التعريف بسور القرآن - سورة يس والصافات وص والزمر

سورة يس وسورة الصافات وسورة ص وسورة الزمر

الشيخ محمد نصيف

(التفريغ حصريًا لموقع إسلاميات)



سورة يس

هذه السورة وردت فيها أحاديث كثيرة في فضلها لكن هذه الأحاديث غير صحيحة بعضها ضعيف وبعضها وصل إلىدرجة المكذوب صلى الله عليه وسلم الأحاديث كثيرة والبدع التي اخترعها الناس متعلقة بهذه السورة كثيرة، يقرأونها في أوقات لم تُشرع فيها أو يقرأونها بصفة معينة غريبة بعضهم يصل إلى كلمة فيها ثم يعود إلى أول السورة ثم يعود بطريقة مخترعة بدعية والبدع فيها كثيرة التي اخترعها الناس متعلقة بهذه السورة هذه السورة لم يثبت فيها حديث إلا حديث واحدًا موقوفًا رأى بعض العلم صحته وهو "اقرأوا يس لموتاكم" وبعض العلماء لا يأخذ به واختلفوا أين يُقرأ على الموت؟ في سكرات الموت وهذا ظاهر الحديث الذي جاء في مسند الإمام أحمد عن الصحابة أن الإنسان في سكرات الموت يُقرأ عليه سورة يس وبعضهم يحملها على ما بعد الموت، لكن هذا هو الحديث الوحيد الذي يحتمل القوة أما غيره من الأحاديث فقد كثرت لكنها غير ثابتة وهناك كتاب للأحاديث الواردة في فضائل يس درسها من الناحية الحديثية وتساهل وحسّن بعض الأحاديث لكنها غير صحيحة، الأحاديث الواردة في سورة يس لكنها من القرآن العظيم وفضلها لا يخفى لكن تخصيصها بفضل أو تخصيصها بقرآءة أو تخصيصها بعد صلوات معينة نُقرأ هذا كله لم يثبت.

هذه السورة فيها تذكير بآيات الله سبحانه وتعالى بطريقتين، تذكير بآيات الله الكونية المخلوقات أو الأحداث التي حدثت في الأمم السابقة بطريقتين:

·         فبعضها يقول الله فيه (وآية لهم) وهذه تتكرر في السورة.

·         والأسلوب الثاني قوله (أولم يروا) وهذا أسلوب فيه حثّ على الرؤية والتأمل، والرؤية البعيدة والعميقة التي لا تكتفي برؤية العين.

هذان الأسلوبان تكررا في السورة مع قصة جاءت في السورة. أول السورة يقول الله سبحانه وتعالى فيه (يس) وهذه مثل (طه) ومثل (الم) و(والمص) من الحروف المقطعة على المشهور وبعض العلماء يعتبرها و(طه) من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم. (وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ ﴿٢﴾ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿٣﴾) القرآن حكيم وهذا دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم من المرسلين على صراط مستقيم من تأمل القرآن عرف ذلك. (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴿٥﴾ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ﴿٦﴾) هنا يصف الله المعرضين عن القرآن وصفًا عظيمًا ارتبطت به كل آيات السورة (وآية لهم) (أولم يروا) مرتبطة بهؤلاء الكفار توقظهم من غفلتهم إن أرادوا الاستيقاظ قال (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٧﴾ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا) أغلالًا أي قيود في الرقبة (فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ ﴿٨﴾) نسأل الله أن يحمينا وأن يسترنا. هذه عند بعض أهل العلم في الدنيا وبعضهم يقول هي في الآخرة والظاهر أنها في الدنيا (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ) قيد في الرقبة مثل البهائم لكنه يصل إلى الذقن، قد يكون القيد صغيرًا لا يعوق حركة الرأس لكن إذا وصل إلى الذقن وطال لا يستطيع هذا الشخص أعاذنا الله أن يحرك رأسه. قال (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ) المُقمَح هو الذي رفع رأسه وحاول غضّ بصره يريد أن ينظر لكنه غير قادر لأن الأغلال التي في رقبته تمنعه من الرؤية هذه صورة الكافر في إعراضه عن دين الله الكِبر والذنوب التي تراكمت عليه تمنعه أن يرى الحق وأن يسلّم به وأن يخضع لله سبحانه وتعالى نسأل الله السلامة.

ثم ذكر أمرًا صعبًا آخر (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴿٩﴾) تكلم إنسانًا أحيانًا تعظه تقول له صلِّ تراه لا يستطيع أن ينظر نظرة صحيحة إلى مستقبله تقول له عمرك الآن ستين سنة فكيف لا تصلي؟! تراه كالأعمى (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) قال (وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿١٠﴾). ثم ذكر صفة الذي ينتفع بالذكرى قال (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) اتبع القرآن (وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ﴿١١﴾).

ثم ذكرت السورة آيات متعددة من أولها قصة أصحاب القرية الذين جاءهم المرسلون، جاءهم اثنان فكذبوهما فعززنا بثالث ثلاثة رسل، دعوهم وآمن بهم رجل من أقصى المدينة يسعى (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ﴿٢٠﴾ اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴿٢١﴾) إلى أن ذكر الله إهلاكهم قال (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴿٣١﴾) هناك قرون أخرى كثيرة غير أولئك المذكورين هم آية للبشر أن الذي يكذّب بالرسل يُعاقب.

ثم قال سبحانه وتعالى (وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ﴿٣٣﴾) وهم أكثر ما يكذبون به في القرآن قضية البعث وقضية التوحيد فتأتي الأدلة لتدلهم على الأمرين فجاء هذا الدليل الواضح أن الذي خلق أول مرة والذي أحيا الأرض التي كانت ميتة قادر على إحياء البشر قال (وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ﴿٣٣﴾) وقال (وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ ﴿٣٧﴾ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴿٣٨﴾ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ﴿٣٩﴾ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴿٤٠﴾) قال (وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ﴿٤١﴾ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ ﴿٤٢﴾) ثم ذكر شيئًا من تكذيبهم، ومن تكذيبهم الشديد بيوم الوعيد أنهم يقولون متى موعده؟! (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٤٨﴾) وعادة إذا طلبوا هذا في كثير من الآيات يردّ عليهم القرآن بذكر ما سيحصل في ذلك اليوم كأن الأمر مسلّم وتأتي أدلته في سور أخرى لكن هنا أو في آيات أخرى وهنا يذكر ما يحصل في ذلك اليوم من باب التخويف الذي قد يردع الإنسان فيرجع ويتوب قال (مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ﴿٤٩﴾ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ﴿٥٠﴾ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ﴿٥١﴾) لاحظنا تكررت (وآية لهم).

أما في آخر السورة فيقول (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ ﴿٧١﴾ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ ﴿٧٢﴾ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ﴿٧٣﴾) المفترض من هذه النعم أن تكون آية على خالقه والمنعِم بها فيتوجهون إليه ويشكرونه، قال (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴿٧٧﴾ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ﴿٧٨﴾ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴿٧٩﴾). وهذه السورة نزلت في مكة وكذلك سورة الصافات بعدها نزلت في مكة.

سورة الصافات

وسورة الصافات تكررت فيها كلمة تستطيع أن تقسم السورة فيها من خلال هذه الكلمة التي تكررت مرتين فقط وهي قول الله تعالى (فَاسْتَفْتِهِمْ). الخطاب لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يستفتي المشركون، هل هم أهل للفتوى؟! هذا نوع من التهكم بهم إن كان عندهم علم فليخرجوه! واستفتاهم في أمرين بأمر الله:

(فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ ﴿١١﴾) هذا لاثبات البعث لأنهم هم متعجبون من البعث والله سبحانه وتعالى ذكر في أول السورة مخلوقات عظيمة لله قال (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا ﴿١﴾ فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا ﴿٢﴾ فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا ﴿٣﴾ إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ ﴿٤﴾ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ ﴿٥﴾ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ ﴿٦﴾ وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ ﴿٧﴾ لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ﴿٨﴾ دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ ﴿٩﴾ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ﴿١٠﴾) إلى أن قال (فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا) من أشد خلقًا؟ السموات والأرض فكيف يعجز عن خلق الإنسان؟! (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ ﴿١١﴾ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ﴿١٢﴾ وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ ﴿١٣﴾ وَإِذَا رَأَوْا آَيَةً يَسْتَسْخِرُونَ ﴿١٤﴾ وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴿١٥﴾ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ﴿١٦﴾ أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ ﴿١٧﴾ قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ ﴿١٨﴾ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ ﴿١٩﴾) فهم يكذبون بالبعث والله سبحانه وتعالى يستدل بهذه المخلوقات التي هي أعظم خلقًا من الإنسان على أن خلق الإنسان أمر سهل هيّن وكلٌ هيّن على الله سبحانه وتعالى

ثم ذكّرهم بيوم القيامة ثم ذكّرهم بالأمم السابقة التي مضت وانقضت ودائمًا تتكرر في السورة (إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) وكلمة (فَاسْتَفْتِهِمْ) جاءت مرتين في أول السورة وفي آخرها. وجاءت (إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) كثيرًا عندما يذكر الهالكين يذكر عباد الله المخلصين، يصف يوم القيامة فيقول (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ﴿٢٤﴾ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ ﴿٢٥﴾) إلى أن ذكر ذنبهم الأعظم (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ﴿٣٥﴾ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ ﴿٣٦﴾ بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ ﴿٣٧﴾ إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ ﴿٣٨﴾ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٣٩﴾ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ﴿٤٠﴾) المخلَصين هم الذين استخلصهم الله سبحانه وتعالى واصطفاهم واختارهم فوحّدوه سبحانه وتعالى وعبدوه وأخلصوا له.

وذكر من قصص الأنبياء وكيف أهلك من أهلك فذكر يوم القيامة وذكر الإهلاك في الدنيا.

ثم جاء الاستفتاء الثاني (فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ﴿١٤٩﴾) ذاك الاستفتاء كان عن البعث وهذا الاستفتاء عمّا يُخلّ بالتوحيد لأنهم ادّعوا أن لله بنات حتى الذي ادّعى لله الولد أتى أمرًا عظيمًا لكن ادّعاءهم لله البنات أعظم من جهة أن العرب كانوا يعتبرون أن البنت منقصة وهي ليست بمنقصة هي هبة من الله كالولد (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ (49) الشورى) لكنهم كانوا يعتبرونه نقصًا ويعتبرونه عيبًا ثم ينسبونه للخالق الذين يشهدون أنه خلق ورزق وأوجد فهذا نوع من التناقض فقال (فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ﴿١٤٩﴾ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ ﴿١٥٠﴾ أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ﴿١٥١﴾ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿١٥٢﴾ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ ﴿١٥٣﴾ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴿١٥٤﴾ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿١٥٥﴾ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ ﴿١٥٦﴾ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿١٥٧﴾)

وفي آخر السورة وعد الله المؤمنين بالنصر وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنهم حتى حين.

سورة ص

سورة ص نزلت أيضًا بمكة وهذه السورة تصف في أولها شدة كفر الكافرين مثل سورة يس لكن يتكرر في السورة كلمة (الذكر) ومشتقاتها في أولها يقول الله سبحانه وتعالى (ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ ﴿١﴾) كلمة الذكر هنا قالوا لها أكثر من احتمال ومعنى:

الذكر الشرف وهذا وارد في القرآن في سورة أخرى (وإنه لذكر لك ولقومك  تسألون) فالقرآن شرف لمن أخذ به.

ويحتمل المعنى الآخر (وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ) أي ذي التذكير الذي فيه تذكير وموعظة ورجح هذا الإمام الطبري لأن الله سبحانه وتعالى قال بعدها (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ﴿٢﴾) يرفضون هذا الذكر ويُعرضون والعياذ بالله (ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ ﴿١﴾ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ﴿٢﴾ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ ﴿٣﴾)

في هذه السورة تتكرر كلمة الذكر أو مشتقاتها يقول الله (واذكر) ثم يقول (هذا ذكر) وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بعد ذكر إعراض الكفار وشدة كفرهم وشدة عنادهم مع الإضارة إلى إهلاك الظالمين قال (اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ) هؤلاء الكفار عليك أن تصبر لكن ما الذي يصبّر الإنسان؟ يحتاج الإنسان إلى ما يصبّره قال (اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ) ثم قال في الصفحة التي بعدها (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ) ثم قال (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ ﴿٤٥﴾) ثم قال (وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ ﴿٤٨﴾) يذكر هؤلاء لأنهم أُسوة وقدوة ومثال للثبات على الحق رغم إعراض المعرضين، ذكر قصص الأنبياء (أذكر ذهبت للطبيب مرة وأنا كبير ومعي كتاب قصص الأنبياء لابن كثير فقال لي أنت رجل كبير وإمام مسجد تقرأ قصص الأنبياء؟! كأن قصص الأنبياء في ذهنه للأطفال، هذا ليس صحيحًا! قال قصص الأنبياء للأطفال!) لكن سيد الخلق وأعرفهم بالخالق سبحانه وتعالى يأمره الله أن يذكر هذه القصص لتثبته فكيف بمن هو دونه؟! نحتاج إلى التثبيت بقرآءة هذه القصص.

بعد هذه القصص قال (هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآَبٍ ﴿٤٩﴾ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ ﴿٥٠﴾) بعد أن ذكر قصص الأنبياء ذكر أهل الجنة وأهل النار بما يذكّر من أراد أن يتذكر وهو نموذج للذكر الموجود في القرآن والعظة الموجودة في القرآن التي يُعرض عنها من أعرض ويصدّق بها من صدّق قال (هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآَبٍ ﴿٤٩﴾ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ ﴿٥٠﴾ مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ ﴿٥١﴾ وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ ﴿٥٢﴾ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ ﴿٥٣﴾ إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ ﴿٥٤﴾) ولو تأملت في هذه الآيات تجدها تتناسب مع الصبر لأن الصبر ضيق وحبس يقولون في اللغة الصبر هو حبس النفس، يقول (جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ) هم صبروا على الضيق إذن جنات عدن مفتحة لهم الأبواب وأنت لو سكنت في مكان جميل جدًا ولكن قالوا الباب مغلق لا تفتحه نحن نفتحه صار سجنًا! ومن جمال المكان أن يكون عندك حرية الخروج منه من يريد أن يخرج من الجنة؟ (خالدين فيها لا يبغون عنها حولا) لكن تفتيح الأبواب فيه إشعار بالحرية وفيه إشعار بالراحة وفيه ما يضاد الصبر لمن صبر في الدنيا والجزاء من جنس العمل. قال (مُتَّكِئِينَ فِيهَا) والاتكاء يكون عندما يكون الإنسان مطمئنًا فالخائف لا يتكئ وهذا من نعيم أهل الجنة (مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ ﴿٥١﴾ وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ ﴿٥٢﴾). ثم ذكر الطائفة الأخرى قال (هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآَبٍ ﴿٥٥﴾ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴿٥٦﴾ هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ﴿٥٧﴾ وَآَخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ ﴿٥٨﴾) الحميم هو الماء الحار جدًا والغساق قالوا شدة البرد لأن النار فيها عذاب متضادّ بأمور متعاكسة ولذلك قال (وَآَخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ) أمور متعاكسة أنت الآن لو أكلت شيئًا باردًا جدًا ثم شربت شيئًا حارًا جدًا تتألم أسنانك، لو كنت في مكان بارد جدًا وتخرج في الحر الشديد تتضايق فجهنم فيها عذابات متضادة نسأل الله السلامة.

في آخر السورة أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأمور فيها إثبات الحجة على الكفارقال أولًا (قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ) النبي صلى الله عليه وسلم يُذكّر وجاء بهذا الذكر من عند الله سبحانه وتعالى لكن ليس مطالبًا بأن يهتدي البشر (قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴿٦٥﴾) ثم أمره أمرًا آخر قال (قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ ﴿٦٧﴾ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴿٦٨﴾ مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴿٦٩﴾ إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴿٧٠﴾) إلى أن قال (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ ﴿٧١﴾) هذه القصة جاءت كما رجّح بعض أهل العلم دليلًا على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم قال (قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ ﴿٦٧﴾ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴿٦٨﴾) أنتم لا تعرفون ماذا حصل لآدم عند الله، من الذي يخبركم به الآن؟ النبي صلى الله عليه وسلم، من أين أتى به؟ (مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴿٦٩﴾ إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴿٧٠﴾ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ) فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا يبلّغ قصة لا يعرفونها كانت في الملأ الأعلى دليلًا على صدقه صلى الله عليه وسلم وقال في آخر السورة (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ﴿٨٦﴾) قد يتكلف الإنسان ويجامل ويتصنع شيئًا ليس عنده لينال أجرًا من أحد والنبي صلى الله عليه وسلم انتفت عنه الصفتان فهو لم يطلب أجرًا من أحد ولم يتكلف شيئًا وإنما جاءه الوحي من السماء (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴿٨٧﴾) أول السورة (ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ ﴿١﴾) وهنا (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴿٨٧﴾) ثم قال سبحانه وتعالى في آخر آية من كلمات قليلة (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ﴿٨٨﴾) كلمات قليلة لكن تحمل معنى كبيرًا جدًا تهديد من الله ستعلم أن القرآن حق إما أن تعرفه في الدنيا وإما أن تعرفه عند سكرات الموت وإما أن تعرفه بعد سكرات الموت وسكرات الموت هي البداية وبعدها تعرف كل شيء، عرف أبو جهل الذي سمع هذه الآيات لكن وهو في قليب بدر عندما قيل له (إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا)؟ فالإنسان سيعرف أن الإنسان حق إما يعرف ذلك في دار الاختيار فينال الأجر من الرحيم الغفار وإما ألا يعلم ذلك إلا بعد حين متأخرة فيندم حين لا ينفع الندم. قال (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ) متى هذا الحين؟ مبهم، كل إنسان له حين يعلم فيه أن كلام ربه هو حق اليقين لكن إما أن يعلمه في وقت الاختيار فينجو وإما أن يعلمه في وقت الاضطرار فيهلك نسأل الله أن يجعلنا من الناجين.

سورة الزمر

كان يقرؤها النبي صلى الله عليه وسلم كل ليلة وهي سورة الزمر ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرؤها والإسراء كل ليلة. وهذه السورة مكية لكن فيها آيات في آخرها نزلت في المدينة وهي (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿٥٣﴾) هذه الآيات نزلت في المدينة لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما هاجر هاجر معه بعض الصحابة ثم فُتن اثنان منهم ورجعا (واحد أو اثنان) إلى مكة جاءه أحد إخوانه قالوا أمك تريدك فضحكوا عليه وأخذوه إلى مكة وفُتن عن دينه وكانوا يظنون أن لا توبة له فنزلت (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) فكتبها الفاروق رضي الله عنه في ورقة وأرسلها إلى هذا الصحابي الذي فُتن وكان في مكة أرسل إليه لم يكتب له إلا هذه الآية يقول: فلما أخذت الصحيفة فقرأتها فلم أفهم فقلت: اللهم فهّمنيها قال فقرأتها ففهمتها ورجع تائبًا مسلمًا إلى المدينة.

هذه السورة كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤها كل ليلة قبل أن ينام. يقول الله سبحانه وتعالى في مطلعها (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴿١﴾ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) هذه الكلمة (إِنَّا أَنْزَلْنَا) تكررت مرة أخرى في السورة وبها تنقسم السورة إلى قسمين:

·         (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴿٢﴾)

·         والآية الثانية (إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴿٤١﴾).

الآية الأولى تقول إن القرآن أُنزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالحق فعليه أن يعبد الله مخلصًا له الدين وهي دعوة للأمة كلها طبعًا وإلا فهو سيد الموحدين صلى الله عليه وسلم قال (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴿٢﴾ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) فهذه السورة تدور حول التوحيد في كثير من آياتها وكثير من آياتها تعقد مقارنة بين أهل التوحيد وأهل الشرك لكنها مقارنات من نوع خاص. المقارنة عادة تذكر طرفًا وتذكر طرفًا آخر (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28) ص) طرفان، لكن في هذه السورة يختلف الأسلوب يقول الله سبحانه وتعالى (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ) أين الطرف الثاني؟ قال (أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ﴿١٩﴾) لم يذكر الطرف الثاني وهذا أسلوب خاص ربما لم يرد إلا في هذه السورة وربما ورد في سور أخرى. وقال (أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) واحد يريد أن يتقي النار يوم القيامة، لا عمل حتى يتقي به النار ولا شق تمرة فيتقي بوجهه لأن يديه مقيدة، يتقي بوجهه يعني أنه شخص مقيد لا يستطيع إلا أن يتقي بوجهه النار، لم يذكر الطرف الآخر (وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ﴿٢٤﴾) قالوا لأن هذا الطرف وحده من تأمل فيه رضي بأي حال غير هذه الحال وأيضًا فيه تركيز للذهن في حالة واحدة ولو ذكر الطرفان تفكر في الاثنان، لكن تصوّر هذا الذي يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة وذكر قبلها (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) ما ذكر الطرف الآخر أيضًا، لا يحتاج لذكر الطرف الآخر (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) فمن كان على هذه الحالة لا يحتاج أن يفكر بالطرف الآخر نسأل الله أن يجعلنا منهم وأن يقينا النار.

وكثرت في السورة الأوامر للنبي صلى الله عليه وسلم بالثبات على التوحيدقال (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴿١١﴾ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ﴿١٢﴾ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿١٣﴾ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي ﴿١٤﴾) وفي آخر السورة يقول الله سبحانه وتعالى لنبيه بعد آيات فيها وعيد شديد قال (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿٥٣﴾) لكن الإسلام دين عمل ولذلك أمر بأوامر قال (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴿٥٤﴾ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴿٥٥﴾)

 

ثم عادت الآيات لتثبت النبي صلى الله عليه وسلم وأمته على التوحيد وتحذّر من الشرك ثم بيّن أن المشركين إنما أشركوا لأنهم لم يعرفوا عظمة الله قال (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٦٧﴾ ) فختمت السورة بالنفخ في الصور وسَوْق المتقين إلى الجنات زمرًا وسوق الكفار إلى جهنم زمرًا وقال سبحانه وتعالى في آخرها (وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٧٥﴾) نسأل الله أن يجعلنا من المنتفعين بالقرآن العظيم.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل