التعريف بسور القرآن - طوال الفصل - جزء تبارك

جزء تبارك – طِوال المفصّل

الشيخ محمد نصيف

(التفريغ حصريًا لموقع إسلاميات)



نحن مع جزء تبارك ومع طوال المفصّل لأن المفصل يقسم إلى طوال المفصل واواسط المفصل وقصار المفصل وهذا له فائدة لأنك تقرأ في كتب الفقه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الفجر بطول المفصل في الغالب ويقرأ في المغرب بقصار المفصل. طوال المفصل من سورة ق إلى نهاية سورة المرسلات التي ننتهي منها اليوم وأواسط المفصل من سورة النبأ إلى نهاية سورة الليل وقصار المفصل من سورة الضحى إلى سورة الناس فيميز الإنسان بين الأواسط والطوال والقصار. نمر على هذه السور باعتبار أنها سور متعددة في مجلس واحد فنمر عليها على عجل بإشارات لعلها تفيدنا في تدبر آيات الله وإلا فالسورة الواحدة يمضي الإنسان لو أراد أن يتكلم فيها الأشهر الطوال لما أحاط بها، لا شك في هذا ولا ريب لكن هذه الإشارة تفيد بإذن الله.

سورة الملك

هذه كان النبي صلى الله عليه وسلم يحافظ عليها وهي من ورده قبل النوم كان يقرأ قبل النوم كما مرّ معنا عدة سورة الإسراء والزمر والسجدة وهذه السورة أيضًا صحّ الحديث بذلك. قد لا يستطيع الإنسان أن يحافظ على كل هذه السور لكن سورة الملك قصيرة يستطيع الإنسان أن يحافظ عليها والقليل الدائم خير من الكثير المنقطع فإذا لم يستطع الإنسان أن يقرأ هذه السور الأربعة - ولا أزعم أني قرأتها فالإسراء ةالزمر تحتاج إلى اجتهاد نسأل الله أن يرفع همّتنا - لكن سورة الملك قصيرة وقلت من قبل فيها تذكير بالموت مثل سورة السجدة التي تُقرأ معها قبل النوم فيها تذكير بالموت (قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11)) وقال هنا (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١﴾ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴿٢﴾) لكن أعظم موضوع في السورة يظهر من اسمها (لملك) هذه السورة تغيّر والنبي صلى الله عليه وسلم جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور كان الناس قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم يعتقدون أنهم يملكون وأن عندهم قدرة خاصة وأنهم يتصرفون بإرادتهم لكن النبي صلى الله عليه وسلم علّمنا دعاء الاستخارة الذي نقول فيه: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسالك بفضل العظيم فإنك تقدر ولا أقدر (فإنك تقدر ولا أقدر) هذه عقيدة، إذن أنت لا تقدر وأنا لا أقدر لكن الذي يقدر هو الذي بيده الملك، يعطي الناس ملكًا لكنه ملك مؤقت وليس دائمًا، ملك ناقص، أحيانًا الواحد يملك الملايين ويمنعه الطبيب من أكل الطعام، يملكه ولا يملكه، ملكه قاصر ناقص ومؤقت

وانظر إلى من حوى الدنيا بأجمعها     هل راح منها بغير الحنط والكفن

بعدما جمّع هل دخل معه في قبره شيء من رصيده في البنك؟! ما راح منها إلا بالحنوط والكفن فقط ثم يأكله الدود وينتهي الموضوع. فالملك الحقيقي بيد الله وهذا مناسب جدًا للقرآءة قبل النوم لأنك تقول في دعاء النوم: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها، فيتذكر الإنسان أنه مملوك لله سبحانه وتعالى وتذكره هذه السورة بهذه الحقيقة وهذه   وهو مستيقظ وهو نائم. لو تأملت في السورة من أولها إلى آخرها تجد هذا المعنى (الملك لله وحده) قال تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١﴾ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ) ما هي قيمتك أصلًا بدون الحياة؟ لاشيء. أحسن امرأة جميلة جدًا يتسارع الناس إلى خطبتها، تزوجها رجل وماتت عنده ماذا يصنع بها؟ انتهت قيمتها الآن، يدخلها القبر. الموت والحياة بيد الله هو الذي خلقهما سبحانه وتعالى خلق الموت والحياة إذن أنت لا تملك شيئًا. وآخر السورة (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ ﴿٣٠﴾) الله سبحانه وتعالى. فالسورة كلها من أولها إلى آخرها في معظم آياتها تدور حول الملك أو حول ما يتصل بالملك ومنها قوله تعالى في شيء نراه في السماء نرى الطير دائمًا في السماء، من الذي يمسكه أن يقع؟ نحن نقول الجناح، هذا ما نراه، الجناح والذيل وطريقة الخلقة التي خلقه الله تعالى عليها لكن الله سبحانه وتعالى يقول (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ) تصفّ أجنحتها وتقبضها (مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ) العقيدة نأخذها من القرآن، واسم الرحمن تكرر في هذه السورة أربع مرات مع أن السورة قصيرة وهناك سور طويلة جدًا ليس فيها اسم الرحمن مرة واحدة وسورة الملك فيها اسم الرحمن أربع مرات كأنها تذكرك أن الذي يملكك رحمن، أنت تخاف لأنه يملكك ولكن ترجو رحمته نسأل الله أن يرحمنا.

سورة القلم

يرى كثير من العلماء أنها من السور التي نزلت مبكرًا جدًا قريب من سورة المزمل والمدثر وفيها مقارنة بين أهل الحق وأهل الباطل من خلال أخلاقهم يقول الله سبحانه وتعالى في أول السورة (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴿١﴾ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴿٢﴾ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴿٣﴾ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴿٤﴾ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ﴿٥﴾ بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ ﴿٦﴾ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴿٧﴾) إذا اختلط عليك الأمر وما عرفت من أهل الحق وأهل الباطل فانظر إلى الأخلاق. النبي صلى الله عليه وسلم على خلق عظيم وفي المقابل (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ ﴿١٠﴾ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴿١١﴾) يستهزئ بالناس ويمشي بالنميمة هل هذا يصلح أن يكون قدوة؟! هل يكون من عدل الله أن يكون مصير هذا الجنة ويكون مصير الذي على خلق عظيم غير ذلك؟! لا يمكن. ولذلك الطائفتان تتميزان بالأخلاق قال (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ ﴿١٠﴾ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴿١١﴾ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴿١٢﴾) كل هذه الصفات عكسها للنبي صلى الله عليه وسلم (مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ) النبي صلى الله عليه وسلم يعطي الخير والمؤمنون يعطون الخير بقدر تشبههم بالنبي صلى الله عليه وسلم (مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴿١٢﴾ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴿١٣﴾) لماذا يتصف بهذه الصفات؟ قال (أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ) عنده مال وعنده عيال، هل المال والبنون دليل على رضى الله سبحانه وتعالى ودليل على أن هذا الإنسان له مكان؟ لا، بيّن الله سبحانه وتعالى أن هذا المال يزول وذكر قصة في هذه السورة هي قصة أصحاب الجنة كان عندهم مال وأرادوا أن لا يعطوا الفقراء فقال (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ﴿١٧﴾) يعني في الصباح يحصدوا الزرع ويأخذوا الثمار (وَلَا يَسْتَثْنُونَ ﴿١٨﴾ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ ﴿١٩﴾) هم يعتقدون أنهم يملكونها لكن (فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ ﴿١٩﴾ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ﴿٢٠﴾) كالصريم أي كالليل الشديد الظلمة سوداء (فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ ﴿٢١﴾ أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ ﴿٢٢﴾) وهذا تذكير للإنسان أن النعمة التي تعتزّ بها يمكن أن تُسلبها في لحظة وأنت نائم! (فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ ﴿٢٣﴾ أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ﴿٢٤﴾) هم يتكلمون الآن وكأن الجنة ما زالت موجودة وهي انتهت لكن علمهم قاصر (وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ ﴿٢٥﴾) ذاهبون وهم يعتقدون أنهم قادرون وهذا استهزاء بهم لأنهم هم غير قادرين والجنة انتهت! (فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ ﴿٢٦﴾ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴿٢٧﴾) ثم بيّن الله أنه لا مقارنة بين الطائفتين قال (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ﴿٣٥﴾ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴿٣٦﴾) وذكر ما يحصل للكفار يوم القيامة عندما يُدعون إلى السجود فلا يستطيعون (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ﴿٤٢﴾).

سورة الحاقة

هذه من السور القرآئن كذلك سورة القلم، القلم كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤها في قيام الليل مع الواقعة وسورة الحاقة يقرؤها مع القمر. سورة الحاقة، الحاقة من أسماء يوم القيامة لها أكثر من معنى في اللغة منها:

الحاقة: متحققة الوقوع لا بد أن تحصل

المعنى الثاني المناسب لمضمون السورة الحاقة التي تُظهر الحقيقة. أنت لا ترى الحقيقة، الذي رأى بعينه رأى أن فرعون عاش ملكًا عظيمًا منعّمًا يعتقد أنه في منزلة عالية ومرتاح، هذا كله ظواهر ووراء الظواهر حقائق يظهرها يوم القيامة لأنه (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ﴿١٨﴾) نحن كلنا متخفّون الآن وكل إنسان له أشياء يخفيها ويستر عورته والناس تراه سليمًا! (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) الآن لا مجاملات ولا واسطات إلا الحسنات والسيئات (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ﴿١٩﴾ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ ﴿٢٠﴾) تظهر حقيقته ربما كان في الدنيا مدفوعًا بالأبواب لا يُلتفت إليه وربما كان شخصًا يحترمه الناس لكن حقيقته تظهر هناك والغنى والفقر بعد العرض على الله (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ﴿١٩﴾ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ ﴿٢٠﴾ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ﴿٢١﴾ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ﴿٢٢﴾ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ﴿٢٣﴾ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴿٢٤﴾) تظهر قيمته هناك! (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ) ظهرت حقيقته (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ ﴿٢٥﴾ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ﴿٢٦﴾ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ ﴿٢٧﴾ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ ﴿٢٨﴾ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ﴿٢٩﴾ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ﴿٣٠﴾ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ﴿٣١﴾ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ ﴿٣٢﴾ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴿٣٣﴾ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴿٣٤﴾) ومما تظهر فيه الحقائق في السورة وفي يوم القيامة حقيقة مصير المتعاملين مع القرآن قال سبحانه وتعالى بعد أن وصف القرآن أوصاف متعددة قال (وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴿٤٨﴾ وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ ﴿٤٩﴾ وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴿٥٠﴾) القرآن حسرة على الكافرين ووتظهر هذه الحقيقة يوم الدين فيقول الكافر يا ليتني سمعت هذا القرآن، يا ليتني لم أتخذ فلانًا خليلًا، يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا. فهذه السورة تكشف الحقائق واقرأها لتكتشف أن هذا الذي يحصل ليس هو نهاية المطاف بل هناك جنة ونار، فريق في الجنة وفريق في السعير نسأل الله أن يجعلنا من أهل الجنّة.

سورة المعارج

سورة المعارج تبين شدة استعجال الكفار بالعذاب وأن خُلُق الإنسان وطبعه التأثر الشديد بما يأتيه من نعم ونقم في الدنيا والذي يثبت ولا تؤثر فيه هذه الأمور ويبقى على مبدئه هم الذين اتصفوا بصفات الإيمان. قال الله سبحانه وتعالى (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴿١﴾ لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ﴿٢﴾ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ ﴿٣﴾ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴿٤﴾ فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا ﴿٥﴾ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ﴿٦﴾ وَنَرَاهُ قَرِيبًا ﴿٧﴾) ثم وصف يوم القيامة وصفًا عظيمًا قال فيه (كَلَّا إِنَّهَا لَظَى ﴿١٥﴾ نَزَّاعَةً لِلشَّوَى ﴿١٦﴾) الشوى قال بعضهم هي جلدة الرأس فهذه جهنم والعياذ بالله تنزع جلدة الرأس فكيف يعيش الإنسان منزوع جلدة رأسه؟! وما قال نازعة وإنما قال نزّاعة للشوى وهذا يختلف في اللغة، نازعة تعني مرة واحدة ونزّاعة تحتمل عدة مرات ونحن نعرف أن العذاب يتكرر في جهنم والعياذ بالله وتحتمل قوة النزع، شدة النزع والله أعلم بمراده. وبعضهم قال الشوى هي الأطراف اليدين والرجلين يجمعها كما قال الإمام الطبري الشوى كل ما أصاب الإنسان دون أن يقتله، تعذيب دون القتل، قطع الرأس يقتل الإنسان، إصابة القلب يقتل الإنسان لكن تقطيع الأيدي والأرجل عذاب دون الموت وكذلك نزع الشوى والعياذ بالله نسأل الله السلامة. (نَزَّاعَةً لِلشَّوَى ﴿١٦﴾ تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى ﴿١٧﴾) تدعو الذي كان يدعو العذاب (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴿١﴾ لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ﴿٢﴾) الكفار يطلبون العذاب فجاءهم العذاب يدعوهم هو (تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى ﴿١٧﴾ وَجَمَعَ فَأَوْعَى ﴿١٨﴾) تدعوه إليه نسأل الله السلامة. ثم قال (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴿١٩﴾إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ﴿٢٠﴾ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ﴿٢١﴾) الهلوع من أجمع من جمع الأقوال فيها ودقق الإمام ابن عاشور في تفسيره الهلوع غير المستقر، غير الرزين الإنسان طبيعته إذا جاءته مصيبة يولول وإذا جاءته نعمة يبطر (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴿١٩﴾ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ﴿٢٠﴾ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ﴿٢١﴾) يجزع بعد الشر، ويمنع إذا مسه الخير. قال (إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴿٢٢﴾ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴿٢٣﴾ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ﴿٢٤﴾ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴿٢٥﴾ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴿٢٦﴾ وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴿٢٧﴾ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ ﴿٢٨﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴿٢٩﴾ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿٣٠﴾ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴿٣١﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴿٣٢﴾ وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ ﴿٣٣﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴿٣٤﴾) وذكر من صفات المؤمنين ما يخفف من هاتين الصفتين في الإنسان وإلا طبيعة الإنسان أن يتأثر بما يأتيه من خير وشر لكن هذه الصفات لو تأمل فيها الإنسان وطبّقها يجد أنها تجعله رزينًا مستقرًا متعلقًا بربه لا تؤثر فيه هذه الزوابع لأنه متصل بالله سبحانه وتعالى قال (إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴿٢٢﴾ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴿٢٣﴾) أول ما بدأ به الصلاة وآخر ما ختم به فقال (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴿٣٤﴾) فالصلاة تعيد التوازن للإنسان فإذا حصلت لك بين الفجر والظهر مشاكل في العمل وظروف وأحوال ترجع وتقول: الحمد لله رب العالمين فيحصل نوع من الاستقرار والعودة فالصلاة معينة وكذلك الصفات الأخرى التي ذُكرت قال (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ﴿٢٤﴾ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴿٢٥﴾ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴿٢٦﴾ وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴿٢٧﴾ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ ﴿٢٨﴾) لو وقفنا مع كل صفة من هذه الصفات نجد أنها متناسبة مع حماية الإنسان من الهلع والجزع والمنع عند وجود الخير. سورة المعارج كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤها في قيام الليل مع سورة النازعات.

سورة نوح وسورة الجن

سورة نوح وسورة الجن تستطيع أن تقول أنها متعاكسة وهي تذكرنا بما مر معنا في سورة الأحقاف. سورة نوح تذكر حال من لا يستجيب لدعوة الله وسورة الجن تذكر حال من يستجيب لدعوة الله لكن العجيب أن سورة نوح تذكر من لم يستجب مع أن نوحًا عليه الصلاة والسلام ظل يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عامًا والجنّ الذين آمنوا كم ظلّ النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم؟ هي ليلة، جاؤوا فيها يستمعون القرآن واهتدوا دون عناء طويل لكن نوح يقول (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا ﴿٥﴾ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا ﴿٦﴾ وَإِنِّي كُلَّمَا) لفظة (كلما) تدل على الاستمرار والتكرار (دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ) غطّوا بملابسهم (وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ﴿٧﴾) ألا تياس منهم؟! لكن نوح عليه السلام ظل فترات طويلة يدعوهم (ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ﴿٨﴾ ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا ﴿٩﴾) مرة سرًا ومرة علنًا بلا فائدة! أما الجن فسمعوا مرة واحدة (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا ﴿١﴾ يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ﴿٢﴾) والجنّ تعجبوا من القرآن مع أنهم مخلوقات في عالمهم ما نتعجب منه لكنهم تعجبوا من هذا القرآن فعلى الإنسان أن يبحث في القرآن أين هذا العجب الذي جعلهم يؤمنون. قالوا (يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا) مع أنهم كانوا على الشرك قبل ذلك كما تدل الآيات ودارت الآيات حول التوحيد. إذن ستفيد من سورة نوح والجن أن الهداية بيد الله وأنها قد تأتي لمن لا تقصد أنت أن تهديده وقد يُحرم منها من تسعى لهدايته بكل سبيل والحلّ أن تقول يا رب، اللهم اهدهم، توجّه إلى الله لأن الهداية ليست بيد البشر.

سورة المزمل

كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤها مع المدثر في قيام الليل وهما سورتان متكاملتان. بعض العلماء يقولون سورة المزمل لليل وسورة المدثر للنهار. سورة المزمل لعمل الليل، قيام الليل، ذكر الله والعبادة زاد المؤمن وهو كان زاد النبي صلى الله عليه وسلم (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ﴿١﴾ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿٢﴾ نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ﴿٣﴾) وسورة المدثر سورة النهار عمل النهار الدعوة إلى الله (يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿١﴾ قُمْ فَأَنْذِرْ ﴿٢﴾ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴿٣﴾ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴿٤﴾) فهو يتزود بقيام الليل ويقوم فينذر في النهار صلى الله عليه وسلم وطبعًا الدعوة ليست خاصة بالليل أو بالنهار ولكن هذا من باب التقريب أن أكثر ما ذُكر في سورة المزمل أو بعض ما ذُكر في سورة المزمل مختصّ الليل والإنذار عادة يكون في النهار وهذه السورة أولها نُسخ في آخرها كانوا يقومون قاموا حولًا حتى انتفخت سوقهم وأقدامهم من قيام الليل وكانوا يقومون طويلًا لأنه في آخر السورة عندما نُسخ الحكم قال (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ) الليل هذه الأيام قصير وهو حوالي تسع ساعات ثلثيه ست ساعات فكانوا يقومون ثلثي الليل لمدة سنة لا لمدة شهر (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ) استعدادًا للدعوة هذا في بداية الدعوة في بداية الإسلام لأنه قال سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ﴿١﴾ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿٢﴾ نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ﴿٣﴾ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا ﴿٤﴾) ثم ذكر العلّة قال (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ﴿٥﴾) القرآن ثقيل لا بالوزن ولا في النطق وإنما ثقيل بالتكليف الذي فيه. بعض السلف كان أحيانًا يبقى الليل كله يقرأ آية ويبكي لأن القرآن ثقيل وفيه مسؤولية عظيمة وتكليف من الله سبحانه وتعالى. هذا القول الثقيل يحتاج إلى استعداد بقيام الليل وبذكر الله الذي ذُكر في السورة.

سورة المدثر

أما سورة المدثر فأوامر عظيمة لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم ولأتباعه ممن يدعوا إلى دينه، الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم لكن على أتباعه أن يقتدوا به قال (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿١﴾ قُمْ فَأَنْذِرْ ﴿٢﴾ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴿٣﴾) عظِّم الله وأنت تدعو الناس حتى لا تخاف من أحد وحتى تبلغ دين الله كاملًا. (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴿٤﴾) بعض العلماء يحملها على الثياب يعني طهارة الثوب وبعض العلماء قال العرب تطلق الثوب على النفس وهذا موجود في كلام العرب (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) طهّر نفسك من كل شرك وحاشاه صلى الله عليه وسلم ولكنه أمر لأمته للتطهر من ما يغضب الله سبحانه وتعالى من الشرك وغيره. (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴿٥﴾ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴿٦﴾) مهما فعلت لا تقل فعلت ودعوت كثيرًا (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ﴿٧﴾ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ﴿٨﴾) الدعوة تستمر إلى أن يُنفخ في الصور (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ﴿٨﴾ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ﴿٩﴾ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴿١٠﴾) وذكر مصير الكفار في الآخرة وهددهم تهديدًا شديدًأ وقال في آخر السورة (كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآَخِرَةَ ﴿٥٣﴾ كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ﴿٥٤﴾ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ﴿٥٥﴾ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ﴿٥٦﴾) نسأل الله أن ينفعنا بهذه السورة.

سورة القيامة

كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤها في قيام الليل مع سورة الإنسان وفيها كلمتان نستطيع أن نجمع السورة فيها الأولى (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ ﴿٣﴾) يعتقد بعدم البعث والكلمة الثانية التي تشبهها في آخر السورة (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴿٣٦﴾) اعتقادان خاطئان تصححهما هذه السورة.

الاعتقاد الأول يعتقد أنه لن يُبعث وأثبت الله البعث وذكر ما يحصل يوم القيامة

والاعتقاد الثاني أنه خُلق سدى والذي يعتقد أنه خلق بدون فائدة لن يعتقد بالبعث والذي يعتقد أنه خُلق لفائدة ويرى أن المسيء قد يبقى مرفوع القامة محمودًا بين الناس يعرف أن هناك بعثًا فهما أمران بينهما نوع من التلازم (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴿٣٦﴾ أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ﴿٣٧﴾ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ﴿٣٨﴾ فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ﴿٣٩﴾) هذا الخلق العظيم بعد أن كان شيئًا حقيرًا لا شك أن له صانع، هل يعقل أن يصنعه هذا الصنع البديع ليتركه بعد ذلك سدًى؟! حاشاه سبحانه وتعالى (أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ﴿٤٠﴾) بلى هو قادر سبحانه وتعالى.

سورة الإنسان

أما سورة الإنسان فمما يلفت فيها أنها أكثر سورة أُطيل فيها في ذكر وصف الجنة، أكثر سورة ذكر فيها وصف الجنة واختصر في وصف النار قال (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا ﴿٤﴾) ثم قال (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ﴿٥﴾ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ﴿٦﴾) كيف يفجّرونها؟ نحن نعرف أن الأنهار إما أن تتفجر بأمر الله الينبوع أو نحوه أو يحفر الناس البئر ونحو ذلك لكن كيف يفجرونها تفجيرا؟ قال العلماء كما جاء عن مجاهد والسلف: يُجرونها معهم حيث شاؤوا، افترض أنك الآن في الجنة لك ملك واسع ولك نهر واسع على قصر وتريد أن تتمشى في ملكك ولكنك تريد هذا النهر معك فتجريه معك حيث شئت بأمر الله (يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) وهذا التأكيد يؤكد أن هذا أمر حقيقي (يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) والنعيم المذكور في هذه السورة عجيب جدًا وأنصحكم ونفسي بأن تقرأوا كتب التفسير فيها الكثير من النعيم الذي لم يُذكر في سورة أخرى ومنها قوله تعالى (قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا ﴿١٦﴾) أنت الآن تكون في مطعم فتطلب عصيرًا فيصبّ لك فيعجبك فتطلب زيادة وقد تُحرج أو يملأ لك الكأس وأنت تريد رشفة منه لكن (قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا) قال العلماء بقدر ريّ الشارب، على مقاسك، يصبّ لك على قدر ما تشتهي أنت فأيّ نعيم أعظم من هذا النعيم؟! ولذلك قال تعالى بعد هذه الأوصاف (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ) أي هناك (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا ﴿٢٠﴾) ملك كبير هناك أعظم من كل هذه الدنيا نسأل الله أن يبلّغنا تلك الجنة. وفي آخر السورة قال (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ﴿٢٩﴾ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿٣٠﴾ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴿٣١﴾) نسأل الله أن يدخلنا في رحمته.

سورة المرسلات

هي آخر سورة معنا وهي سورة مكية وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤها في قيام الليل مع سورة النبأ. يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: كنا في غار مع النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت سورة المرسلات فأخذناها من فمه صلى الله عليه وسلم. فبدأ يلقنّهم مباشرة وهذا يدل على حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تعليم الصحابة مباشرة وهذا يدل على شدة القرب بينه وبينهم صلى الله عليه وسلم وهذا يدل على شدة قرب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من النبي صلى الله عليه وسلم هنيئًا له، هنيئًا لتلك الأذن التي سمعت الآيات تخرج من فم النبي صلى الله عليه وسلم. استدل بعض العلماء بهذا الحديث أن السورة نزلت مبكرًا لأنها نزلت في غار إذن هم متخفّون في أطراف مكة أو في جبال مكة متخفّون من أهل الشرك فبعض العلماء استدل على أنها مبكرة في النزول في أول العهد المكي والله أعلم. وفي صحيح البخاري – وهذه ليست من التفسير لن قد يستلطف الإنسان هذه المعلومة – أن عبد الله بن عباس رضي الله عنه كان يقرأ سورة المرسلات فسمعته أم الفضل رضي الله عنها فقالت له يا بني لقد ذكرتني بآخر سورة سمعتها من فم النبي صلى الله عليه وسلم سورة (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا ﴿١﴾) قرأ بها في صلاة المغرب. وبعض الروايات تدل أنه قرأها في البيت لأنه عنما مرض النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يخرج في كل صلاة ليصلي مع المسلمين فكان يصلي في بيته فسمعته يقرأ سورة المرسلات من أواخر ما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته في صلاة المغرب واستدلوا بها أنه لا يُشترط أن تقرأ بقصار السور في صلاة المغرب وقد قرأ صلى الله عليه وسلم بسورة الأعراف كما صحّ الحديث أيضًا.

 

سورة المرسلات تتكرر فيها ىية وهي قوله تعالى (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) هذه تتكرر في السورة كثيرًا وقبلها وبعدها دائمًا تجد دلائل البعث أو أشياء تتعلق بالبعث كأنه بعد أن يذكّرك يقول (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) هل ستتذكر وتؤمن أم لا؟ أسأل الله أن يجعلنا من الثابتين على الحق والإيمان. بعد أول (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) قال (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ﴿١٦﴾ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآَخِرِينَ ﴿١٧﴾ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ﴿١٨﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿١٩﴾ أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ﴿٢٠﴾ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ﴿٢١﴾) الرحِم (إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴿٢٢﴾ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ ﴿٢٣﴾) هذا الخلق الأول يجعل الإنسان يصدّق ومن لم يصدّق يقول الله سبحانه وتعالى له (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿٢٤﴾ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا ﴿٢٥﴾) وعاء تحمل الناس (أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا ﴿٢٦﴾ وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا ﴿٢٧﴾) هذه المخلوقات كلها تذكّر بالله وتجعل الإنسان يؤمن بالله ويؤمن أنه قادر على البعث والذي لا يصدّق يقول الله سبحانه وتعالى له (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿٢٨﴾) ثم ينقل الناس نقلة عجيبة إلى يوم القيامة يقول (انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴿٢٩﴾ انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ ﴿٣٠﴾) ثم يذكر الظلّ الآخر قال (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ ﴿٤١﴾ وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴿٤٢﴾) فأهل النار لهم ظلّ نسأل الله السلامة وأهل الجنة لهم ظلّ ولا مقارنة بين الظلّين نسأل الله أن يجعلنا في الظلال والعيون والفواكه مما يشتهون. وقال في آخر السورة (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴿٥٠﴾) الذي لا يؤمن بالقرآن بماذا يؤمن؟! الذي لا يصدّق بهذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه فبماذا يصدّق؟!



التعليقات

  1. islamiyyat علق :

    جزاك الله خيراً أخي الكريم على التواصل.
    للأسف لا أفهم مقصودك بالتفسير الدلالي لجزء عم" فليتك توضح أكثر بارك الله بك

  2. عومار من الجزائر علق :

    بسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والتسليم. وبعدك
    أريد من سيادتكم التفسير الدلالي لجزء عمَّ. وبارك الله فيكم.
    أخوكم عومار من الجزائر.

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل