التعريف بسور القرآن - سورة محمد والفتح والحجرات

سورة محمد وسورة الفتح وسورة الحجرات

الشيخ محمد نصيف

(التفريغ حصريًا لموقع إسلاميات)



مع ثلاث سور من القرآن موقعها لطيف جدًا في المصحف، وهذه السورة يحفظ الإنسان أسماءها على الأقل: سورة محمد ثم سورة الفتح وسورة الحجرات. هذه السورة سُبقت بمجموعة آل حم آخرها الأحقاف وتلحقها مجموعة بتقسيم النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن عندما قال أعطيت مكان التوراة السبع الطوال، إلى أن قال: وفُضِّلت بالمفصّل فعند كثير من العلماء أن المفصّل يبدأ من سورة ق. إذن هذه السور الثلاث بين مجموعة آل حم وبين مجموعة المفصّل وهي ليست مجموعة خاصة لها اسم يخصها لكن موضوعها متكامل، موضوعاتها الثلاثة تتكامل جدًا وهذا يلفت الانتباه.

سورة محمد

سورة محمد لها اسم آخر مشهور عند العلماء وهو سورة القتال وهذا الاسم أوضح في مقصود السورة. سميت باسم النبي صلى الله عليه وسلم محمد بناء على أن في أولها (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآَمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ) كلمة، لكن سورة القتال لأن موضوعها هو القتال فهو أوضح وهو أوضح في التناسب مع السور التي بعده فبعد القتال يأتي الفتح. سورة القتال تتحدث عن القتال وسورة الفتح تتحدث عن الفتح الذي يكون بعد القتال. وسورة الحجرات نبّه بعض أهل العلم وهو ملمح لطيف واضح في السورة أنها تبين الأخلاق التي ينبغي أن يكون عليها المسلمون حتى إذا قاتلوا نالوا الفتح وإذا تخلفت عنهم هذه الصفات فإنهم لا ينالون النصر وهذا يتضح من الحديث عن السورة التي فيها من الأخلاق التي تفقدها كثيرًا في حياتنا ولا يمكن لأمة أن تنتصر بدون هذه الأخلاق.

سورة محمد تسمى سورة القتال والذي يميز هذه السور الثلاث أنها كلها مدنية والمجموعة التي قبلها سور آل حم مكية كلها وسور المفصّل أغلبها مكي وبالذات السور التي بعدها مباشرة: ق والذاريات والطور والنجم والقمر كلها مكية والرحمن على الأصح أنها مكية والواقعة مكية فجاءت ثلاث سور مدنية بين سور مكية وجاءت تتكلم في أمور تناسب السور المدنية. والقتال في الإسلام شعيرة أساسية وهذه الشعيرة ذُكرت فيها سورة كاملة مثل سورة الأنفال وكثير من آيات سورة التوبة وذكرت في سورة النساء وفي آل عمران كثيرًا وفي أجزاء من سورة البقرة، معظم السور التي تتحدث عن القتال في الثلث الأول من المصحف ونحن قاربنا على السدس الأخير من المصحف (آخر خمسة أجزءا) كأنه تذكير بما سبق على ترتيب المصحف التوقيفي، ذُكر القتال بالتفصيل ثم أعيد لكن سبحان الله الموضوع الواحد إذا أعاده لك الشخص مرتين مللت أما إذا كُرر في القرآن يأتي بأسلوب آخر. الأسلوب هنا في سورة محمد في سورة القتال أسلوب المقارنة بين المسلمين والكافرين في معظم آيات السورة ولذلك تجد كلمة متكررة في السورة كلمة (الذين). يقول الله سبحانه وتعالى (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴿١﴾) هذه أول كلمة (الطين) عن الكفار، (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآَمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴿٢﴾ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ ﴿٣﴾) فائدة هذه الموازنة والمقارنة أن تعرف عدوّك لأن الله يخذله ولا ينصره وأن تعرف أسباب قوتك وهي الاتصال بخالقك، ما قال الذين سكنوا في مكة وصدوا عن سبيل الله أضلّ أعمالهم، ولا قال الذين سكنوا المدينة، العبرة بالكفر والإيمان، الصفة التي تنصرك هي إيمانك والتي تخذله كفره أما الجنس واللون فلا يصلح أن يكون رابطة يقوم عليه قتال يرضي الله سبحانه وتعالى، الجنس واللون والوطن هذه أمور لا قيمة لها القيمة بالكفر والإيمان، تتكرر صفة الكفار والمؤمنين في السورة لتبغيض المؤمنين في حال الكافرين ولتهوين شأنهم لأن الله أضل أعمالهم وقال أيضًا (اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ) مما يُشعر بضعفهم الشديد، هذا كثير في هذه السورة.

جاء أيضًا في هذه السورة سبب النصر الأكبر قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴿ ٧﴾) والغريب أن الإنسان أحيانًا ينشغل بالوعد عن الشرط، الله سبحانه وتعالى قال (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ) ما قال يا أيها الذين آمنوا سينصركم الله، بعضهم ضرب مثلًا قال واحد ولده في الثانوية العامة فقال له يا ولدي إن حصلت على معدل 95 بالمائة فما فوق أشتري لك سيارة شبح، فكان الولد من أول يوم في الدراسة يرجع من المدرسة يتغدى وينام ويقوم صلاة العصر ويذهب إلى معارض السيارات يتفرج على السيارة التي وعده بها أبوه وظل طوال العام بدل الدراسة يفكر بالسيارة، لونها، في النهاية لم يحقق الشرط فجاء أيام الاختبارات ولم يحقق الشرط ثم جاء أبوه يطلب السيارة الذي وعده كالذي يقول يا رب نصرك الذي وعدت! الله سبحانه وتعالى وعد بالنصر لكنه وضع شرطًا (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ)، هل ينصر الله من يحاربه؟ هل ينصر أمة تحارب الله؟! قال الله سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ (279) البقرة) كيف نصر من الله ونحن نحارب الله؟! لا يمكن، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴿٧﴾ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴿٨﴾ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ﴿٩﴾).

في هذه السورة أيضًا بيّن الل الغاةي والنهاية التي يتوقف بعدها القتال وذكر صفة القتال بقوة شديدة قال (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) هذه هي الغاية النهائية في القتال. يقول قتادة رضي الله عنه (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) حتى لا يبقى شرك، عندما ينزل عيسى بن مريم ويكسر الصليب ويُنهى الكفر هذه نهاية القتال وليس أي شيء آخر ولذلك ثبت في مسند الإمام أحمد بسند حسن وصححه بعضهم أنَّ سلمةَ بنَ نُفَيلٍ الحضرميَّ أتَى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ فقال إنِّي سمَّيت الخيلَ وألقيت السلاحَ وقلت لا قتالَ فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ الآنَ جاء اللهُ بالقتالِ لا تزالُ طائفةٌ من أمتي ظاهرينَ على الناسِ يُزيغُ اللهُ بهم قلوبَ أقوامٍ فيُقاتلونهم ويرزقُهم اللهُ منهم حتى يأتيَ أمرُ اللهِ وهم على ذلكَ. فدلّ على أن (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) لا يعني أن الحرب إذا توقفت انتهى، القتال ونشر الإسلام بقوة السيف عند القدرة هو أمر مطلوب شرعًا لا بد منه.

وذُكر في السورة المنافقون كثيرًا والسور التي فيها قتال غالبًا يذكر فيها المنافقون لأنهم يثبطون المؤمنون عن القتال وهم أبعد الناس عن المشاركة بالقتال وكلما استطاعوا أن يفرّوا منه فرّوا.

وفي آخر السورة ثبّت الله قلوب المؤمنين وأمرهم بطاعة الله ورسوله وهوّن لهم من أمر الدنيا وهذا أيضًا مناسب لأن القتال صعب على النفوس قال (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ﴿٣٥﴾ إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ ﴿٣٦﴾)

سورة الفتح

هذه السورة فرح النبي صلى الله عليه وسلم بنزولها جدًا لأنها جاءت على حالة حزن مرت بالصحابة في صلح الحديبية الذي حصل فيه اتفاق مع المشركين وهذا الاتفاق ما أفرح المؤمنين خاصة أنهم كانوا موعودين بأن يدخلوا مكة ويطوفوا يقول عمر رضي الله عنه: كنا معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في سفَرٍ فسأَلْتُه عن شيءٍ ثلاثَ مرَّاتٍ فلم يَرُدَّ عليَّ قال فقُلتُ لنَفْسي ثَكِلَتْكَ أمُّك يا ابنَ الخطَّابِ نزَرْتَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثلاثَ مرَّاتٍ فلم يَرُدَّ عليكَ قال فرَكِبتُ راحِلَتي فتقَدَّمتُ مَخافَةَ أن يكونَ نزَل فيَّ شيءٌ قال فإذا أنا بمُنادٍ يُنادي يا عُمَرُ أينَ عُمَرُ قال فرجَعتُ وأنا أظُنُّ أنه نزَل فيَّ شيءٌ قال فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نزَلَتْ عليَّ البارِحَةَ سورةٌ هي أحَبُّ إليَّ منَ الدنيا وما فيها إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. هذه السورة أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا وما فيها لأنه بشّرت بالفتح المبين، كثير من العلماء على أن صلح الحديبية كان فتحًا أدّى إلى فتح مكة فسورة الفتح تبشر المؤمنين بالنصر ولذلك جاءت كلمة تكررت أكثر من مرة (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿٤﴾) ثم قال (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴿٧﴾) ثم قال (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴿١٤﴾) والإيمان بهذا من أعظم ما يجلب النصر وهو أن كل شيء ملكٌ لله ولله جنود السموات والأرض فلا يخاف المسلمون من شيء.

وفي آخر هذه السورة ذكر الله سبحانه وتعالى صفات المؤمنين الكُمّل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين وُعِدوا بالفتح قال (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) أحيانًا ترى الإنسان يعكس الموضوع أو يستوي عند الأمران: بعض الناس قاسي على الجميع وبعضهم ليّن حتى إنه ليلين في موضع ينبغي فيه أن يكون شديدًا وهناك من يضع كل شيء في موضعه (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ) حال القتال أما في حال دعوتهم فإنك تكون متلطفًا معهم لكن لا تجامل في أمر دينك، تعاملهم بالحسنى وقدوتنا في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لكن في موضع القتال والسورة تتحدث عن النصر والقتال قال (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ) وفي نفس الوقت (رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)  ينبغي للإنسان أن يراجع نفسه ويكون رحيمًا بالمؤمنين خاصة إذا كان هو في وقف ضعف، إذا كان أقل منك اجتماعيًا أو نسبًا أو مالًا أو تحت سلطتك لأي سبب فلا تستغل هذه الفرصة لتتجبر عليه وإنما لترحمه وتلين في كف أخيك (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا) كثيرًا من صفات المؤمنين تُذكر في سور يذكر فيها الجهاد لنعرف صفات من ينالون النصر والصفات التي ينبغي أن يتحلى بها المقاتل في سبيل الله (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴿٢٩﴾)

سورة الحجرات

هذه السورة فيها أخلاق الالتزام بها يجلب الفتح وفقدانها يولّد الهزيمة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) برواية حفص وفي قرآءة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم (فتثبتوا) عندما يأتيك خبر تتبين وتتثبت ومن أعظم ما يزعزع في أي بيئة وهذا يزعزع صفوف المسلمين الإشاعات دون تبيّن ودون تثبّت، كيف لأمة أن تنتصر وهو كلما سمع خبرًا نشره دون التبين والتثبت ودون الرجوع إلى أهل الخبرة والثقة والروية؟! ينبغي للإنسان أن يتأنّى وأن يتروى لا أن ينشر كل ما يسمع دون تروي! هذا مذكور في الآيات وهي أهم ما يحتاجه المؤمنون.

الأمر الثاني سوء الظن (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ﴿١٢﴾) سوء الظن بين المسلمين كيف ينتصرون معه؟!

الأمر الثالث قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ ﴿١١﴾) المسلمون الآن كل واحد في بقعته يستهزئ بالبلد الآخر وأحيانًا يستهزئ بالمدينة الأخرى وأحيانًا بالأحياء، هذا من شمال جدة، هذا من جنوب جدة، المسلمون جسد واحد لا تفرّقهم حدود ولا يفرقهم شيء لأنهم يتوجهون إلى إله واحد سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿١١﴾)

لو أن مجتمعًا فيه هذه الأشياء: سوء ظن، استهزاء، غيبة (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا)، كيف تكون الصدور؟! لن تكون كما وصف الله (رحماء بينهم)!

 

هذه الأخلاق نحتاجها جدًا ومن أعظمها ما جاء في أول السورة. جاء في الحديث: يقول ابن أبي مليكة: كادَ الخَيِّرانِ أن يهْلِكَا أبو بكرٍ وعمرُ رضي اللهُ عنهمَا، رفعَا أصواتَهُمَا عندَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حينَ قدِمَ عليهِ ركبُ بني تَمِيمٍ، (لم رفعا أصواتهما على النبي ولكن رفعا أصواتهما بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم) فَأَشَارَ أحدُهما بالأقْرعِ بنِ حابِسٍ أخِي بني مُجَاشِعٍ، وأشارَ الآخرُ برجلٍ آخرَ، قالَ نافعٌ: لا أحفظُ اسمهُ، فقالَ: أبو بكرٍ لعمرَ: ما أردْتَ إلَّا خِلافِي، قالَ: ما أردْتُ خلافَكَ، فارْتَفَعَت أصواتُهُما في ذلكَ، فأنزلَ اللهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴿٢﴾} الآيةُ. قالَ ابنُ الزبيرِ: فمَا كان عمرُ يُسْمِعُ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بعدَ هذهِ الآيةِ حتى يَسْتَفْهِمَهُ. ولم يذْكُرْ ذلكَ عن أبيهِ ، يعنِي أبا بكرٍ .(صار يكلمه بصوت منخفض من شدة حرصه ألا يقع فيما يخالف). يقول ابن القيم رحمه الله: رفع الصوت فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم يحبط العمل، رفع الرأي فوق رأي النبي صلى الله عليه وسلم ورأي النبي صلى الله عليه وسلم ليس رأيًا (وما ينطق عن الوى إن هو إلا وحي يوحى) رأي الإنسان يحكّم به يقول هذا يدخل مزاجي وهذا لا يدخل مزاجي، يقول هذا أشدّ. وثبت أن أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه سكن عنده النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة قبل أن يسكن في حجراته إبان بناء المسجد والبيت دوران والنبي صلى الله عليه وسلم كان أبا أيوب يريده أن يسكن في الدور الأعلى لكن النبي صلى الله عليه وسلم اختار أن يكون في الدور الأول لأنه أيسر وكما جاء في الروايات أن أبا أيوب كان في الطابق الأعلى والنبي صلى الله عليه وسلم أعلى منه فانكسرت جرّة فخاف أبو أيوب وزوجه أن يقطر الماء على سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم فأخذا ولم يجدا إلا ملحفة فأخذوها وجففوا بها الماء حتى لا يقطر الماء على النبي صلى الله عليه وسلم وهذا من شدة أدبهم مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال الله سبحانه وتعالى في أول آية في السورة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) لا تتقدموا أمام آية أو أمام حديث وإنما ترجع تسمع الآية والحديث وتسير وراءهما.



التعليقات

  1. امينة علق :

    الله اكبر لااله الة الله

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل