وصف لكثير من أنبياء الله وذكر لقصصهم وبيان لعبوديتهم لله سبحانه وتعالى.

وفي آخر السورة جاء تهديد يشبه أولها، أولها (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴿١﴾) وفي آخرها يقول الله سبحانه وتعالى (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا) من شدة الخوف! (يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ ﴿٩٧﴾) هذا مناسب لأول السورة (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ) وهنا يقولون (قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ) فيأتيهم الكلام الذي أسأل الله أن يعيذنا منه (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ﴿٩٨﴾ لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٩٩﴾ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ ﴿١٠٠﴾ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴿١٠١﴾ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ ﴿١٠٢﴾ لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴿١٠٣﴾) أسأل الله أن يجعلنا منهم. في آيات عظيمة تصف يوم القيامة.

وقال الله سبحانه وتعالى في آخر السورة والسورة تدور حول النقاش مع الكفار وفي آخرها أمرٌ لرسول الله بالتسليم لله في أمر هؤلاء الكفار قال سبحانه وتعالى (قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴿١١٢﴾).



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل