التعريف بسور القرآن - سورة الحديد وجزء سورة المجادلة

سورة الحديد وجزء سورة المجادلة

الشيخ محمد نصيف

(التفريغ حصريًا لموقع إسلاميات)



هذه السور التي معنا اليوم تمثل فعلًا كيف كان يربي الرب سبحانه وتعالى بكلامه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين. كل سورة من هذا السور مرتبطة بقصة، هذه القصة موقف حصل بين الصحابة أو من المشركين أو المنافقين ونحو ذلك فتأتي الآيات تربي بالحدث كما يقول أهل التربية لأنك أحيانًا توجه توجيهًا بعيدًا عن الحدث فيكون تأثيره على المتربي ضعيفًا لكن إذا حصل الموقف، واحد يكلم ولده كثيرًا عن كظم الغيظ عند الغضب قد يكون التأثير قليلًا لكن عندما يحصل موقفًا ويمسك الوالد نفسه عن الغيظ فيكون هذا تربية بالقدوة أو بالحدث يعلّق على الحدث تعليقًا معينًا يربط بين النظرية والتطبيق، هذا واضح في هذه السور وإن تفاوتت في ذلك لأن لبعض آياتها سبب نزول وبعضها لا يتعلق بسبب نزول ولكن يتعلق بظاهرة اجتماعية كما في سورة الطلاق أو يتعلق بحالة نفسية للصحابة فتأتي الآيات تربي. وقد كانت أم أيمن رضي الله عنها عندما زارها أبو بكر وعمر رضي الله عنهما بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ذهبا يزوران أم أيمن التي ربّت النبي صلى الله عليه وسلم فعندما دخلا عليها وذكرا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكت فقالا لها لماذا تبكين أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت إني لأعلم أن ما عند اللخ خير لرسول الله وإنما أبكي لأن الوحي انقطع من السماء. كان عندهم اتصال مباشر كلما حصل موقف تنزل الآيات فتقوي المؤمنين وتخيف الكافرين وتصفي القلوب وتُشعر بالمراقبة العظيمة من الله سبحانه وتعالى لخلقه. وإن كنا تكلمنا بالأمس عن كل سورة من خلال آية اليوم نتكلم عن كل سورة من خلال قصة واحدة باختصار نذكر شيئًا من القصة ثم نربطها بالسورة عمومًا.

سورة الحديد

سورة الحديد أول السور التي معنا وهذه السورة من السور التي اختلف فيها هي هي مكية أو هي مدنية والصحيح أنها مدنية ولكن فيها آية مكية وهي قوله تعالى (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴿١٦﴾) فهذه الآية ثبت في صحيح مسلم أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وهو ممن أسلم مبكرًا قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين. هذا يعني أن هذا في مكة لأن ابن مسعود أسلم في مكة مبكرًأ والنبي صلى الله عليه وسلم ظل في مكة يدعو ثلاث عشرة سنة فاستدل العلماء بهذا على أن الآية مكية. انظر إلى الإحكام العجيب: هذه الآية مكية وكل السورة ما سوى هذه الآية مدنية، هذه الآية ما جاءت في أول السورة وإنما جاءت بعد صفحة ونصف أو صفحتين في وسط السورة تقريبًا فجاءت منسجمة مع ما قبلها ومنسجمة مع ما بعدها وهذا متعذر على البشر أن تؤلف كتابًا ثم تضم أشياء تدخلها في وسط السياق هذا لا يمكن وإنما هذا كلام الله سبحانه وتعالى. هذه الآية عاتبت الصحابة على عدم الخشوع مع أنهم خاشعون لكن حسنات الأرار سيئات المقرّبين كما يقال. (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ) نوع من ترقيق القلوب كأنه حصل معهم طول أمد أو شيء من النقص البشري فجاء التذكير بهذه الآية لكن لو لاحظنا السورة كلها بعد ذلك وهي مدنية تدور حول الحذر من قسوة القلوب والحذر من الفسق وأن الأمم السابقة ابتُليت بهذا وأن على الأمة أن تسير في هذا ومطلع السورة لو قرأته آيات عظيمة في تسبيح الله سبحانه وتعالى والآيات إذا قرأتها تشعر أنك تسمع سورة مكية (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) مع أننا ذكرنا أن السورة مدنية لكن حتى في العهد المدني كانت تأتي المواعظ كل فترة لترقق القلوب بعد قسوتها وتُذكِّرها بعد ما قد يعتريها (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿١﴾ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٢﴾ هُوَ الْأَوَّلُ) ليس قبله شيء (وَالْآَخِرُ) ليس بعده شيء (وَالظَّاهِرُ) ليس فوقه شيء (وَالْبَاطِنُ) ليس دونه شيء وليس هناك أحد أقرب لنا من الله سبحانه وتعالى (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٣﴾) وتتابع الآيات في موعظة وتذكير إلى أن يقول الله سبحانه وتعالى في أول أمر في السورة (آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴿٧﴾) لماذا لم تأتي السورة من أولها بـ (آمنوا)؟ لأن هذا الترقيق للقلوب وهذا التذكير بتسبيح الكائنات لله وهذا التذكير بأن الملك كله لله سبحانه وتعالى ويهيئ القلوب لتقبل الأوامر. الأوامر في السورة تقريبًا بعضها جاء مباشرة وبعضها جاء ضمنًا ثلاثة:

·         الأمر بالإيمان

·         الأمر بالإنفاق

·         والأمر بالقتال

جاء بطرق متعددة وجاء التحذير من قسوة القلوب (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴿١٦﴾) هذا تحذير أن ول الزمن يسبب قسوة القلوب إذا لم يكن هناك تعاهد للقلوب دائمًا. وكلمة (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) تكررت في السورة ثلاث مرات في هذا الموطن ثم مرتين في آخر صفحة من السورة في ذكر الأمم السابقة لتبين أن الفسوق هو الأكثر أو هو كثير في كل الأمم ويحتاج الإنسان إلى مراقبة قلبه دائمًا حتى لا يصل إلى هذه المرحلة ولذلك جاء في وسط السورة أيضًا آية تزهّد في الدنيا وآية ترغّب بالآخرة لأن هذا أكثر ما يقسّي القلب قال (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴿٢٠﴾) والتي بعدها مباشرة بعدما زهّد في الدنيا قال سبحانه وتعالى (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴿٢١﴾) هذا ملخّص ما في سورة الحديد وكأنها سورة توقظ الإنسان من غفلته وترشده وترجعه إلى الطريق الذي يجعل قلبه رقيقًا بعيدًا عن القسوة.

سورة المجادلة

أما سورة المجادلة فأظن أن الكثيرين يعرفون سبب نزول أولها وهو أن امرأة ظاهر منها زوجها وقال لها أنت عليّ كظهر أمي وهذه عبارة كانوا يستخدمونها في تحريم المرأة فجاءت المرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات لقد جاءت المجادِلة – سورة المجادِلة وسورة المجادَلة والمشهور على ألسنة الناس المجادَلة هذا صحيح وليس خطأ ولكن الأشهر عن العلماء كما قال الطاهر بن عاشور أنها المجادِلة وكلاهما صحيح فالمجادِلة المقصود بها المرأة التي جادلت والمجادَلة عملية المجادلة التي حصلت فالمعنيان صحيحان والأشهر كما نصّ أهل العلم المجادِلة والأشهر في ألسنة الناس الآن المجادَلة – قالت أم المؤمنين عائشة (ولاحظ التربية بالحدث) الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات لقد جاءت المجادِلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تكلمه وأنا في ناحية البيت - والنبي صلى الله عليه وسلم بيته صغير عليه الصلاة والسلام كان إذا سجد غمز السيدة عائشة لتبتعد قليلًا ليسجد بيته صغير جدًا فهذه المرأة تكلم النبي صلى الله عليه وسلم وأم المؤمنين عائشة في ناحية البيت – ما اسمع ما تقول – معناها أن صوتها منخفض جدًا- فأنزل الله عز وجل قوله (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات لقد جاءت المجادِلة تكلمه وأنا في ناحية البيت لا أسمع ما تقول فأنزل الله عز وجل (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا). هذه التربية بالحدث كيف تنزل هذه الآية على المرأة التي تعرف أن صوتها كان منخفضًا وكيف تسمع هذه الآية أم المؤمنين عائشة وهي تعرف أن الصوت كان غير مسموع لكن السميع سبحانه وتعالى سمعها وأنزل قرآنًا فيها ثم جاءت السورة كلها تٌشعر بإحاطة علم الله بمخلوقاته قد قال الله فيها (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) لا يشترط أن تكون السورة نزلت دفعة واحدة لكن السورة كلها متناسبة مع هذا المعنى وهو أن الله سميع (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٧﴾) وفي آخر السورة حدث أخفى من هذا لأن هذا الحدث النبي صلى الله عليه وسلم سمع المرأة وقد يقول قائل النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي سمعها لكن ثبت في حديث آخر في مسند الإمام أحمد في حديث حسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في ظل حجرة من حجره وعنده نفر من المسلمين –وهذا يتعلق بآية في آخر السورة- قد كاد الظلّ يقلُص عنهم فقال لهم إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعينيّ شيطان فإذا أتاكم فلا تكلّموه، فجاء رجل أزرق فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه فقال النبي صلى الله عليه وسلم يقول له علام تشتمني أنت وفلان وفلان؟ - النبي صلى الله عليه وسلم يأتيه الوحي من السماء – فانطلق الرجل فدعاهم فحلفوا بالله واعتذروا إليه فأنزل الله الآية (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ ﴿١٨﴾) من الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم؟ الله سبحانه وتعالى. هذه السورة تربي على مراقبة الله سبحانه وتعالى وذُكرت فيها النجوى والنجوى هي أن يتهامس اثنان، يتكلم اثنان بالسرّ وهي متعلقة بقضية الاطّلاع على الخفايا نسأل الله أن يسترنا بستره وأن يعاملنا بعفوه وأن يرزقنا مراقبته.

سورة الحشر

هي السورة الثالثة وقال ابن عباس عندما قيل له سورة الحشر قال: قل سورة بني النضيرـ سماها باسم آخر. بنو النضير من اليهود الذين كانوا يسكنون المدنية، كان يسكنها بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة. بنو النضير حاولوا أن يفعلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم عدة أمور إلى أن أراد قتالهم صلى الله عليه وسلم لكنه عندما توجه لقتالهم كان الأمر كما قال الله سبحانه وتعالى في هذه السورة (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﴿٢﴾) في هذه المعركة لم يقاتل المسلمون بل قذف الله الرعب في قلوب الكفار وهنا التربية بالحدث. هذه السورة عجيبة أنت عندما ترى الأشياء ترى ظاهرها لكن كل ظاهر له باطن، كل شيء يتعلق بعالم الشهادة يتعلق بشيء آخر من عالم الغيب. مثال: أنا الآن أتكلم عالم الشهادة يقول أنا الذي أتكلم بقدرتي لكن الذي يؤمن بالغيب يقول أنت لم تتكلم لأن الله أقدرك على الكلام وكم مرة تتلعثم وكم مرة تتردد ومن مرة تنسى اسم واحد تعرفه منذ سنين؟! فعالم الغيب شيء آخر! عالم الشهادة يقول الكفار هُزموا من المسلمين فجاءت السورة تربي الصحابة على الارتباط بالله سبحانه وتعالى وكلنا يعرف أن آخر السورة سوق لأسماء الله الحسنى كما لم تجتمع في سورة أخرى قال (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴿٢٢﴾ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ) المؤمن يعني أمِن البشر أن يعاقبهم بظلم سبحانه وتعالى هذه أحد معاني المؤمن (الْمُهَيْمِنُ) وهذا قريب من السيطرة، الراقبة، الحفظ والمشاهدة منه سبحانه وتعالى (الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٢٣﴾ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٢٤﴾) قال بعض العلماء هذه الأسماء مرتبطة بالسورة وكلمة (هو) متكررة في السورة من الآية الثانية (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿١﴾ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ) أنت رأيتهم يخرجون، المسلمون رأوا الكفار يخرجون لكن من الذي أخرجهم؟ (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا) ربط بالله سبحانه وتعالى (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﴿٢﴾) السورة تكرر لفظة (هو) كثيرًا لتعرّف بالله الذي يحرك الكون ويدبر الأمر سبحانه وتعالى لا شريك له في تحريك ذرة من هذا الكون وإن رايت غير ذلك فذلك لأنك ارتبطت بعالم الشهادة والمؤمن يعرف أن هناك شهادة وهناك غيبًا وأن الله سبحانه وتعالى مدح المؤمنين في أول القرآن قال (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) البقرة) فسورة الحشر تربي من خلال المعركة على أمر آخر وهو أن كل الأحداث تتعلق بالله وأنت تستطيع من خلال تأملك في هذه الأسماء تجد أن بعضها يناسب حال المؤمنين في المعركة وبعضها يناسب حال الكفار في المعركة وبعضها يناسب الفريقين كما نصّ على ذلك الطاهر بن عاشور وفصّل في ذلك تفصيلًا طويلًا في تفسيره. هذه التربية لا يقصد بها أن تكون مثالاً وحيدًا لكن الله سبحانه وتعالى يربي المؤمنين بهذا الحدث حتى إذا حصل أي حدث آخر تربطه بأسماء الله كم من حدث يحصل الآن يذكّرك باللطيف؟ وكم من حدث في حياتك الخاصة يذكّرك بالستير؟ وكم من حدث يذكّرك بالقوي؟ وكم من حدث يذكرك بالقهار؟! كل حدث يذكّر بأسماء الله لكن هذا مثال عملي يربينا الله من خلاله أن نربط ما يحدث بالملك سبحانه وتعالى.

سورة الممتحنة

هذه السورة أيضًا ارتبط أولها بحدث وهو أن أحد الصحابة رضي الله عنهم أجمعين وكان من أهل بدر لكن حصل منه شيء من الخوف وكان المسلمون متوجهون إلى مكة يريدون مكة فأرسل رسالة يريد أن يجعل هذه الرسالة وسيلة له أو حسنة له عندهم فنزل قول الله سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) كيف تحب من يكفر بالقرآن؟! (يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴿١﴾) وذكر لنا في هذه السورة قدوة حسنة قال (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ) وهذه السورة أيضًا تربية بالحدث، حدث شيء فكان تنبيه على مسألة الولاء والبراء (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا) بدا يعني ظهر (حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) والسورة تدور حول الولاء والبراء والمفاصلة والوصل والقطع. الوصل والقطع إنما يكون بأمر الله تصل من أمر الله أن تصله وتقطع من أمر الله أن تقطعه تحب من أمر الله بحبه وتبغض من أمر الله ببغضه. وهنا آية في وسط السورة أظن أن كثيرين في عصرنا يفهمونها خطأ فبعد أن ذكر الولاء والبراء قال (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ) أيها المسلمون (وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً) ما هي هذه المودة المتوقع أن تحصل بين الكفار والمسلمين؟ المفسرون يقولون هذه المودة (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً) بأن يُسلموا في المستقبل فتودّوهم بينما بعض الناس يفهم أنه يمكن أن يحبوكم فيما بعد إذا عاملتوهم بشكل طيب وهذا كلام لا علاقة له بالآية! الآية وعد من الله أنه قد يؤمن بعضهم وهذا حصل بعد ذلك، آمن غالب أهل مكة فيما بعد وأسلموا والآية بعد غزوة بدر وأُحد وسورة الممتحنة نزلت متأخرة. القصد أنه (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً) بأن يؤمنوا وهذا يُشعر أنه لا مودة إلا بحصول الإيمان. والمودة شيء والبر شيء فالبر مطلوب إذا لم يؤذوك ولم يقاتلوك قال الله (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿٨﴾) فأنت تعاملهم بالحسنى لكن الحب يكون بقدر القرب من الله سبحانه وتعالى، تحب الشخص بقدر قربه من الله سبحانه وتعالى.

سورة الصف

سورة الصف لها سبب نزول، قال عبد الله بن سلام رضي الله عنه وهو من اليهود القلة الكرام الذين أسلموا وهو صحابي جليل رضي الله عنه قال: قعدنا - نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - فتذاكرنا وقلنا لو نعلم أيّ الأعمال أحب إلى الله تبارك وتعالى عملناه فأنزل الله الآيات فقرأها علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ عليهم سورة الصف حتى ختمها (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿١﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴿٢﴾ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴿٣﴾ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ﴿٤﴾) وفي آخر السورة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿١٠﴾ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿١١﴾) ثم قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ ﴿١٤﴾) فهم طلبوا وجاءهم الطلب بأمر شاقٍّ على النفوس وهو الجهاد في سبيل الله.

سورة الجمعة

سورة الجمعة مرتبطة أيضًا بحدث لكن هذا الحدث في آخر السورة، أحيانًا يُذكر الحدث في أول السورة وأحيانًا في آخر السورة، هذه في آخر السورة وهو أن الصحابة كانوا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فيهم فجاءت عير قافلة فخرجوا وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه السورة. يقول أبو هريرة كنا جلوسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت سورة الجمعة وهذا يُشعر أنها نزلت دفعة واحدة، نزلت بقوله تعالى (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴿١﴾) آيات طويلة قبل ذكر الحادثة، الحادثة هي انفضاضهم عن رسول الله وهي في آخر السورة وهي قوله (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴿١١﴾) هذه آخر آية في السورة لكن بعض العلماء قالوا الآيات من أول السورة تمهّد لعتاب الصحابة، قالوا أول كلمة في السورة (يُسَبِّحُ) وسورة الصف قبلها أول كلمة فيها (سبَّحَ) سورة الحشر قبلها بسورتين (سبَّحَ) وسورة الحديد قبلها (سبَّحَ) وهنا (يُسَبِّحُ) قالوا هذا تمهيد لما حصل. الذي حصل أن النبي صلى الله عليه وسلم يذكّر الصحابة فهم في حالة ذكر لله سبحانه وتعالى خرجوا إلى القافلة إذن توقفوا عن الذكر فنبههم الله أن هناك من لا يتوقف عن التسبيح لأن الفعل المضارع (يُسَبِّحُ) يختلف عن الفعل الماضي (سبَّحَ). (يُسَبِّحُ) في هذا السياق يدلّ على التكرار يعني مرة بعد أخرى كأنه يقول لهم إن توقفتم عن التسبيح فما في السموات وما في الأرض يسبح لله لا يتوقف (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ). لماذا توقفوا عن التسبيح؟ طلبًا للرزق، طلبًا للمال، نظرًا إلى التجارة فجاءت آخر آية في السورة (وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ). (يُسَبِّحُ لِلَّهِ) هذه تتناسب مع توقفهم عن التسبيح و (وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) تتناسب مع انشغالهم بالقافلة وما بينها كان تذكيرًا بنعمة الله عليهم بالنبي صلى الله عليه وسلم قال (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴿٢﴾) فهذه النعمة كان شكرها أن يبقوا في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم يستمعون للذكر. وجاء في السورة التذكير بحال من جاءهم الخير فتركوه قال (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿٥﴾) وجاء في مسند الإمام أحمد حديث ضعيف يقول: الذي يتكلم والإمام يخطب كمثل الحمار يحمل أسفارًا، حديث ضعيف ولكنه يشهد لسياق الآية لأن سياق الآية أن الذي يأتيه العلم فيتركه ويشعر بثقله مثل اليهود هو كمثل الحمار يحمل أسفارًا فهو تحذير للمؤمنين أن يسيروا في طريق اليهود وإنما (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ).

سورة المنافقون

هذه أيضًا لها سبب نزول، يقول زيد بن الأرقم وكان صغيرًا في السن: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكا معنا ناس من الأعراب وكنا نبتدر الماء وكان الأعراب يسبقوننا إلى أن قال فغضب عبد الله بن أبيّ فقال (وزيد بن الأرقم يسمع والنبي صلى الله عليه وسلم بعيد) لا تنفقوا على من عند رسول الله حت ينفضوا من حوله ثم قال لأصحابه إذا رجعتم إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ، قال زيد بن الأرقم فسمعت عبد الله فأخبرت عمي فانطلق فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل لعبد الله بن أبيّ، قال فحلف وجحد واعتذر فصدّقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يأتيه الوحي لكنه هنا ما جاءه الوحي وهو لا يعلم الغيب صلى الله عليه وسلم قال: فصدّقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذّبني فجاء إليّ عمي فقال: ما أردتَ إلى أن مقتك رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذّبك المسلمون؟! فوقع عليّ من الغم ما لم يقع على أحد قطّ فبينما أنا أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتاني فحرّك أذني وضحك في وجهي فما كان يسرني أن لي بها الدنيا فلما أصبحنا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المنافقين. لأن هذه السورة فيها وهذه إحدى الروايات وقد حسنها بعضهم وهناك روايات صحيحة أيضًا ثابتة أخرى النبي صلى الله عليه وسلم قرأها عليهم وبرّأ زيد بن الأرقم من الكذب وأنه صادق وهذا أيضًا تربية بالحدث تزيد من إيمان زيد وتزيد من إيمان عمّه وتزيد من فضح المنافقين نسأل الله السلامة.

سورة التغابن

هذه السورة فيها حديث حسّنه بعض أهل العلم وهذه السورة لو قرأتموها تجدونها مشابهة جدًا لسورة الحديد، تجد بينها تشابه في آيات كثيرة واختلافات يسيرة. تلك تعالج قسورة القلوب (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ (16)) وهذه تعالج أمرًا ليس بعيدًأ عن ذلك قال ابن عباس رضي الله عنه والرواية حسنة بجميع طرقها قال: سأله رجل عن قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) قال هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة وأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأبوا أزواجهم وأولادهم أن يَدَعوهم أنا يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم رأوا الناس قد فقهوا في الدين همّوا أن يعاقبوا أهلهم أنهم أخّروهم عن النبي صلى الله عليه وسلم – الناس تقول كل تأخيرة فيها خيرة ولكن ليس في الخير! في الخير في كثير من الأحيان تحتاج إلى المبادرة والسرعة بحسبها- فقال فأنزل الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) قال (وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١٤﴾ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿١٥﴾) هذه السورة ترقق القلوب كسورة الحديد لكن سورة الحديد (سَبَّحَ لِلَّهِ) هذه (يُسَبِّحُ لِلَّهِ) وتأتي آيات تشبه سورة الحديد في مراقبة الله، في التذكير بالله متناسبة مع هذا السياق الذي هو التحذير من فتنة الأهل والولد وذكر فيها التغابن. والتغابن هو أن تبيع شيئًا ثمينًا عندك بسعر رخيص أم تشتري شيئًا زهيدًا تنخدع به وتشتريه بسعر غالٍ والله سمى يوم القيامة يوم التغابن. أنا عندي عمري هذا فماذا أشتري به؟ في الحديث: كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها. عمري ونفسي ماذا أبيع بها وماذا أشتري؟ هل الجنة تساوي عمري؟ عمري شيء قليل تكسب به شيئًا كبيرًا. يوم التغابن يكتشف الفاجر أنه أضاع نفسه وضيّع الشيء الكثير من أجل شيء قليل وما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل! فسورة الغابن تذكّر بهذا والتغابن مناسب فالإنسان حتى يجلس مع أولاده يضحّي، وحتى يكون مع أهله مسرورًا في الفطور يفوّت صلاة المسجد! هي كلها دقائق، صلِّ ثم اجلس مع أهلك، هكذا يُغبَن الإنسان في أشياء يسيرة وإن كان التغابن متفاوتًا وأما الكافر فهو المغبون الغبن الكامل نسأل الله السلامة.

سورة الطلاق

سورة الطلاق فهذه سورة رحمة من الله بنا وإظهار لعظمة الدين ويسميها بعض العلماء "النساء القُصرى" باعتبار أن النساء الطولى هي سورة النساء على خلاف طويل في هذه التسمية. هذه السورة تتحدث عن الطلاق وهي تربية أيضًا فالطلاق ظاهرة اجتماعية موجودة وورد سبب نزول ضعيف للسورة وإن صححه بعض أهل العلم لكن الراجح أنه ضعيف. السورة تعالج مسألة الطلاق لكن لو بحثت في السورة تجد أن الكلمة البارزة في السورة ليست كلمة الطلاق وإنما كلمة أخرى وهي قوله تعالى (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ) ما علاقة تقوى الله بالطلاق؟! قال فيها (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴿٢﴾) وقال (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴿٤﴾) وقال (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ﴿٥﴾) تكررت كلمة التقوى بهذا الأسلوب وبأساليب أخرى فتتساءل هل هذه سورة الطلاق أو سورة التقوى؟ لكن صمام الأمان للمجتمع وهذه المشاكل لا بد من وجودها لكن الذي يحميها من أن تصل إلى حد لا يُرضي الله هو التقوى يحمي من كل ذلك فذكرت فيها (التقوى). والعجيب أنه ذكرت فيها آية توقف عندها بعض العلماء بعد أن ذكر أحكام الطلاق وذكر التقوى وحذّر من المخالفة قال (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا ﴿٨﴾ فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا ﴿٩﴾) هذه الآية ما علاقتها بالطلاق؟! لكن كيف يعيش مجتمع إذا كثر فيه الطلاق والآن كل سنة تزيد نسبة الطلاق بسبب ضعف مراقبة الله هذا هو السبب الأساسي وعدم مراعاة حكم الله سبحانه وتعالى فتعيش البنت في مشاكل في أسر مفككة وفي أولاد يتشتتون بين الأب والأم والمسالة كلها عتت عن أمر ربها ورسله. وذكر الله تعالى في آخر السورة أنه أنزل إلينا شيئًا عظيمًا قال (فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آَمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا ﴿١٠﴾ رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) قبل أن تعرف أحكام الطلاق والعشرة أنت في ظلمات وبعد أن تعرفها المفترض أن تنقلك هذه الآيات من الظلمات إلى النور (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا ﴿١١﴾)

سورة التحريم

 

آخر سورة معنا هي سورة التحريم وسورة التحريم لها سبب نزول بعض أمهات المؤمنين وقع منهن مع النبي صلى الله عليه وسلم شيء - وأنا أقول شيء اختصارًا ولأن الخلاف في الروايات ما هو الشيء الذي حرّمه النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه هل حرّم العسل أو كما رجّح بعضهم أنه حرّم إحدى زوجاته وهي مارية على ما ذكروا يعني حرّم وطء جاريته بسبب زوجاته، خلاف كبير في الروايات وبعضهم يرجّح أنه حرّم الجارية على نفسه من أجل زوجاته فنزلت هذه الآيات. هذه الآيات تتكلم أولًا عن تحريم ما أحلّ الله ثم تحذر أمهات المؤمنين مع مكانتهن أنهن معرّضات أن يبدل الله النبي صلى الله عليه وسلم بخير منهنّ لأن هذه المكانة التي اكتسبنها لا تكون المحافظة عليها إلا بتقوى الله سبحانه وتعالى قال (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا ﴿٥﴾) وجاءت أربعة أمثال في آخر السورة متناسبة جدًا مع هذا وخلاصتها أن القرب والبعد من الصالحين لا ينفع شيئًا إلا بصلاحه هو قال (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ﴿١٠﴾) هذا تحذير لأمهات المؤمنين ولكل مؤمنة بعد ذلك وضرب الله مثلًا على العكس (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ) هذه الآن في بيت أكفر الكفار (إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿١١﴾) وهذا يُشعر أمهات المؤمنين أن عليهن أن يزهدن في الدنيا وأن يفكّرن في الآخرة ويكتفين بما يعطيهن النبي صلى الله عليه وسلم ولو القليل والنبي صلى الله عليه وسلم كان زاهدًا في الدنيا رضي الله عن أمهات المؤمنين. امرأة فرعون عند رجل فاجر، امرأة نوح وامرأة لوط عند رجلين صالحين ومريم بنت عمران لوحدها وكأن كل ما حولك لا ينبغي أن يؤثر فيك وإنما أنت تحدد طريقك، مريم بنت عمران صالحة بدون زوج، امرأة فرعون صالحة جدًا بزوج في أشد درجات الفجور وامرأة نوح وامرأة لوط خانتا العبدين الصالحين فلما يغنيا عنهما من الله شيئًا فالعبرة للإنسان بنفسه كأنها تحذّر لا يغني رسول الله عن أحد شيئًا عليه الصلاة والسلام فاعملوا ما يُرضي الله سبحانه وتعالى أسأل الله أن يرزقنا فهم كتابه والعمل به.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل