التعريف بسور القرآن - سورة الأحزاب وسبأ وفاطر

سورة الأحزاب وسورة سبأ وسورة فاطر

الشيخ محمد نصيف

(التفريغ حصريًا لموقع إسلاميات)



سورة الأحزاب

سورة مدنية ومن اسمها تعرف تعلقها بغزوة الأحزاب التي كانت في السنة الخامسة للهجرة والمعروفة بغزوة الخندق ولا تخفى على أحد لكن هذه القصة أخذت جزءًا يسيرًا من ذلك والسورة أعم من ذلك. هذه السورة تتميز بكثرة النداءات فيها ما بين (يا أيها النبي) وما بين (يا أيها الذين آمنوا) هذان النداءان يتكرران في السورة. وتكثر في السورة الأحكام المتعلقة بالمؤمنين عمومًا والأحكام المتعلقة بالنبي صلى الله عليه وسلم خصوصًا أو بأحكام مشتركة لكن يكون لها نوع تعلّق بأمهات المؤمنين أو نحو ذلك.

وقد بدأت السورة (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿١﴾) وهذه النداءات أعقبتها أحكام متنوعة إما عامة أو خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم أو مشتركة لكن لها نوع تعلق بالنبي صلى الله عليه وسلملكن هناك نداءين جاءا في وسط السورة لا يتعلقان بالأحكام المباشرة يقول الله سبحانه وتعالى في أولهما (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴿٤١﴾ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴿٤٢﴾ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴿٤٣﴾ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا ﴿٤٤﴾) والنداء الذي تلاه (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴿٤٥﴾ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا ﴿٤٦﴾ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا ﴿٤٧﴾ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴿٤٨﴾) دائمًا وهذا مرّ معنا كثيرًأ وخاصة في سورة النساء تتخلل آيات الأحكام آيات فيها ذكر، فيها موعظة، فيها ترقيق القلوب حتى يتكون عند الإنسان الدافع لكي يعمل بأحكام الله سبحانه وتعالى وهنا أمر زائد خاص وهو بيان مهمة النبي صلى الله عليه وسلم (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) وهذا مناسب لكون السورة فيها كثير من الأحكام الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم والأمر بطاعته صلى الله عليه وسلم. وفي آخر السورة ذكر الله ندم النادمين على ما فرّطوا فيه في حق النبي صلى الله عليه وسلم وفي حق الله أولًا يقول الله سبحانه وتعالى (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا ﴿٦٤﴾ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴿٦٥﴾ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا) يتمنّون وأمانيّ أهل النار متكررة في سور كثيرة لهم أماني متعددة، ما رأيناهم تمنوا أن يتمتعوا بشيء من لذات الدنيا التي فاتتهم لكنهم إما يتمنوا أن يعودوا ليعملوا صالحًأ أو نحو ذلك وهنا يتمنون (يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا ﴿٦٦﴾) وهذه الخاتمة مناسبة للسورة لأن فيها طاعة النبي صلى الله عليه وسلم وفيها أوامر تتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم وفيها أوامر للمؤمنين تتعلق بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فناسب هذا السياق أن تُذكر طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم مع طاعة الله ويندم الإنسان أنه لم يطعهما في هذه الدنيا (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا ﴿٦٦﴾ وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ﴿٦٧﴾ رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا ﴿٦٨﴾).

من الأحكام المذكورة في السورة والمعروفة نسخ حكم التبنيوقد كان النبي صلى الله عليه وسلم تبنى في الجاهلية زيدًأ رضي الله عنه وكان يُدعى زيد بن محمد، نسخ هذا الحكم في هذه السورة قال (وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ) أدعياءكم أي الذين تنسبونهم إليكم (ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ﴿٤﴾ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ) ومما ذُكر أيضًأ في السورة زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب أم المؤمنين رضي الله عنها وكان قد تزوجها من قبل زيد وهو ليس ابن النبي صلى الله عليه وسلم فلا تحرُم على النبي صلى الله عليه وسلم بزواجها من زيد وهذا أمر ربما خاض فيه الكثيرون فقال الله صلى الله عليه وسلم في آخر السورة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا) فلا ينبغي لأحد أن يخوض في عرض النبي صلى الله عليه وسلم أو في نيته أو فيما كان في قلبه صلى الله عليه وسلم وإنما هذا حكم الله سبحانه وتعالى وبيّن أن فعل شيئًأ من ذلك الإيذاء فقد تشبه باليهود لأنهم آذوا موسى إيذاءات كثيرة منها ما ثبت في الصحيح أنهم ذكروه لأنه كان يغتسل وحده بعيدًأ عنهم وأنهم كانوا يغتسلون عراة فقالوا هذا في خصيته شيء (استغفر الله العظيم) فبرّأه الله مما قالوا بأن جعل الحجر الذي كان يضع موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ثيابه وهو يغتسل يجري بأمر الله وهذا ثابت بأمر الله فجرى وراء الحجر يريد ثيابه فرآه الناس ورأوا أن خلقته سليمة فبرّأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهًا.

وذكّر في آخر السورة بعظم المسؤولية على الإنسان فقال (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴿٧٢﴾ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴿٧٣﴾)

سورة سبأ وفاطر

أما السورتان الأخريان فهما سبأ وفاطر وهما مشتركتان في فاتحتهما فسورة سبأ تبدأ بـ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) وسورة فاطر تبدأ بـ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) وهذا يشبه مطلع الفاتحة ومطلع سورة الكهف ومطلع سورة الأنعام وهاتان السورتان نزلتا في مكة وموضوعهما ليس متباعدًا "الحمد" عندما يقول الله (الْحَمْدُ لِلَّهِ) الذي يستحق الحمد هو الله لكن الناس ينقسمون قسمين بعضهم يشكر ويحمد وبعضهم يكفر والعياذ بالله فجاءت السورتان تتكاملان في هذا المعنى فسورة سبأ ركزت على حال الكافرين الذين لا يشكرون النعمة وإن ذكرت عكسهم أيضًا وسورة فاطر ركزت على الشكر أكثر وعلى ما يستخرج الشكر من العبد لو تأمله حوله. ولو لاحظت اسم سورة سبأ، سبأ ذُكروا في السورة وهم كانوا ممن كفر وقصتهم تدل على الكفران وقبلها ذكر سليمان وداوود وهما من أهل الشكر، قال الله سبحانه وتعالى في سورة سبأ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴿١﴾) السورة تركز على الكفر ولذلك ذكرت فيها أقوال الكفار كثيرًا بخلاف سورة فاطر تركز على الشكر وفيها خطاب من الله سبحانه وتعالى يتكرر (يا أيها الناس) يستحثهم على الشكر. قال تعالى في هذه السورة وعندنا ثلاث أقوال ذُكرت للكفار بنفس المطلع:

قال الله (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ) هذا القول الأول

القول الثاني (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴿٧﴾) هذا نفس معنى الكلام الأول لكن فيه استهزاء بالنبي صلى الله عليه وسلم، القول الأول إنكار للساعة (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ) أما القول الثاني فإنكار مع استهزاء وتعجيب ممن يُخبرهم أن القيامة آتية (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴿٧﴾ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ) حاشاه صلى الله عليه وسلم من كل ذلك (بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ ﴿٨﴾)

بعد القول الأول (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ) بيّن الله علمه وإحاطته بما يحدث في الكون وإذا كان هو كذلك والكفار يعترفون بذلك فهو الذي أخبر أن القيامة آتية قال (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴿٣﴾) لماذا تأتي الساعة؟ قال (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴿٤﴾ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ ﴿٥﴾) فعلم الله وحكمته وعدله تقتضي أن يكون هناك بعث وجزاء وحساب لأننا نرى الظالم يطغى ويتجبر ويموت سليمًا على فراشه وهذا ليس من العدل ولا من الحكمة.

قال في القول الثاني(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴿٧﴾) كأنهم يستبعدون قدرة الله على خلق الناس مرة أخرى، قال (أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴿٩﴾۞) ثم بيّن شيئًأ من ماهر قدرته مع من يكفره ومع من يشكره فذكر قصة داوود وسليمان وقد سخّر الله لهما شيئًا كثيرًا (وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ﴿١٠﴾ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿١١﴾ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ) في الصباح تذهب مسيرة شهر وفي المساء ترجع مسيرة شهر مسخرة لنبي الله سليمان (وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ) عين النحاس قالوا النحاس كان يجري له كأنه عين تخرج وذكر البعض أنه كانت له عين تخرج مسخرة له تخرج بأمر الله (وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ) فقدرة الله لمن شكره مسخّرة بهذا الشكل العجيب ومع هذه القدرة إلا أنه محكوم فقال (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴿١٤﴾)

ثم ذكر قوم سبأ وهم مثال لمن كفر بنعمة الله سبحانه وتعالى قال (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴿١٥﴾ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ﴿١٦﴾)

والقول الثالث والأخير في السورة– وهناك أقوال كثيرة في السورة لكن هذه الأقوال جاءت بنفس الافتتاحية (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآَنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) لا بهذا القرآن ولا بالكتب التي سبقته على موسى وعيسى وغيرهم، قال الله (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ﴿٣١﴾) في المرة الأولى بيّن علمه، في المرة الثانية بيّن قدرته وهنا بيّن ما سيحدث في ذلك اليوم العظيم قال (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ﴿٣١﴾) إلى آخر ما ذكر.

وفي آخر السورة دعا للتفكير والتأني في دعوة النبي صلى الله عليه وسلمقال (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ) صاحبهم النبي صلى الله عليه وسلم لكن عبّر بهذه العبارة لأنه صحبوه فهل رأوا فيه الجنون أو الكهانة أو السحر أو الكذب حاشاه صلى الله عليه وسلم من كل ذلك! (مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴿٤٦﴾ قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴿٤٧﴾ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴿٤٨﴾) وعندما قال (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى) هذا فيه تخفيف في المسألة حصرهم في مسألة واحدة أريد منكم شيئًا واحدًا: أن تقوموا لله مثنى وفرادى هنا توقف العلماء قالوا عندما يكثر الجمع يصعب أن يتفقوا على رأي بل يُضلّ الأعلى صوتًا والأحسن لسانًأ وهذا حصل لأبي طالب وهو على فراش موته جاءه النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى التوحيد ويقول له يا عم قل كلمة أحاجّ لك بها عند الله، لكنهم كان كبار الكفار موجودين ففتنوا الرجل ومات على غير التوحيد قال (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى) إذا فكر بصفاء يعرف الحق وبعض الناس يحتاج من يستشيره وإذا كثر العدد غالبًا يضيع الموضوع ويتشتت الناس ولا يصلون إلى رأي مستقيم.

ثم قال في آخر السورة مبينًأ حالهم يوم الدين (وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ) هل يستطيع الإنسان أن يفوت من الله سبحانه وتعالى ويهرب؟! (وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ﴿٥١﴾) وهذا تهديد شديد في آخر السورة التي ذكرت أقوالهم. (وَقَالُوا آَمَنَّا بِهِ) بالنبي صلى الله عليه وسلم، بالقرآن ولكن بعد فوات الأوان ولذلك قال الله سبحانه وتعالى (وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴿٥٢﴾) التناوش هو التناول، (وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ) من أين يأخذوا الإيمان أم أنه قد انتهى زمان إمكان الإيمان؟ انتهى. (وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) أنّى كلمة تقال للاستبعاد، (وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴿٥٢﴾ وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴿٥٣﴾ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ ﴿٥٤﴾).

سورة فاطر

أما سورة فاطر فبدأت بالحمد لكن تستحثّ على الشكر من خلال نداءات من الرب الكريم الغني عن عباده يقول (يا أيها الناس) ثلاث مرات ذُكرت في السورة:

الأولى يقول (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴿٣﴾) كيف تقلبون الأمر وكيف تُقلبون أنتم؟! بدلًا من أن تعبدوا الله تعبدون غيره وأنتم تعرفون أنه هو الذي أنعم عليكم (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) -هذا اختصار لبعض معالم السورة لأن القصد الاختصار والمرور السريع-

ثم ناداهم مرة أخرى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴿٥﴾) المرّة الأولى ذكّر بالنعم وهنام نبّه على أشياء تصرف الإنسان عن شكر النعم، الدنيا ومتاعها (فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) الغَرور هو الشيطان وهو أيضًأ ممن يفتن عن شكر الرحمن سبحانه وتعالى. ما العلاج حتى يضعف تأثير الدنيا والشيطان؟ العلاج هو في الإيمان باليوم الآخر ولذلك هنا ذكر أدلة البعث في آيات متعددة استمرت أكثر من صفحة

 

ثم قال سبحانه وتعالى في النداء الثالث (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴿١٥﴾) عندما يشكر الإنسان قال (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ (12) لقمان) وقال سبحانه وتعالى (إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ۖ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ (7) الزمر) وهنا قال (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ) هذه يدخل فيها كل مخلوق من الناس ولو ملك الملايين ولو عاش ابن ملك ابن ملك ومات وهو على سرير ملكه وعرشه فإنه عاش فقيرًا ومات فقيرًا إلى الله فالذي يعطيه هو الله والذي يسلبه هو الله والغنى الحقيقي والفقر الحقيقي بعد العضر على الله: فريق في الجنة وفريق في السعير. قال سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) إذا كنت فقيرًا وتعرف أن هناك غنيًا اتجه إليه واسعَ إليه فهذه الآيات تستحث على شكر الله وعلى عبادته سبحانه وتعالى وفيها تعريف طويل في آيات متعددة بقدرة الله وبتسخيره للكون وجاء فيها قوله سبحانه وتعالى في آية لو فكر فيها الإنسان وتأملها حقيقة لتغيرت حياته (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا) الأرض لا تزول لوجود الجبال لكن الله سبحانه وتعالى هو الذي ثبّت هذه الجبال، والذي يمسك الأرض والسموات كي لا تزول هو الله (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا) قال (وَلَئِنْ زَالَتَا) (إن) بمعنى (ما) نافية (إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴿٤١﴾) من يستطيع أن يحافظ على الأرض أو على السماء أو على هذه الشمس التي تدور وتتحرك وتمدّنا بالأشعة وبسبب ذلك ينبت النبات، من الذي يمسك كل ذلك ويجعله يسير بمقدار؟ الله سبحانه وتعالى (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ) لماذا يبقيهما والخلق يعصون؟! قال (إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴿٤١﴾) ثم قال بعدها بآيتين في آخر السورة (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا ﴿٤٥﴾) أسأل الله أن يسترنا بستره وأن يعاملنا بعفوه وأن يملأ بأنوار القرآن قلوبنا.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل