التعريف بسور القرآن - الحواميم

سور الحواميم

الشيخ محمد نصيف

(التفريغ حصريًا لموقع إسلاميات)

نحن اليوم مع مجموعة من السور لها أهمية خاصة عند الصحابة ومن بعدهم من الأئمة وهي السور التي يُطلق عليها (آل حم) وهي السور المبدوءة بـ (حم) وآل مثل كلمة أهل لكنها تطلق على من له شرف ومكانة: آل النبي صلى الله عليه وسلم، آل فلان في الأصل تُطلق هكذا وإن صارت تطلق لتدل على العائلة آل فلان بغض النظر عن شرفهم أو مجدهم أو نحو ذلك لكن هذا في أصل الاستعمال اللغوي فهذا يُشعر بأهميته. ومن أعظم ما وقفت عليه مما يدل على أهمية هذه السور ما ذكره عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وهو من أعلم الصحابة بالقرآن يقول رضي الله عنه: إن مثل القرآن كمثل رجل انطلق يرتاد لأهله منزلًا فمرّ بأثر غيث (المطر لما ينزل يؤثر في الأرض والناس إذا نزل المطر يخرجون إلى البر ليروا الخضرة والماء) فبينما هو يسير فيه ويتعجب منه (يتعجب من أثر الغيث) إذ هبط على روضات دمثات (الروضة البستان، كان أثر الغيث والآن وصل إلى شيء أكثر خضرة) (دمثات أي لينة التربة) فقال عجبتُ من الغيث الأول فهذا أعجل وأعجب، فقيل له إن مثل الغيث الأول مثل عُظم القرآن (معظم القرآن) وإن مثل هذه الروضات الدمثات مثل آل حم في القرآن (وهذه ملاحظة عجيبة من عبد الله بن مسعود وهو من هو في معرفته بالقرآن). ويروى عن بعض السلف أن هذه السور كانت تسمى "العرائس" والآثار الواردة في أهميتها كثيرة جدًا. وهذه السور لو تأملت فيها لوجدت أنها مشتركة في أمور ومفترقة في أمور فهي مشتركة في مدح القرآن والثناء عليه في مطلعها وهذا متناسب مع السور التي تبدأ بالحروف المقطعة، دائمًا السور التي تبدأ بالحروف المقطعة يأتي بعدها غالبًا مدح للقرآن إلا في سور قليلة في سورة غافر مثلًا قال (حم ﴿١﴾ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴿٢﴾ غَافِرِ الذَّنْبِ) وفي سورة فصلت قال (حم ﴿١﴾ تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿٢﴾ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿٣﴾) إلى غير ذلك من السور. الملاحظ أنه بعد ذلك يُذكر موقف الكفار في معظم هذه السور لكن يُذكر موقف مختلف في كل سورة لأن الكفار على درجة واحدة والدعوة لم تمر بمرحلة واحدة فكل سورة تذكر موقفًا مختلفًا. العجيب أنه ما يأتي في السورة بعد ذلك يتناسب مع ذلك الموقف.

سورة غافر

يقول الله سبحانه وتعالى بعد تلك المقدمة التي ذكرنا شيئًا منها (مَا يُجَادِلُ فِي آَيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ ﴿٤﴾) إذن ما موقفهم الآن؟ الجدال، ذُكر الجدال في هذه السورة كما لم يُذكر في سورة أخرى فمثلًا ذكرت في هذه السورة قصة موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وقد ذُكر موسى عليه السلام في 42 سورة ولكن ذُكر في قصة موسى في هذه السورة ما لم يُذكر في سورة أخرى وهي قصة مؤمن آل فرعون، وهذه السورة اسمها غافر وتسمى في بعض المصاحف سورة المؤمن. سورة غافر لأنه في أولها قوله تعالى (غَافِرِ الذَّنْبِ) وسورة المؤمن لوجود قصة مؤمن آل فرعون فيها. قصة مؤمن آل فرعون فيها جدال وأخذ أكثر من كل قصص موسى الأخرى مع فرعون فهذا الرجل أعاد وذكّر عدة مرات بل الأعجب أنه حتى في نهاية قصة موسى ذكر مصيرهم في النار والعياذ بالله قال سبحانه وتعالى (فَوَقَاهُ اللَّهُ) وقى مؤمن آل فرعون (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ﴿٤٥﴾ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴿٤٦﴾ وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ) هذا لم يُذكر في سورة أخرى، يتحاجون في النار، كانوا يتجادلون في الدنيا في آيات الله لكنهم الآن يحصل الجدال بينهم (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ ﴿٤٧﴾ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ﴿٤٨﴾ وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ ﴿٤٩﴾) الجدال يتكرر في السورة حتى في هذا الموقف، هذه سورة غافر. نختصر حتى نمر على السور السبع التي جاءت مفتتحة بـ (حم).

سورة فصلت

وبعد ثناء الله في أولها على كتابه قال عن الكفار (فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴿٤﴾ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ ﴿٥﴾) في السورة الأخرى جادلوا وهنا قالوا (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ) مغطاة لا يصلنا شيء (وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ) آذاننا لا تسمع (وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ) مستوى التكذيب هنا أكبر من سورة غافر، سورة غافر كان فيها جدال ونقاش وهنا امتناع عن سماع أي شيء أصلًا وهنا جاء الأسلوب المناسب مع هذا الإعراض الشديد منها أن الله سبحانه وتعالى ذكر في هذه السورة موقفًا لم يذكره عن السماء والأرض لم يذكره من قبل، وهؤلاء لا يريدون أن يسمعوا يقول الله سبحانه وتعالى (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿٩﴾ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ﴿١٠﴾ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴿١١﴾ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴿١٢﴾) يقارن الإنسان بين إعراض الكفار الشديد وبين السموات والأرض التي هي أعظم قدرًا من الإنسان بكثير كيف تأتي طائعة. ثم مثّل لهم شيئًا من أنفسهم قال (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴿١٩﴾ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٢٠﴾) هم ممتنعون عن سماع القرآن لكن جوارحهم ستشهد في ذلك اليوم عليهم بما صنعوا.

وجاء من تكذيبهم في هذه السورة قولهم (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ﴿٢٦﴾) هذا أيضًا من شدة إعراضهم أنهم يتواصون أنه إذا بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بقرآءة القرآن أن يرفعوا أصواتهم لأنهم يعرفون أنهم ليس لديهم حجة فهذه السورة ليست سورة جدال وإنما سورة انعدام الحجّة ورفض الحق تمامًا ولذلك جاء في آخر السورة في آية تصور الفرق الشديد بين الناس في التعامل مع القرآن والتأثر بالقرآن قال سبحانه وتعالى (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴿٤٤﴾) أولئك أي البعيدون عن القرآن، ينادون من مان كأن الكفار في مكان بعيد يناديهم النبي صلى الله عليه وسلم ليسمعوا القرآن لكنه لا حياة لما تنادي.

سورة الشورى

أما سورة الشورى كان فيها الثناء على القرآن أكثر من ذكر الكفار، كان فيها الثناء على القرآن ثناء شديدًا وتكررت في السورة كثيرًا كلمة (كذلك) وردت في أول السورة (كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٣﴾) ثم قال (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ﴿٧﴾) وقال في آخر السورة (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٥٢﴾) كلمة (كذلك) كلمة تستخدم في هذا السياق في التفخيم، عندما يفشل إنسان في عمل معين ثم يأتي إنسان آخر متمكن في نفس العمل فيعمله فتقول له: هكذا يكون العمل، هذا نفس التعبير، تقريب للتعبير القرآني، هذه عامّية وتلك بالفصحى لكن هي أقرب للفهم (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) مثل هذا الإيحاء الذي لا يشبه إلا به أو يشبّه بالكتب السابقة تفخيم شديد أنه إيحاء متميز ولذلك في آخر السورة نقف مع آخر آيات السورة والسورة تبين عظمة الشريعة وفضلها وتذكر الكفار ولكن ليس بطريقة السور الأخرى قال (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا) القرآن روح وهذه حقيقة تغيب عنا، كل إنسان بعيد عن القرآن ميّت، كل إنسان يعيش بالقرآن حيّ، كل إنسان يأخذ من القرآن شيئًا عنده من الحياة بقدر أخذه من القرآن فالقرآن حياة للقلوب لا حياة للأجساد وكم من إنسان يعيش ميت القلب مصيره إلى جهنم وبئس المصير فالقرآن روح ومن أراد أن يعيش حياة حقيقية فعليه أن يتوجه إلى هذا القرآن لا بالقرآءة فقط فالقرآءة حد أدنى لا يوصِل إلى شيء (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121) البقرة) الذين يؤمنون بالقرآن هم الذين يتلونه حق تلاوته وقد خرج أكثر من كتاب يقولوتن حق التلاوة التجويد وهذا خطأ، يقول ابن عباس يتّبعونه حق اتّباعه. أما التلاوة والتجويد فقد يقرأ أحدهم القرآن كله بدون أي خطأ وهو في عالم والقرآن في عالم آخر، هذا لا يفيده وإن كانت قرآءة القرآن تعينه ولا بد منها لكنها ليست هي النهاية ولا المقصد فهي أمر مطلوب لا لذاته فقط بل ليؤدي إلى أمر أعظم منه بكثير. (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا) وهذه صفة أخرى للقرآن نور والذي يعيش بدونه يعيش في الظلمات. هل رأيت أحدًا يقول لولده اقرأ المنهج وليس ضروريًا أن تفهم؟! يجب أن يفهم، القرآن أُنزل ليُفهم ويُتدبر فلا يكتفي الإنسان بالقرآءة فقط بل لا بد من الفهم وسماع التفاسير والأشرطة والدروس الصوتية للتفسير موجودة ولا بد للإنسان أن يعالج قلبه من خلال هذا الكتاب العزيز.

سورة الزخرف

أما سورة الزخرف فهي أيضًا تثني على القرآن لكن تبين أن إعراض الكفار شديد ومع إعراضهم الشديد إلا أنهم سيذكّرون بالقرآن. قال سبحانه وتعالى (حم ﴿١﴾ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴿٢﴾ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٣﴾ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴿٤﴾ أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ﴿٥﴾) هذه الآية قد لا تكون واضحة تمامًا (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ) أي هل سنُعرض عنكم ولا نذكّركم بالقرآن بسبب إسرافكم وتماديكم في المعاصي؟! لا، بل سيذكّرهم الله بالقرآن. والملاحظ أن صفة الكفار المترددة في هذه السورة كثيرًا هي حب الدنيا ورفع الدنيا ورفع قدر الدنيا. قالوا (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴿٣١﴾) قالوا مكة والطائف، هل في مكة والطائف أعظم من رسول الله؟! لكن العظمة عندهم ليست عظمة الأخلاق، ليست عظمة الطهر، ليست عظمة العفاف، ليست عظمة التحكم في النفس إنما هي عظمة المال همّهم الدنيا (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) وعندما ذُكرت قصة موسى في هذه السورة كما ذكرت في سورة غافر لكن هنا ذكر من حالة فرعون ما يدل على مسألة الدنيا قال (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴿٥١﴾ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ﴿٥٢﴾) لا شك أن موسى خير وأطهر وأطيب لكن هو ينظر إلى الدنيا فقط وفي آخر السورة يقول الله سبحانه وتعالى (وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٨٨﴾ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴿٨٩﴾) سوف يعلمون عاقبة هذا الإعراض والإسراف يوم الدين.

سورة الدخان

سورة الدخان ذكرت في أول السورة أنهم في شك يلعبون، كل صفة لهم تتناسب مع السورة. قال سبحانه وتعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴿٣٨﴾) ثم ذكر عذابهم في الآخر بتفصيل غير موجود في السور الأخرى من آل حم وهو تفصيل يعاكس اللعب، هم يلعبون، قال (إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ ﴿٤٣﴾ طَعَامُ الْأَثِيمِ ﴿٤٤﴾ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ ﴿٤٥﴾ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ ﴿٤٦﴾ خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ ﴿٤٧﴾) هذا الذي كان يلعب في الدنيا، اعتلوه قالوا العتْل الأخذ بقوة، قال بعضهم هو جمع الثوب إلى الصدر ثم شدّ الإنسان يأخذه بعنف إلى حيث يأخذه، هو كان في لعب وغفلة لكن مصيره (خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ ﴿٤٧﴾ ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ ﴿٤٨﴾ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ﴿٤٩﴾ إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ ﴿٥٠﴾) ولما كانوا في لعب وخوض ذكر في هذه السورة تهديدهم في العذاب وذكر كلمة (فارتقب) مرتين (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ﴿١٠﴾) وفي آخر السورة (فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ ﴿٥٩﴾) أي انتظر ما سيحلّ بهم.

سورة الجاثية

وأما سورة الجاثية فهذه تركز على هداية القرآن وإعراض الكفار أيضًا فجاء قوله تعالى (هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ ﴿١١﴾) وقال فيها عن القرآن أو عن بعض آياته (هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴿٢٠﴾) وبعض العلماء يقف مع كلمة (هذا) القرآن أحيانًا يشار إليها بـ(ذلك) وأحيانًا يشار إليه بـ (هذا) مع أن (هذا) للشيء القريب و(ذلك) للشيء البعيد فلماذا يشار بهذا وهذا؟ بحسب المقام، في مقام التفخيم يقول (ذلك الكتاب) ولكن في مقام الإشعار بأنك يمكن أن تنتفع به يقول (هذا) أي هذا هو أمامك ولذلك جاء قوله (لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ (21) الحشر) قالوا هذا أشد في لومهم لأنه قرآن قريب منهم لو أُنزل على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا فلماذا لا ينتفعون به؟! فكلمة (هذا) والله أعلم بمثل هذا السياق تُشعر بأنه قريب يمكن الانتفاع به لكن حال الكفار مختلف ولذلك ذكر من حالهم سبحانه وتعالى قوله (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿٢٣﴾) فهو معرض عن كتاب الله متبعًا إلهه هواه ولذلك لا ينتفع بهذا القرآن.

سورة الأحقاف

هي آخر سورة من آل حم فقد ذكر الله سبحانه وتعالى إعراض الكفار في هذه السورة ثم ذكر لهم حالتين: حالة إعراض وحالة إقبال ممن لا يتوقع منه الإقبال. ذكر حالة الإعراض في قوم عاد وذكر هلاكهم تحذيرًا من السير في طريقهم وقال سبحانه وتعالى (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴿٦﴾ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ﴿٧﴾ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴿٨﴾ الفجر) فهو كانوا أصحاب قوة شديدة وقال تعالى بعد أن ذكر إهلاكهم (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ) مكّناهم في أشياء ما نمكنكم في مثلها، (إن) هنا بمعنى (ما) (إن هذا إلا سحر) يعني ما هذا إلا سحر وهنا (إن مكناكم) أي فيما لم نمكنكم فيه وهذا من بلاغة القرآن ولو قيل ولقد مكناهم فيما ما مكناكم فيه لسببت نوعًا من الارتباك في اللفظ قال (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴿٢٦﴾) فالذي يجحد بآيات الله لا ينفعه سمعه ولا ينفعه بصره ولا ينفعه فؤاده نسأل الله السلامة.

 

لكن العجيب من الموقف الثاني الذي ذُكر في السورة وهو من أناس لا يتوقع منهم الإيمان قال (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ) الله صرف إلى النبي صلى الله عليه وسلم هو يدعو أناسًا وهم معرضون والآن يأتي من لا يتوقع أن يأتي (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا) لم يسكتهم النبي صلى الله عليه وسلم، هذه الهداية إذا أرادها الله سبحانه وتعالى (فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ﴿٢٩﴾ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٣٠﴾ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٣١﴾) لم يؤمنوا بل صاروا دعاة إلى الإيمان مع لإيمانهم فذكرهم الله في هذه الصورة نموذجًا لمن يستجيبوا لأمر الله. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل