التعريف بسور القرآن - سورة الحج، المؤمنون، النور

سورة الحج وسورة المؤمنون وسورة النور

الشيخ محمد نصيف

(التفريغ حصريًا لموقع إسلاميات)



الإنسان لو عاش حياته كلها يتأمل في القرآن لما شبع منه ولما أخذ من النور إلا بقدر ما يمدّه الله به وإلا فإن القرآن لا يحاط بمعانيه بل إن السورة الواحدة لو أمضيت فيها سنوات لوجدت فيها العجب العجاب وإنما القصد الإشارة والتنبيه والحث على التدبر.

سورة الحج

هي من أكثر سور القرآن من جهة الخلاف في أمور كثيرة فيها منها هل هي مكية أو مدنية، هي من أكثر السور التي اشتهر فيها الخلاف هل هي مكية أو مدنية أولًا لأنه كثر فيها النداء بـ (يا أيها الناس) وإذا أردت أن تقسم سورة الحج إلى أقسام تجد أنه ورد فيها هذا النداء (يا أيها الناس) أربع مرات، هذه المرات الأربع تعتبر كأنها أربعة أقسام للسورة. وخطاب بـ (يا أيها الناس) يكون عادة في الخطاب المكي، خطاب (يا أيها الذين آمنوا) اعتبره العلماء أن هذه السورة مدنية والخطاب بـ (يا أيها الناس) علامة أن السورة مكية وهذه السورة جاء فيها النداء أربع مرات بـ (يا أيها الناس) فهذا مما جعل بعض العلماء يرجح أنها مكية لكن نجد فيها كثيرًا من الحديث عن النصر والقتال والجهاد وهذا يتناسب مع العهد المدني لا العهد المكي. في نفس الوقت فيها كثير من الحديث عن عظمة الله وقدرته وتسخيره للكون والحديث عن الشرك وضلال أهل الشرك وهذا يتناسب مع القرآن المكي. وفيها ذكر للأضاحي والحج ونحو ذلك من الأحكام التي تناسب أكثر العهد المدني لذلك حصل فيها خلاف كبير ورجّح بعضهم - وهو الذي أميل إليه والله أعلم - أنها مدنية وليست مكية خاصة أن القتال وذكره في السورة انتشر في عدد من آياتها وهذا معروف أنه في العهد المدني فإن لم تكن مدنية فإنها مما نزل مؤخرًا في مكة قبل المدينة تمهيدًا لأمر الجهاد ونحوه.

هذه السورة وكثير من السور بهذا الشكل إذا قلنا أن السورة تنقسم إلى أقسام أو تتكلم في موضوع لا يقصد بهذا المعنى الحرفي الموجود في الكتب (كتاب يتكلم عن موضوع كذا أو عن موضوعين أو ثلاثة بطريقة مرتبة على شكل أبواب) ولكن القرآن ليس بهذه الطريقة لأن القرآن لا يخاطب عقلك، بعض الكتب تخاطب عقلك وبعض الكتب تخاطب الروح والنفس وبعض الكتب تهتم بجانب الاقتصاد أو بجانب الاجتماع أو بجانب القضاء ونحوه كل كتاب له خصوصية أما القرآن فلا (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ (89) النحل) جاء هداية للعقل وهداية للروح وتطهيرًا للقلب وشفاءً لما في الصدور وحكمًا عدلًا بين الناس فطريته مختلفة ولذلك في هذه السورة تجد الموضوعات تمتزج وتتادخل وهذا يبين لك سرًا من أسرار كونك مطالبًا كمسلم بأن تعيد قرآءة القرآن أكثر من مرة لأنه لا ينكشف لك من مرة أو مرتين أو ثلاثة بل كلما قرأت أكثر كلما انكشف لك ما كان مغطى (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ (40) النور) نسأل الله أن ينور قلوبنا بالقرآن، كلما قرأت القرآن ستجد شيئًا آخر خاصة سماع القرآن وقرآءته في الصلاة فهذا له سرٌ آخر فعندما تستمع إلى الآيات في التراويح غير أن تقرأ من المصحف لأن القرآءة في الصلاة لها حال وفيها تنزّل نور لا يجده الإنسان خارج الصلاة ولو جربت أن تحفظ سورة بشكل جيد وقمت بها نصف ساعة أو ساعة لوحدك تقرؤها تجد فيها من الأنوار ما لا تجده مع جماعة المصلين لأن هذا القرآن أمره عجيب. والجن وهم من مخلوق عجيب بالنسبة لنا يقولون (فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) الجن) الجن يتعجبون من هذا القرآن والذي لا يتعجب منه إنما يفقد التعجب لقلة صلته بالقرآن، لقلة قرآءته للقرآن وإلا فإنه أعجب من كل كتاب نسأل الله أن ينفعنا بهذا الكتاب.

هذه السورة فيها عدة موضوعات منها موضوع البعث والقيامة وأهوال يوم القيامة وشدة عذاب الكافرين ووعد الرب سبحانه وتعالى للمتقين.

موضوع ثاني متكرر في السورة النصر على الأعداءوهذا قد يظهر في البداية أنه بعيد عن الآخرة، النصر في الدنيا على الأعداء مع أن النصر نوعان: نصر في الدنيا ونصر في الآخرة وكلاهما وُعد به المؤمنون لكن النصر التام الفاصل الخاتم إنما هو في الآخرة (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ ﴿١٩﴾ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ﴿٢٠﴾ وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ﴿٢١﴾ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴿٢٢﴾) يقول كثير من المفسرين أن هذه الآيات نزلت فيمن تبارزوا في غزوة بدر علي بن أبي طالب رضي الله عنه وحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه وعبيدة بن الحارث رضي الله عنه في مقابل من قاتلهم من المشركين والأصح أن هذه الآية يدخلون فيها ويدخل غيرهم. في الحقيقة حمزة قتل خصمه وعلي قتل خصمة وعبيدة قتل خصمه وقُتِل لكن العاقبة النهائية وإن كان في الدنيا انتصر المؤمنون ولكن (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ) هذا في الآخرة مما يدل على نصر الدنيا هو نصر ولكن النصر التام في الآخرة (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ) آيات مخيفة وآيات السورة عظيمة.

قال الله سبحانه وتعالى في مطلعها وهو يتحدث عن القيامة(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴿١﴾ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ) كلمة (كل) هنا مهمة، المرضعات لسن على درجة واحدة من الشفقة فلو قال تذهل المرضعة قد تكون هذه المرضعة فيها قسوة لكن قال (تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا) (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴿٢﴾) جاء هذا التهويل العظيم والتخويف الشديد والدعوة إلى تقوى الله قبل هذا اليوم العظيم.

في القسم الثاني من السورة أثبت الله البعثفقال (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ) تكررت كلمة (يا أيها الناس أربع مرات): النداء الأول (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴿١﴾)، النداء الثاني (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴿٥﴾) النداء الأول يذكر البعث والنداء الثاني يدلل على البعث للذي لا يصدّق بالبعث ويحتاج إلى دليل(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ) وجاء لهم بدليلين من رحمة الله بخلقه يخاطبهم على قدر عقولهم سبحانه وتعالى أتاهم بدليلين دليل من النفس ودليل مما تراه العين (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا) وفي آخر الآية ذكر دليلًا آخر (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴿٥﴾ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٦﴾ وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ﴿٧﴾) في هذا القسم الثاني بعد أن ذكر الله تعالى الدليل على البعث ذكر أحوال الناس كفارهم ومؤمنيهم في التعامل مع ما يصادفهم سواء من كفر وأشرك أو ذلك المتقلب (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴿١١﴾) يقول عبد الله بن عباس رضي الله عنه في صحيح البخاري أن أناسًا جاؤوا المدينة فكان أحدهم إذا رزق خيرًا أو جاءه خير ثبت على الدين وإن كانت الأخرى كان في الطريق الآخر (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴿١١﴾ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ ﴿١٢﴾ يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ ﴿١٣﴾). وهذه الآيات عندما ذكرت الأصناف المختلفة من كفار ومؤمنين أشارت إشارات يسيرة إلى أن الله سبحانه وتعالى سينصر المؤمنين في نهاية الأمر تمهيدًا لما بعدها لأن السورة تتكلم عن القيامة وتتكلم عن النصر في الدنيا (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ﴿١٥﴾) هذه الآية فيها تهكم، وهذه الآيات إما أن تكون مكية أو مدنية لكن في بداية العهد المدني عند تشريع القتال فالبعض متردد متذبذب كالذي يعبد الله على حرف لا يعرف هل سينصر الله المؤمنين وينصر رسوله الكريم أو لا، قال (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ) من كان يظن أن الله لن ينصر نبيه في الدنيا والآخرة ماذا عليه أن يصنع؟ قال (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ) السبب هو الحبل، إلى السماء عند العرب السماء هو كل ما علاك فسقف الدار هو سماء، (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ) أي ليربط حبلًا في سقف الدار ليقتل نفسه لأن ظنّه لا يؤثر في الحقيقة شيئًا والحقيقة أن الله ناصر نبيه (ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ) لا يؤثر هذا الفعل الأحمق الذي يمكن أن يفعله الإنسان في حقيقة الأمر شيئًا: الله ناصرٌ نبيه وناصر المؤمنين معه في الدنيا وفي الآخرة.

في هذا القسم أيضًا ذكر الله أيضًا الحج وذكر في مقدمات آيات الحج أن الكفار صدّوا عن سبيل الله وعن بيت الله(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٢٥﴾) ثم ذكر ما يتعلق بإبراهيم وبناء الكعبة ثم قال (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا) هذا تمهيد للقتال (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴿٣٨﴾ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴿٣٩﴾ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ) الصحابة والمهاجرون وهذا يدل على أن هذه الآيات نزلت في المدينة (إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴿٤٠﴾) الصوامع والبيع والصلوات هي مرادفة للمساجد، عند المسلمين المساجد وعند اليهود والنصارى تسمى أماكن العبادة بأسماء أخرى من كان منهم على التوحيد لولا القتال (لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ) لا بد للمسلمين أن يكون لهم دفاع عن أنفسهم (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) ولو لم يدافعوا عن أنفسهم ولو لم تكن هناك سنة التدافع بين المؤمنين والكافرين ستهدّم أماكن عبادة الموحّدين (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴿٤٠﴾ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴿٤١﴾) ذكر الله هنا صفات المنتصرين حتى نعرفها، من هم الذين ينصرهم الله؟ (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ) (وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) فالذي يريد أن ينتصر ويعلو في الأرض ويتكبر عن شرع الله هذا ليس موعودًا بالنصر وإنما الموعود بالنصر هو الذي يريد أن يقيم دين الله في الأرض.

في القسم الثالث جاء نداء ثالث(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴿٤٩﴾ فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴿٥٠﴾ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴿٥١﴾) وبيّن هنا النصر في الآخرة والفصل بين الخلائق في الآخرة مع التذكير بقدرة الله لأن الإنسان يضعف إيمانه بالنصر إذا صعفت معرفته بمن سينصره قال (ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ﴿٦٠﴾ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴿٦١﴾) وذكر آيات أخرى. (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) من آمن بهذه الحقيقة آمن بقوة الله وقدرته إيمانًا يجعله يوقن أن النصر لمن ينصره الله سبحانه وتعالى (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) يدخل الليل في النهار ويدخل النهار في الليل أول سؤال هل يمكن لأحد أن يتدخل في هذا الإدخال بشيء؟ لا يمكن. كل يوم يتغير النهار ويتغير الليل وما يصنعه الناس هو وصف لهذا الحدث العظيم الذي لا يتحكم فيه إلا الحكيم العليم، تطورت البشرية الآن لكنهم لن يتمكنوا من اختراع شيء يطيل الليل أو يقصّر النهار أو يزيدوهما دقيقة أو نصف دقيقة! (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) فهو قادر أن ينصر الإيمان وأهل الإيمان على أهل الكفر. من الذي يجعل أهل الكفر يتقدمون أحيانًا؟ الله، ومن الذي يؤخرهم في أحايين أخرى؟ الله، من الذي يشدد الابتلاء على المؤمنين تمحيصًا واختبارًا وابتلاء ورفعة للدرجات وتكفيرًا للسيئات واجتباء لمن أراد من الشهداء؟ الله، هو الذي يتحكم في هذا كله، وهذا الليل والنهار مثال يذكّرنا، قدرة الله على الليل والنهار كقدرته على المؤمنين والكفار لا فرق، لكنه سبحانه وتعالى يعطي الناس اختيارًا ويعطيهم بحكمته ما يعطيهم وهنا يظهر المؤمن من غيره، المؤمن يستدل بالمخلوقات على كل ما يحدث أمامه في هذه الأرض.

وفي آخر السورة جاء خطاب للمشركين(يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ) قالوا هذا من خصاص هذه السورة، الأمثال في القرآن كثيرة والمثل الوحيد الذي أمر الله بالاستماع له هو هذا المثل قال (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ) هذا يدل على أنه يحتاج مزيد انتباه قال (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴿٧٣﴾) لو الذباب أخذ شيئًا من هذه الآلهة مهما كان هذا الشيء قليلًا لا يستطيعون استرداده فكيف لهؤلاء وآلهتهم أن ينتصروا على من إلههم يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو سميع بصير سبحانه وتعالى؟! لا يمكن. ولذلك ختمت السورة وهي تدور حول النصر (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴿٧٨﴾)

سورة المؤمنون

من اسمها تدور حول الإيمانلكن بطريقة القرآن التي تمتزج فيها الأمور ففي أول السورة صفات المؤمنين(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١﴾ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴿٢﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴿٣﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴿٤﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴿٥﴾ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿٦﴾ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴿٧﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴿٨﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴿٩﴾ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ﴿١٠﴾ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿١١﴾) ومهمة المسلم إذا استمع لهذه الآيات أن يبدأ في حساب نفسه، (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) هذه بشارة طيبة لكن الله أعطانا صفات فقال (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) فيبدأ الإنسان يحاسب نفسه على صلاته (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) قد يخشع الإنسان في صلاته لكنه خارج الصلاة يفرح بسماع اللغو والكلام الفاحش، عليه أن يتبعد عن اللغو، (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ) إلى أن قال (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ﴿١٠﴾ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿١١﴾) نسأل الله أن يجعلنا منهم.

وبعد أن ذكر صفات المؤمنين ذكر شيئًا يزيد الإيمانقال (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ﴿١٢﴾ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ﴿١٣﴾ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴿١٤﴾) والآن مع الأجهزة الحديثة التي صارت تصور ما يحدث داخل البطن داخل الرحم ترى هذه الآية ماثلة أمامك ويصورون بالأيام ثم يكبر الطفل بعد أن كان صغيرًا يبكي (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78) النحل) ثم يتكلم (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ).

ثم ذكر الله من قصص أنبيائه قصة نوح وأشار إلى غيره من الرسل وذكر موسى وكل هؤلاء يدعون إلى دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وهي الإيمان فبعد أن ذكر صفات المؤمنين وما يزيد الإيمان ذكر قصص السابقين التي تدل على نجاة المؤمنين وعلى هلاك الكافرين إلى أن قال سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴿٥١﴾ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ﴿٥٢﴾) ثم ذكر اعتقادًا باطلًا عند الكافرين يعتقدون أن الخير كل الخير هو في المال والبنين والحقيقة أن الخير كل الخير في غير ذلك، قال الله سبحانه وتعالى (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ ﴿٥٥﴾) هذا الاعتقاد الفاسد قد يخطر في أذهاننا أحيانًا وقد يجول في قلوبنا أحيانًا (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ ﴿٥٥﴾ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ ﴿٥٦﴾) هؤلاء لا يشعرون، ما الحقيقة؟ هم يحسبون أن ما يمدهم به من مال وبنين مسارعة في الخيرات، هو اختبار قد يكون خيرًا له في العاقبة وقد يكون شرًا، قال (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ ﴿٥٥﴾ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ ﴿٥٦﴾) نحن نريد أن نشعر بالحقيقة فما هي؟ (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴿٥٧﴾ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴿٥٨﴾ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ ﴿٥٩﴾ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) يفعلون الخير وهم خائفون لأنهم سيرجعون إلى الله سبحانه وتعالى (أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ﴿٦٠﴾) يقول الخالق سبحانه وتعالى وهو الذي يعلم الخير والشر على حقيقته (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴿٦١﴾) إذن ماذا يقول المخلوقون بعد ذلك؟! هل يمكن أن تستمع لإنسان بعد كلام الله؟! (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴿٦١﴾ وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿٦٢﴾) نسأل الله أن يجعلنا من المسارعين للخيرات.

ثم في بقية السورة جاءت تهديدات شديدة للكفار مع وعظ لهم وتذكير بقدرة الله في الكونفجاء من تهديدهم قول الله سبحانه وتعالى (حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ ﴿٦٤﴾ لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ ﴿٦٥﴾) وجاء (حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴿٧٧﴾) ثم جاء قوله سبحانه وتعالى (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴿٩٩﴾) ثم جاء قوله (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ﴿١٠١﴾ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ) وهم أهل الإيمان (فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿١٠٢﴾ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ﴿١٠٣﴾ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ﴿١٠٤﴾ أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴿١٠٥﴾ قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ ﴿١٠٦﴾ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ﴿١٠٧﴾ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ﴿١٠٨﴾ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ﴿١٠٩﴾ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ ﴿١١٠﴾ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴿١١١﴾) فبدأت السورة بـ (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) وختمت السورة بأن المؤمنين هم الفائزون نسأل الله أن يجعلنا من الفائزين.

سورة النور

سورة النور هذه السورة فيها أنوار عظيمة من الله سبحانه وتعالى إلى خلقه وهذه السورة يمكن أن نقسمها إلى ثلاثة أقسام والسورة نزلت في المدينة وهذا بالاجماع.

أولها فيه حديث عن حادثة الإفك المعروفةوالتي فيها اتهام من المشركين وبعض من انجرف معهم في اتهام لعرض النبي صلى الله عليه وسلم – وهذا دليل أن السورة مدنية – وحادثة الإفك هذه كانت عند غزوة بين المصطلق وهذه الغزوة على الأصح في السنة الخامسة للهجرة يعني في منتصف سكنى النبي صلى الله عليه وسلم في مدينته فهذه السورة متوسطة النزول في بعض آياتها وإن كانت آياتها متفرقة في أحداث متعددة بعد ذلك. هذه السورة تعلمنا أشياء كثيرة ولذلك يقول تعالى في أولها (سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿١﴾)

القسم الأول يتحدث في أمور اجتماعية تحمي المجتمع من الانجراف إلى الزنى والفواحشوالعياذ بالله ولذلك ذكرت فيها عقوبة الزنى وحكم اللعان وذكرت فيها حادثة الإفك بطريقة تنفعنا جدًا في عصرنا هذا، بطريقة هي التي يسميها العلماء التربية بالحدث: حدثت حادثة اتهمت فيها أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها وتعامل الناس معها بطرائق شتى ولا شك أنه في كل عصر وفي كل مصر تتكثر الشائعات وتحصل الشائعات وقد تكثر في وقت دون آخر، كيف يتعامل المؤمن معها؟ هذه السورة تعلمنا في القسم الأول كيف نتعامل مع الشائعات. بعض الناس أول ما تأتيه رسالة بالجوال ينشرها، وهذه مصيبة من المصائب!! السورة مليئة بكيفية التعامل مع الشائعات في حادثة الإفك ولكن نكتفي بكلمة يقول الله سبحانه وتعالى (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ) يعني خبر الإفك (بِأَلْسِنَتِكُمْ) سبحان الله! أنت تتلقى الخبر بأذنك، (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ) لكن هذا يدل على نوع من التسرع يتلقاه بلسانه لا يتلقاه بأذنه بمعنى أن يتلقاه وينقله مباشرة، وهذا مثل الذي ينشر الخبر بالجوال ثم يكتشف أنها إشاعة وقد نشرها، في الأول كان الإنسان ينشر الإشاعة تذهب لشخص أو اثنين بينما الآن برسالة جوال قد تصل لمئات ولو وضعتها في الانترنت قد تصل لملايين فمصيبة! ويقرأ الإنسان هذه الآيات ويسمعها في التراويح ويصلي بها ويتفكر ما هي الصفات التي ينبغي أن يكون عليها المؤمنون منها حسن الظنّ (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ ﴿١٢﴾) أما الاستعجال وسوء الظن الظن بالمؤمنين وعدم البحث عما يؤيد هذا الخبر يصدّقه أو يكذّبه هذه مصيبة! ويحدث أيضًا في غير الجوال فبعض الناس يتسارع إلى كل حديث ينقل إليه عن النبي صلى الله عليه وسلم ينشره وهذا كلام فيه إثم لأن الإنسان لا بد أن يتثبت قبل نقل حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، أحدهم نقل حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أحدهم هذا الحديث موضوع يعني مكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له لا مشكلة معنى الحديث صحيح! هذا النبي صلى الله عليه وسلم! أنت لا تستطيع أن تنقل عن مديرك أو عن ملكك خبرًا إلا إذا تأكدت منه فكيف تنقل عن سيد الخلق صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى؟! إن كنت لا تعرف لا تنشر ولو استطعت تسأل لتتأكد من صحة الحديث فالمسألة ليست لعبة، حديث النبي صلى الله عليه وسلم لا بد أن يُعظّم ولا بد أن يتثبت منه قبل نقله.

فالقسم الأول من السورة فيه أحكام اجتماعية متعددة تتعلق بالاستئذان وجاء فيها غض البصر وجاء فيها مسألة الشائعات وجاء فيها (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿١٩﴾) فكانت هي حماية للمجتمع المسلم.

في القسم الثاني جاء تعريف عظيم بالله سبحانه وتعالىومعرفة الله تُذكر في آيات الأحكام لأنك لا تستقيم على أحكام الله إلا بمعرفة الله سبحانه وتعالى، جاء فيها قوله سبحانه وتعالى (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٣٥﴾) وذكرت فيها آيات تتحدث عن قدرة الله سبحانه وتعالى في خلقه وعن تسخيره للسماء والأرض سبحانه وتعالى وكان هذا تمهيدًا للقسم الثالث.

لأن القسم الثالث جاء في الاستسلام لحكم الله سبحانه وتعالى وذكر وصف المؤمنينفي حالتهم مع استسلامهم لأحكام الله وسماعهم لأحكام الله. فبعد أن ذكر عظمته وقدرته وهدايته لخلقه سبحانه وتعالى قال (وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا) هذه قولة سهلة يقولها أيّ أحد (ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) يقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا لكن لما يأتي الحكم يتولى فريق منهم من بعد ذلك فيقولوا لا نريد أن نحكّم الشرع الآن عصرنا لا يصلح له هذا الشيء أو لا نريد أن نطبّق هذا الحكم أو نسمع كلام الله في الحكم الفلاني أستغفر الله، يكون الله حاكمًا عليهم وهو ربهم! (وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ﴿٤٧﴾ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ﴿٤٨﴾ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ﴿٤٩﴾) إذا كان الحكم الشرعي في مصلحته يقبله، إن كان يعرف أن الحكم الشرعي في خصومته مع زوجته في مصلحته يأتي وإن لم يكن في مصلحته يعرض والعياذ بالله! (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ﴿٤٨﴾ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ﴿٤٩﴾ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ ﴿٥٠﴾ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٥١﴾) قبل أن يسمعوا الحكم إذا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم يقولوا سمعنا وأطعنا (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٥١﴾ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴿٥٢﴾) أسأل الله أن يجعلنا منهم.

 

في ختام السورة بيّن الله سبحانه وتعالى الأدب مع رسوله صلى الله عليه وسلموهذا الأدب مناسب لأول السورة لأن من خاضوا في عرض النبي صلى الله عليه وسلم أساؤوا الأدب جدًا قال هنا (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٦٣﴾) لا تقل يا محمد عندما كانوا يخاطبون النبي صلى الله عليه وسلم لا يقولوا له ما كان يخاطب بنو إسرائيل نبيهم فيقولون يا موسى بل ينبغي أن يقولوا يا رسول الله، يا خيرة خلق الله، يتأدبون معه. وإذا كان هذا التأدب في الخطاب فكيف بالاعتداء على عرضه الشريف صلى الله عليه وسلم وهذا ما وقعت فيه طوائف وضلّت والعياذ بالله! أما المؤمن الحقّ الذي يؤمن بالله ربًا وبمحمد رسولًا فهو يعلم طهارة عرضه صلى الله عليه وسلم وهو يتكلم بأحسن الكلام عنه صلى الله عليه وسلم وهو مستحق لذلك صلى الله عليه وسلم ولا يستحق غير ذلك نسأل الله أن يجعلنا من المتأدبين مع سيد الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل