التعريف بسور القرآن - سورة الفرقان، الشعراء، النمل والقصص

سورة الفرقان وسورة الشعراء وسورة النمل وسورة القصص

الشيخ محمد نصيف

(التفريغ حصريًا لموقع إسلاميات)



سورة الفرقان

مع أنوار سورة الفرقان. يقول الله سبحانه وتعالى في مطلع هذه السورة والسورة نزلت في مكة ويبدو من آياتها أنها نزلت متأخرة لأن فيها نقاشًا مع المشركين يُشعر بأن عددًا من الآيات قد نزل. يقول الله سبحانه وتعالى في مطلع هذه السورة (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ﴿١﴾ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴿٢﴾ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا ﴿٣﴾) هذا المطلع يعّرفنا بأهم ما في هذه السورة: هذه السورة تعرّف بالله سبحانه وتعالى ردًّا على المشركين الذين أشركوا باللهقال (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا ﴿٤﴾) هؤلاء المشركون لهم أقوال متعددة وشُبَه ردّت عليها هذه السورة وبينت أقوالهم وردت عليهم وعرّفتهم بالخالق سبحانه وتعالى أو ذكّرتهم بالخالق الذي يعرفونه لكنهم نسوه وأشركوا به سبحانه وتعالى.

·         الشيء الأول التعريف بالله

·         الشيء الثاني الردّ على المشركين

·         الشيء الثالث النذارة.

النبي صلى الله عليه وسلم بشير ونذير لكن الله سبحانه وتعالى قال في مطلع هذه السورة (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) ما ذكر البشير هنا، ذكره في السورة مبشرًا ونذيرا وذكر في السورة البشارة والنذارة لكن الأكثر في هذه السورة هو النذارة والتخويف الشديد يقول الله سبحانه وتعالى (بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا ﴿١١﴾ إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) السعير أي النار ترى أهلها الذين هم أهلها نعوذ بالله أن نكون منهم إذا رأتهم من مكان بعيد (سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ﴿١٢﴾) خافوا قبل أن يصلوا إليها (وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا ﴿١٣﴾ لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ﴿١٤﴾) ومن النذارة في السورة قوله تعالى (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا ﴿٢٢﴾ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ﴿٢٣﴾) ثم قال ربنا سبحانه وتعالى (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ﴿٢٤﴾) النذارة موجودة والبشارة موجودة لكن النذارة أكثر، أما أن يكون الإنسان لا يستطيع أن يستغني بالبشارة عن النذارة والعكس بل يحتاج إلى الخوف والرجاء والذي يقدّر ذلك هو اللطيف سبحانه وتعالى والقرآن فيه البشارة وفيه النذارة، بعض الناس لا تريد أن تسمع إلا عن الجنة وتتعب من سماع الكلام عن النار أو العكس البعض يقول الناس مفرّطة ويحتاجون لسماع الكلام عن النار لا عن الجنة، هذا خطأ وهذا خطأ والرب سبحانه وتعالى يذكر هذا ويذكر هذا وفي وسط أصحاب الوعيد قال (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ﴿٢٤﴾) ثم قال (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا ﴿٢٥﴾ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا ﴿٢٦﴾ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ﴿٢٧﴾ يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ﴿٢٨﴾ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا ﴿٢٩﴾ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا ﴿٣٠﴾ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا ﴿٣١﴾) النذارة واضحة في الآيات لكن وقف بعض أهل العلم وهو الشيخ السعدي عند قوله تعالى (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ) قال هذا الكلام في عظة يوم القيامة وتهويل يوم القيامة لماذا يأتي اسم الرحمن؟ حتى لا تنسى أن رحمته سبقت غضبه سبحانه وتعالى نسأل الله أن يجعلنا من المرحومين.

واستمرت السورة تقيم الحجج عليهم وتلفت الانتباه إلى قدرة الله في هذا الكون(أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ﴿٤٥﴾) الظلّ كل يوم يمر علينا لكننا لا نفكر فيه لكنه من تيسير الله وتدبيره سبحانه وتعالى وذكر عددًا من الآيات وبعد أن أقام عليهم الحجج قال (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ﴿٥٩﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا ۩﴿٦٠﴾).

ثم ختم السورة بوصف عباد الرحمنوهذا من أتمّ المناسبة بعد أن ذكر الرافضين للسجود للرحمن قال (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴿٦٣﴾) فالسورة في معظمها تتحدث عن الكفار وتنذرهم ثم ذكرت بعد ذلك النموذج الأمثل وهم عباد الرحمن نسأل الله أن يحشرنا في زمرتهم وأن يحلينا بأخلاقهم.

سورة الشعراء

سورة الشعراء تلخّصها آيتان تكررتا في السورة كثيرًا، سورة الرحمن يتكرر فيها (فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، سورة الشعراء فيها آيتان متواليتان تتكرران قوله تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿٦٧﴾ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴿٦٨﴾) هاتان الآيتان تتكرران في السورة، ذُكِرت في أول السورة ثم ذُكِرت قصة موسى ثم ذُكرت هاتان الآيتان ثم توالت القصص في السورة وبعد كل قصة (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿٦٧﴾ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴿٦٨﴾) وملاحظة هذا يعين الإنسان على تدبر السورة. السورة تتكلم أن في القرآن آية ولكن أكثر الناس لن يؤمنوا وتذكّر أن الرب عزيز يعزّ من أطاعه وينتقم ممن عصاه، رحيم بمن أطاعه ورحمته وسعت كل شيء سبحانه وتعالى.

في مطلع السورة يقول سبحانه وتعالى (طسم ﴿١﴾) وهذه أول سورة من السور التي تسمى "الطواسين" لأنها تبدأ بمطلع متشابه: (طسم) في الشعراء وفي القصص وبينهما سورة النمل (طس) يسميها العلماء الطواسين وهذه السور تشترك في أمور أنها تذكر موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام في أول السورة في أول قصة في هذه السور يُذكر نبي الله موسى لكن ذُكر نبي الله موسى في سورة القصص بتطويل شديد وفي سورة الشعراء بتوسط في صفحتين تقريبًا وفي سورة النمل باختصار وهذا من إعجاز القرآن لأنه يأتي بالقصة الواحد مطوّلة ومختصرة ومتوسطة ولا تجد بينها تناقضًا بل تجد بينها تكاملًا وتجد كل طول وقصر مناسبًا للسورة التي جاءت فيها تلك القصة.

فهذه السورة تتحدث أن في القرآن آيةومطلعها (طسم ﴿١﴾ تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴿٢﴾ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴿٣﴾ إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ﴿٤﴾ وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ ﴿٥﴾ فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴿٦﴾ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ﴿٧﴾ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿٨﴾ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴿٩﴾) هذا نوع من الآيات وهي الآيات الكونية (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ).

ثم توالت القصص بعد ذلك بآيات أخرى، آيات شرعية تذكّر بأحداث سابقة لأقوام سابقين أهلكهم الله لما كذّبوه وظهر في إهلاكهم وفي إنجاء المؤمنين أن الرب هو العزيز الرحيم سبحانه وتعالى.

وفي آخر السورة وبعد أن ثبت من خلال السورة أن القرآن آية قال سبحانه وتعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿١٩٠﴾ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴿١٩١﴾ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٩٢﴾) هذا وصف للقرآن ينبغي أن يتأمل فيه الإنسان (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٩٢﴾) ورب العالمين وُصِف في هذه السورة ضمن القصص كانت القصص تبين إهلاك الظالمين وإنجاء المؤمنين ولكن كانت أيضًا تعرّف برب العالمين فلما خاطب موسى فرعون في هذه السورة قال (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿٢٣﴾ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ﴿٢٤﴾ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ ﴿٢٥﴾ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ﴿٢٦﴾ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ﴿٢٧﴾ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٢٨﴾) فهذا تعريف بالله هذا الرب الذي له هذه العظمة هو الذي أنزل القرآن (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ﴿١٩٣﴾ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴿١٩٤﴾) وهذا يبين قدر قلب النبي صلى الله عليه وسلم وطُهر قلب النبي صلى الله عليه وسلم وشرف قلب النبي صلى الله عليه وسلم وكل هذا شرف لمن اتّبعه ولكن طبعًا مع فارق لكن (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا (69) النساء) اختارنا الله وليس هذا باختيارنا لنكون من أتباع من أنزل الله عليه كلامه ليكون من المنذرين (عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴿١٩٤﴾ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴿١٩٥﴾) وهذه الآية (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) تنبهنا على فضل لغة العرب وعلى أهميتها وأن الزهد فيها يزهّد الناس بالقرآن وأن إهمالها يُضعف من فهم الناس للقرآن لأن القرآن بلسان عربي مبين. قال (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ ﴿١٩٦﴾ أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿١٩٧﴾) فالقرآن معروف عند علماء بني إسرائيل وهذا تصديق به ودليل على أنه من عند رب العالمين.

ثم توالت السورة تنفي عن القرآن بعض ما وصف الكفار به القرآن من الشعر وغيره (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ﴿٢١٠﴾ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ﴿٢١١﴾) إلى أن قال (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ﴿٢٢٤﴾ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ﴿٢٢٥﴾ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ﴿٢٢٦﴾ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴿٢٢٧﴾).

سورة النمل

أما سورة النمل فهي أيضًا من الطواسين يقول الله سبحانه وتعالى في أولها (طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ ﴿١﴾) وإن قلنا (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿٨﴾ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴿٩﴾) تجمع سورة الشعراء فيمكن أن يجمع سورة النمل كما أشار بعض أهل العلم في قوله تعالى مخاطبه نبيه (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآَنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ﴿٦﴾) القرآن تلقاه النبي صلى الله عليه وسلم لكن الله هنا وصف نفسه بوصفين (حكيم، عليم) فإذا قرأت السورة يظهر لك علم الله وتظهر لك حكمة الله سواء في الآيات التي يذكرها أو في القصص التي يقصها علينا وقد قصّ علينا قصصًا متعددة كان من أطولها في هذه السورة قصة سليمان حتى بعض العلماء يسميها سورة سليمان. ذُكرت قصة سليمان في سور أخرى باختصار لكن هنا ذكر قصته مع النمل وذكر قصته مع الهدهد ومع ملكة سبأ وأطال، لكن إذا سألنا ما الذي أعطاه الله سبحانه وتعالى لسليمان؟ أعطاه الشيء الكثير لكن قال هنا في هذه السورة (وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا). (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآَنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) السورة تبين قيمة العلم جدًا وتبين أيضًا خطر الجهلكما سيأتي في آخر السورة عند ذكر يوم القيامة.

قال الله سبحانه وتعالى (وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا) رغم أننا نعرف أن سليمان آتاه الله ملكًا لم يؤته أحدًا من العالمين كما ذكر في سورة ص لكن الله آتاه العلم والعلم أعظم من المُلك (وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا) بل نبّه في السورة على أمور في العلم عجيبة فالهدهد الذي كان سليمان قد توعّد أن يذبحه لأنه غائب حماه العِلم من القتل عندما جاءه الهدهد قال (فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ) عرفت شيئًا أنت لم تعرفه (وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ﴿٢٢﴾ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ). بل الأعجب من ذلك أن سليمان لما طلب العرش تكلم عنده رجلان أو شخصان (قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ) ونحن نعتبر الجن عندهم قدرة خارقة ولا شك أن عندهم قدرات ليست عندنا (قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ﴿٣٩﴾) يأتيه بالعرش من اليمن وهو في الشام قبل أن تقوم من مقامك، (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) ليس هناك مقارنة! (فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴿٤٠﴾) فهذا يدل على قيمة العلم. والذي يدل أيضًا على قيمة الجهل والعياذ بالله أن الله ذكر في آخر السورة عن المشركين لأن السورة بعد أن ذكرت القصص بدأت ترد على المشركين وأنهم يتكلون بجهل وينكرون الساعة رغم أن عالم الغيب والشهادة سبحانه وتعالى يثبتها قال سبحانه وتعالى (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴿٨٣﴾ حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٨٤﴾) المفترض إن لم تكن مؤمنًا أن تقرأ القرآن لا تكذب به دون علم (قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا) كذبتم بالآيات وأنتم لم تعرفوها حق معرفتها؟! ولا أحطتم بها علمًا؟! (أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) بماذا أجابوا؟ قال (وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ ﴿٨٥﴾) ما عندهم إجابة لأنه لا يجوز للإنسان أن يكذّب بشيء إلا بعد أن يتعلمه ويعرفه ثم بعد ذلك له أن يُنكره لكن من تعلمه صادقًا أيقن أن النبي صلى الله عليه وسلم يلقّى القرآن من لدن حكيم عليم.

سورة القصص

آخر سورة من الطواسين سورة القصص وسورة القصص أكثر الكلام فيها عن موسى عليه السلام وبعض العلماء يسميها سورة موسى كما أن بعض العلماء يسمي سورة النمل سورة سليمان وبعض العلماء يجعل آخر آيات السورة هي محور السورة. يقول الله سبحانه وتعالى في آخر السورة (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) صحّ عن ابن عباس رضي الله عنه في تفسير هذه الآية (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) يعني لرادّك إلى مكة لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من مكة إلى المدينة والسورة مكية ولكن هذه الآية إشارة إلى الهجرة وبعض العلماء يقول نزلت بين مكة والمدينة بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم لكن هذا لم يثبت فيه سند، لكن الأصل أن السورة مكية وأن هذه الآية (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) ما علاقة هذا بالسورة وقصة موسى؟ إذا سمعنا قصة موسى نجد أنها مرتبطة بها أشد الارتباط.

قصص القرآن جاء لتثبيت النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيت المؤمنين والعبرة والعظة ومن التثبيت ما جاء في هذه القصة لأن موسى خرج من بين أحضان أمه قال الله سبحانه وتعالى (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿٧﴾) وقف العلماء عند هذه الكلمة (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ) وبعد عدة آيات قال الله سبحانه وتعالى (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ) تحقق الوعد. ثم ذكر قصة أخرى وهي خروج موسى من مصر إلى مدين وهو يشبه خروج النبي صلى الله عليه وسلم مع الفرق من مكة إلى المدينة ثم ذكر رجوع موسى بعد لك إلى مصر وانتصاره على فرعون. فهذه القصة جاءت تثبيتًا للنبي صلى الله عليه وسلم.

وجاءت أيضًا إثباتًا لنبوته صلى الله عليه وسلم ولذلك في نهاية قصة موسى عليه السلام التي طالت عدة صفحات قال الله سبحانه وتعالى (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ) النبي صلى الله عليه وسلم ما كان موجودًا فكيف عرف هذا؟ (وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ ﴿٤٤﴾ وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴿٤٥﴾ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) هذا القرآن جاءنا وعرّفنا بكل هذا رحمة من ربك (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴿٤٦﴾)

 

وقال في آخر السورة (وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ) التثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم، لم يكن صلى الله عليه وسلم يؤمّل أن يأتيه وحي من السماء (وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ ﴿٨٦﴾ وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آَيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿٨٧﴾ وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٨٨﴾) قال بعض العلماء هذه الخاتمة مناسبة جدًا للطواسين، انتهت مجموعة من السور فجاءت فيها آية تختم الكلام (وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) نسأل الله أن يجعلنا من المنتفعين بالقرآن.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل