التعريف بسور القرآن - قصار المفصل من الضحى إلى الناس

قصار المفصّل من سورة الضحى إلى سورة الناس

الشيخ محمد نصيف - رمضان 1434 هـ

(التفريغ حصريًا لموقع إسلاميات)



مع الدرس الأخير في الحديث عن سورة القرآن ونحن مع قصار المفصل من سورة الضحى إلى سورة الناس نسأل الله أن يختم لنا بخير. هذه السور لها أهمية كبيرة لأسباب: منها أن أكثر المسلمين يحفظون هذه السورة ومن المهم أن يفهم الشيء الذي يحفظه وأيضًا كثيرًا ما يسمع الإنسان هذه السور في الصلوات خاصة في صلاة المغرب وأيضًا قد تكون هي التي يقرأها الإنسان في السنن الرواتب وهذه السور فيها معانٍ عظيمة كبيرة وأوصي نفسي وإياكم بتعلمها ونحن لا نستطيع أن نفسرها اليوم وإنما نقف مع كل سورة وقفة وينبغي أن يتعلمها الأطفال معظم الأطفال يحفظون هذه السور من الضحى إلى الناس فمن المهم أن يلقّن معانيها ففيها من المعاني الشيء الكثير. وسنمر عليها سريعًأ نقف مع كل سورة وقفة يسيرة وعدد لا بأس به من هذه السور مختلف فيه اختلافًا كبيرًا هل نزل قبل الهجرة أو بعد الهجرة ولن نتعرض لهذا لضيق الوقت ونكتفي بالمرور سريعًا على بعض ما في هذه السور.

سورة الضحى

أولها سورة الضحى وسورة الضحى سبب نزولها مشهور معروف عندما انقطع الوحي عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا نطيل بذكره لكن نريد أن نقف مع مبدأ في الحياة أشير إليه في هذه السورة يقول الله سبحانه وتعالى مخاطبًا سيد الخلق صلى الله عليه وسلم (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى ﴿٦﴾ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ﴿٧﴾ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ﴿٨﴾) النبي صلى الله عليه وسلم من المعلوم أنه وُلِد يتيمًا ثم فقد أمه ثم فقد جدّه لكن الذي آواه هو الله سبحانه وتعالى (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى) لا يعرف أحكام الشريعة فهداه الله (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى) لم يكن ذا مال فأغناه الله بما أغناه به. ثم قال (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ﴿٩﴾ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ﴿١٠﴾ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴿١١﴾) هنا الشاهد على مبدأ في الحياة: إذا كنت في حالة ونقلك الله إلى ما هو أحسن منها فعامل هذا الذي على الحالة التي كنت عليها معاملة هي التي كنت تتمناها عندما كنت في تلك الحالة. قال (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى) ثم قال (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ)، قال (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى) ثم قال (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ) هناك خلاف طويل لكن السائل هنا سائل العلم هو الذي يتناسب مع (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى) يعني إذا جاءك السائل عن العلم فلا تنهره ويحتمل أن يكون السائل عن المال الالب لأنه يتناسب مع (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى) (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) كل إنسان منا خرج من بطن أمه لا يعلم شيئًا ولا يملك شيئًا (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا (78) النحل) فإذا رأيت فقيرًا وأنت غني فارحمه فقد ولدت فقيرًا، إذا رأيت جاهلًا فعلّمه بحب ورفق ولطف ورحمة لأنك في هذه المعلومة التي تعلمها كنت تجهلها ثم تعلمتها وقد تجهل شيئًا غيرها كثيرًا وهكذا في كل أحوالك التي تمر بك وتجد من هو أقل منك فتذكر أنك كنت فاقدًا لهذا الشيء الذي هو يفقده فعامله بما تتمنى أن تُعامل به.

سورة الشرح

أما سورة الشرح (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴿١﴾) الخطاب في سورة الضحى تتكلم مع النبي صلى الله عليه وسلم وسورة الشرح تتكلم مع النبي صلى الله عليه وسلم بكن بطريقة مختلفة قال (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴿١﴾) وهذا يتضمن انشراح صدر النبي صلى الله عليه وسلم وهو أشرح الناس صدرًا لأنك لو سألت من هو أكثر الناس طمأنينة وراحة وانشراح صدر؟ فأقول لك هو أعبد الناس كلما زادت عبادة الإنسان لله كلما زاد انشراح صدره وأعبد الناس بإطلاق هو نبينا وسيدنا وقرة أعيننا صلى الله عليه وسلم وإذا كان أعبد الناس فسيكون أشرح الناس صدرًا وكلما شعرت بضيق فاعرف أن هناك تقصيرًا وخللًا ولاحظ في أيام قيام الليل والصوم تجد من انشراح صدرك ما لا تجده في أيام أخرى تقضيها في اللذات والشهوات لكن مع شيء من التقصير في العبادة. فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما قال الله له (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) هذا أحد معاني انشراح الصدر والمعنى الثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم قد شُقّ صدره لأن الشرح يأتي بهذا المعنى في اللغة، شُقّ صدره الشريف كما في الحديث مرة وهو صغير وشقّ صدره مرة أخرى ليلة المعراج صلى الله عليه وسلم. قال (وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ﴿٢﴾ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ﴿٣﴾) فالوزر ينقض الظهر، يتعب الظهر، فإذا كان هذا الخطاب لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم فكيف يكون حالنا وقد أتعبتنا أوزار عظيمة نقع فيها؟! (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴿٤﴾) ويكفيك أنك كلما سمعت الأذان فإنك تسمع أشهد ألا إله إلا الله ثم اشهد أن محمدًا رسول الله وهذا من رفعة ذكره مع أن رفعة ذكره صلى الله عليه وسلم واضحة في أمور كثيرة رغم أنه كان أبعد الناس عن طلب الذكر صلى الله عليه وسلم. قال (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴿٥﴾ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴿٦﴾) قال ابن القيم: كل إنسان مسلم له نصيب من هذه الأشياء الأربعة بقدر اتباعه لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمعنى كلما اتبعته أكثر سينشرح صدرك وسيوضع وزرك وسيرفع ذكرك ولاحظ كثير من ملوك المسلمين عبر التاريخ يشتهرون في أيام ملكهم ثم يذهب ذكرهم إلا الصالح منهم ثم اشهر من يبقى في تاريخ المسلمون العلماء العاملون تجد ذكرهم أعظم بكثير، تسمع الإمام أحمد بن حنبل لو تسأل الناس إن كانوا يعرفونه فيقولون نعم، وتسألهم عن الإمام مالك فيعرفونه لكن تسألهم من الخليفة الذي كان يحكم المسلمين وقتها؟ أكثر المسلمين ما يعرف! ارتفع ذكرهم الرفعة الدائمة أما الرفعة المؤقتة فقد يرتفع أحد الظلمة سنين ثم يهلك وينسى الناس ذكره الحسن وييقى ذكره السيء إن ترك سيئًا وإن ترك حسنًا فبحسبه. فمن أراد شرح الصدر – وكل إنسان يريد شرح الصدر ولا يريد أن ينكد على نفسه – وأراد وضع الوزر - وكلنا اثقلته الأوزار - وأراد رفع الذكر فعليه باتباع سيد البشر صلى الله عليه وسلم.

سورة التين

أما سورة التين فهي مبدوءة بالقسم والقسم من أغمض آيات القرآن الآيات التي فيها قسم يحصل فيها خلاف كثير لأن بعض العلماء يحاولون معرفة العلاقة بين المقسم به والمقسم عليه أي بين القسم وجواب القسم فيكون هناك عدد من الاستنباطات ويكون فيها نوع من الخفاء وتحتاج إلى شيء من الشرح. هنا يقول الله سبحانه وتعالى (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ﴿١﴾ وَطُورِ سِينِينَ ﴿٢﴾ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ﴿٣﴾) نكتفي بالقول الأشهر في التين والزيتون وطور سنين القول الذي أراه أرجح، (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ﴿١﴾ وَطُورِ سِينِينَ ﴿٢﴾ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ﴿٣﴾) البلد الأمين هو مكة، ما مزية مكة؟ من مزاياها أن الوحي بدأ ينزل على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، وطور سنين هنا نزل الوحي على موسى والتين والزيتون منابتها في بلاد الشام وفيها نزل الوحي على عيسى عليه السلام فقال بعض العلماء هذه إشارة إلى منازل الوحي بدأت بعيسى ثم بموسى ثم بأشرف الخلق صلى الله عليه وسلم (وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ﴿٣﴾ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴿٤﴾) انظر إلى الإنسان يولد بخلقة طيبة تامة وبفطرة سوية نقية تميل إلى التوحيد ثم نزل الوحي من السماء فمن أخذ بهذا الوحي قوم وقوم آخرون لم يأخذوا بهذا الوحي ولهذا انقسم الناس قال (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴿٤﴾ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴿٥﴾) انظر إلى هذا الذي خُلق في أحسن تقويم إذا ابتعد عن الوحي وانغمس في الشهوات كيف يصبح حاله مترديًا كأنه بهيمة والعياذ بالله! وانظر إلى الشرق والغرب من الكفار تجده يجري وراء شهواته تستقذر ما يصنع مما يشابه به البهائم ويخرج عن خلقة البشر السوية سواء في ارتكاب الشهوات المحرّمة أو غير ذلك (إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) وأخذوا بالوحي (فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴿٦﴾) فإذا رأيت هذين النموذجين نموذج من أخذ بالوحي انظر إلى عمر بن الخطاب انظر إلى حاله قبل الوحي وانظر إلى حاله بعد أن أخذ بالقرآن انظر كيف ارتفع ولم يكن مرتفعًا قبل الإسلام، انظر كيف حوّل الإسلام العرب عمومًا كيف كانوا وكيف صاروا لتعرف أن هذا دليل على أن الوحي وهذا الدين حق (فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ﴿٧﴾ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴿٨﴾)

سورة العلق

سورة العلق وهذه أول ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم أولها أول نزل على النبي مبكرًا وآخرها نزل في قصة فقد جاء في صحيح مسلم أن أبا جهل قال: هل يعفّر محمد وجهه بين أظهركم؟ (يعني هل يسجد أمامكم عند الكعبة؟) قالوا نعم فقال واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته أو لأعفرنّ وجهه في التراب، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي زعم ليطأ على رقبته قال فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه (يرجع للخلف ويحمي نفسه من شيء) الكفار ينظرون إليه ماذا سيصنع، فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، فقيل له ما لك؟ قال إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولًا وأجنحة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا، قال فأنزل الله (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى ﴿٦﴾) إلى قوله (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴿١٩﴾). أول السورة تدل على الاعتماد على الله، قال (اقْرَأْ) التي نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴿١﴾ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴿٢﴾) الإنسان كان شيئًا ضعيفًا (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴿٣﴾) يعطي ويعطي ويعطي وهو الغني الكريم سبحانه وتعالى (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿٤﴾ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴿٥﴾) وصايا نفيسة جدًا أن يعتمد الإنسان على ربه وأن يعرف أنه لم يكن يعلم شيئًا لكن الإنسان كما قال الله (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى ﴿٦﴾ أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴿٧﴾) وهنا وقفة مهمة جدًا (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى) الطغيان تجاوز الحدّ كيف يأمن الإنسان من الطغيان؟ بأن يتذكر الرحمن (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى ﴿٦﴾ أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴿٧﴾) إذا رأى الإنسان نفسه مستغنيًا طغى وإذا رأى نفسه محتاجًا إلى الله لا يطغى وسيقرأ باسم ربه الذي خلق سيأكل باسم ربه الذي خلقه ويتاجر باسم ربه الذي خلق وفي كل شيء يسمّي ويعتمد على الله سبحانه وتعالى أما إذا رأى نفسه مستغنيًا فإنه سيسير في طريق الطغيان مع أن العلاج مذكور في الآية (إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ﴿٨﴾) كلما شعرت في نفسك طغيانًا وقد يحصل للإنسان نتيجة الغفلة فيتجبر على إنسان أو يتكبر على إنسان أو يغتاب إنسانًا فيتذكر قوله تعالى الذي هو الشفاء (إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى) مهما ذهبت سترجع إلى الله وكلنا إلى الله راجعون (إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى).

سورة القدر

سورة القدر وقد يقول قائل نتكلم عن سورة القدر وإن كانت الليلة ليلة العيد غالبًا إذا أعلن العيد فلا احتمال لليلة القدر، نعم راحت ليلة القدر لكن لماذا عُظمت ليلة القدر؟ قال (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴿١﴾) هذا الضمير في بداية السورة والضمير عادة يعود على شيء مذكور من قبل، أقول رأيت زيدًا في السوق فقلت له (هذا الضمير يعود إلى زيد لأنه مذكور) لكن لو قلت: قلت له ستسأل من؟ فالضمير لا بد أن يعود إلى شيء وهنا بدأت السورة (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) والمقصود القرآن، قال بعض أهل العلم: لما كان الصحابة قد انشغلوا بالقرآن واهتموا به وعظموه وشغلوا به أوقاتهم صار الضمير يعود إليه مباشرة كما لو كنت تعرف أن أحدًا يحب المكان الفلاني فتقول له رحنا؟ بدون أن تحدد له المكان لأنه مباشرة ينصرف ذهنه إليه أو اتصل بك أو نحو ذلك إذا ذهنه مشغول بهذا الشيء وكذلك الصحابة شُغلت أذهانهم بالقرآن وليلة القدر من أعظم ما يكسبها الفضل هو نزول القرآن فيها فالقرآن باقٍ وإن انتهت ليلة القدر فلنحرص عليه ولنعظّمه، رمضان فرصة للازدياد من قرآءة القرآن لكن قرآءة القرآن ينبغي أن تكون بعد رمضان فإذا جاء رمضان الآخر زدنا لأنه موسم لازدياد الخيرات لكن القلب والعبد يحتاج إلى القرآن في رمضان ويحتاج إلى القرآن بعد رمضان فليلة القدر خير من ألف شهر اكتسبت هذا الفضل لأن نزول القرآن كان فيها.

سورة البينة

السورة فيها كلام طويل لكن نكتفي منها بوقفة مع كلمة (البينة) ما هي البينة؟ قال (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ﴿١﴾) البينة في اللغة هي الشيء الواضح الظاهر، شيء بيّن يعني واضح، البيّنة هي الحجة الواضحة لكن ما هي البينة التي جاءت الناس؟ قال (رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ) فالرسول صلى الله عليه وسلم افتح أيّ كتاب في السيرة أو في شمائله أو في أخلاقه صلى الله عليه وسلم واقرأ فيه تجد أنه بكل سيرته العطرة، بكل سكتاته وكلماته، بكل حركاته وسكناته بكل ضحكه وبكائه صلى الله عليه وسلم دليل ظاهر أنه لا ينطق عن الهوى (إن هو إلا وحي يوحى) فهو بينة كافية لمن أراد الإيمان. من قرأ سيرته أيقن أنه لا يمكن أن يكون بشرًا عاديًا وإنما هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) ولذلك إذا طلب أحدهم بينة على الإسلام دليل على الإسلام إما أن تدله على القرآن وإما أن تدله على سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فيعرف بالحالين أن هذا الذين هو الحق المبين. وانظر إلى مثال واحد يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو كذلك ولا نحتاج إلى دليل إلا لزيادة الإيمان ولدلالة أهل الكفر على هذا الدليل وغيره. بعض العلماء ألّف كتاب " دلائل النبوة" تقريبًا سبع مجلدات دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة جدًا. تصور غزوة حنين التي كان المسلمون فيها في كثرة على عكس كثير من المعارك السابقة قال الله (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ (25) التوبة) في هذه المعركة في بدايتها باغت الكفار المسلمين ففرّ أكثر المسلمين ووقف النبي صلى الله عليه وسلم وكان على بغلته فنزل عن بغلته صلى الله عليه وسلم وقال في موقف يتزلزل فيه الرجال ويظهر فيه من كانت دعوته صحيحة من غيره قال: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب. أليس هذا دليلًا على صدقه؟ وانظر إلى اصحاب الدعوات في كل عصر ومصر إذا جاءتهم شدة وإذا جاءهم ما يبين هل هم على مبدأ أم أنهم أصحاب رغبة في الجاه والمال والملك ونحو ذلك انظر كيف يفرّون أما النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم.

سورة الزلزلة

سورة الزلزلة وردت لها فضائل كثيرة بعضها صحيح وبعضها غير ذلك وورد منها ما مر معنا أن رجلًا أراد أن يتعلم فدلّه على سور من ذات الر ثم سورة أخرى من حم إلى أن قال له أقرئني سورة جامعة فأقرأ سورة إذا زلزلت الأرض زلزالها في سورة جامعة. ووصف النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء فيها من قوله تعالى (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿٧﴾ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴿٨﴾) بأنها الآية الفاذّة (الفريدة التي ليس لها مثيل) الجامعة (جمعت شيئًا كثيرًا) كل حياة الإنسان يمكن أن تنصلح فقط لو طبق هذه الآية (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿٧﴾ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴿٨﴾) كلمة خطأ، نصف كلمة، غمزة (وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) ويوم القيامة سيراها، يستخسر أحيانًا ريالًا أو نصف ريال أو ابتسامة أو مسحة على رأس يتيم أو مزحة مع حفيده، شيء خفيف ما يضيع عند الله سبحانه وتعالى شيء قال (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿٧﴾ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴿٨﴾) وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد رأيت رجلًأ يتقلب في الجنة (يتمشى في الجنة) في شجرة أزاحها من ظهر الطريق. أنت تسير في سيارتك ووجدت أناسًا وضعوا الحجارة ويلعبون بالكرة فنزلت أنت وأبعدت الحجارة، كم ستظل متذكرًا لهذ الموقف؟ ستنساه لكن الله سبحانه وتعالى يقول قد يكون سببًا في دخول الجنة. وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري أن هناك أربعين خصلة أدناها منيحة العنز. منيجة العنز يعني أن يعطي أحدهم قليلاً من حليب العنز لجيرانه من عملها مصدقًا بموعودها أدخله الله الجنة كما في صحيح البخاري شيء حفيف جدًا أنت تنساه لكن الرب سبحانه وتعالى لا تخاف منه ظلمًا ولا هضمًا (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿٧﴾ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴿٨﴾) نمشي على الأرض ونحن نتذكر هاتين الايتين فتستقيم كثير من أمورنا ونُحجم عن كثير المعاصي ونُسرع إلى كثير من الطاعات التي نزهد فيها رغم أنها لا تضيع عند الله سبحانه وتعالى.

سورة العاديات

سورة العاديات هذه السورة ذكرت مرضًا وذكرت سببًا للمرض وذكرت العلاج وهذا من رحمة الله.

المرض هو الجحود بنعمة الله سبحانه وتعالى

والسبب الانغماس في شهوات الدنيا

والعلاج

(وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا ﴿١﴾) الخيول عندما يركبها الإنسان وتسرع تبدأ تضبح أن تُخرج نفسًا شديدًا من شدة التعب من السرعة. (فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ﴿٢﴾) أيضًا عندما تجري فإن حوافرها تقدح في الحجارة فتُخرج شررًا (فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ﴿٢﴾ ) كان الكفار وحتى المسلمون عند القتال مع الكفار كانوا يباغتون العدو ليلًا فيصلون إليهم في الصباح يغيرون عليهم صباحًا (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ﴿٤﴾) أثاروا بسبب هذه السرعة غبارًا (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ﴿٤﴾ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ﴿٥﴾ إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴿٦﴾) ما العلاقة بين القسم والمقسم عليه؟ هذا القسم يصوّر انغماس الإنسان في الدنيا وسعيه ضد عدوه والغالب أنه إذا سعى سواء في عدوه أو في طلب رزقه يسعى متذكرًا لربه أو غافلًا؟ في العادة غافلًا (إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) جحود بنعمة الله ناسيًا ربه (وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴿٧﴾) هو بنفسه على أحد القولين في الآية يشهد أنه كنود بنعمة ربه. يخرج الإنسان لطلب الرزق هناك من يكون لساته رطبًا بذكر الله ويا رب افتح لي ويسّر لي وهناك إنسان - وهذا الغالب – ينسى أن الله يرزق سبحانه وتعالى وينطلق في هذه الدنيا (وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴿٧﴾ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ) المال (لَشَدِيدٌ) تعامله فيه قسوة أو شدة بسبب الحرص على المال الذي يسعى إليه، قال مبينًا العلاج (أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ ﴿٩﴾ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ﴿١٠﴾ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ﴿١١﴾) إذا كان الإنسان قد انغمس في هذه الدنيا وانشغل بها وشعر أنه في غفلة فليذهب إلى البقيع وينظر إلى هذه القبور ويعرف أنه سيكون يومًا تحت الأرض وأن القبور ستبعثر وبعد بعثرة القبور سيحصّل ما في الصدور إن كان خيرًا فخير وإن كان شرًّا فشرّ

سورة القارعة

سورة القارعة سورة مخيفة لأن القارعة من أسماء القيامة ومعناها التي تقرع القلوب بأهوالها، المفزعة التي تُفزع القلوب فتجعلها تدق من شدة الخوف. (الْقَارِعَةُ ﴿١﴾ مَا الْقَارِعَةُ ﴿٢﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ﴿٣﴾) وهذا أسلوب تهويل لعظمة ذلك اليوم وذكر الله فيه أن الناس يصبحون فيه كالفراش المبثوث، نحن الآن في العامية إذا قلنا الفراش نقصد به الحشرة ذات الجناحين الجميلين التي تأتي على الورد أو نحوه لكن الفراش في اللغة أوسع من هذه الحشرات فهي أوسع، الفراش إذا رأى النار يتساقط فيه والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: مثلي ومثلُكم كمثلِ رجلٍ أوقدَ نارًا، فجعل الفراشُ، والجنادِبُ يقعْنَ فيها، وهو يذُبُّهُنَّ عنها، وأنا آخُذُ بحُجْزِكُمْ عنِ النارِ، وأنتم تفْلِتونَ مِنْ يَدَيْ الراوي: جابر بن عبدالله، المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 5859 - خلاصة حكم المحدث: صحيح. عندما يقول الله (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ﴿٤﴾) يدل على شدة الفزع في ذلك اليوم حتى يتفرق الناس ويصبحون كالحشرات وتكون الجبال مع أنها من أعظم ما نعرف (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ﴿٥﴾) (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴿٦﴾ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ﴿٧﴾) نسأل الله أن يجعلنا منهم (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ﴿٨﴾ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ﴿٩﴾) هو يوم مفزع لكن الذي في عيشة راضية لا يكون خائفًا (فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ) فيها قولان كلاهما يدل على الخوف أمه هاوية اي أم رأسه هاوية ساقطة في نار جهنم والقول الثاني وهو أقوى لأن هناك حديثًا يؤكده هو أمه هاوية أن جهنم تصبح مثل أمه، الصغير عنددما يخاف يذهب إلى أمه هذا ليس له مأوى يأوي إليه ويكون أمًا له إلا الهاوية وقد ثبت في الحديث الذي فيه نزع الروح أو انطلاق الروح إلى السموات أن رجلًا من المؤمنين عندما تُنزع روحه تلقاه أرواح المؤمنين فيقولون له اين فلان؟ فيقال ذُهب به إلى أمه الهاوية والعياذ بالله يعني هلك وهذا الحديث صحيح. وفي رواية ثانية عن بعض الصحابة تكملة للحديث قال: ذُهب به إلى أمه الهاوية - ومعنى الحديثين واحد – فبئست الأم وبئست المربية أي أن النار تربيه والعياذ بالله بعد أن أشرك بالله وكفر به نسأل الله أن يجعلنا من أهل العيشة الراضية.

سورة التكاثر

سورة التكاثر ذكرت مرضًا آخر وهو التكاثر في هذه الدنيا والحرص عليها ورغبة الإنسان أن يكون أكثر من غيره فيها قال (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ﴿١﴾) إلى متى؟ (حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ﴿٢﴾) إلى أن تموتوا ولاحظ أنه قال (حَتَّى زُرْتُمُ) فالمقابر زيارة وليست خلودًا وليست مأوى أخيرًا للإنسان. قال (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٣﴾ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٤﴾) ذكر المرض وهو التكاثر لكنه ذكر أيضًا العلاج (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ﴿٥﴾) من استطاع أن يحصّل علم اليقين لم يلهه التكاثر، ما هو علم اليقين؟ قال الله (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ﴿٥﴾) قال المفسرون هنا محذوف، ما هو المحذوف؟ كلا لو تعلمون علم اليقين لما ألهاكم التكاثر. علم اليقين أن تعلم أن الموت حق أو أن الله باعثك بعد الموت وهذا شيء يعرفه الإنسان ولكن ينساه في زحمة الحياة ولو تذكر أنه يقينًا سيموت لعمل لما بعد الموت.

سورة العصر

سورة العصر أكتفي فيها بقصة ذكر الإمام الرازي في تفسيره عن بعضهم أنه قال لم أكن أفهم سورة العصر حتى رأيت بائع ثلج يبيع الثلج في يوم حار ويقول ايها الناس ارحموا من يذوب رأس ماله. الإمام الرازي في القرن السابع أو الثامن في قرن متقدم قبل الثلاجات فهذا يبيع الثلج وهو يبيع الثلج ماذا يحصل لبضاعته التي يبيعها في الظهر؟ تذوب ولو انتظر قليلاً لما استطاع أن يبيعها فيقول: أيها الناس ارحموا من يذوب رأس ماله. أنت وأنا رأس مالنا "العصر" العمر، الوقت، يذوب فمن انتفع به لن يكون في خسر لكن بقدر تفويته فيه يحصل له نوع من الخسر قال (وَالْعَصْرِ ﴿١﴾ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴿٢﴾) لأننا في تجارة نتاجر بأنفسنا فإما أن نعتقها وإما أن نوبقها فمن استغل العصر والوقت لم يكن في خسر (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴿٢﴾) يستغل الوقت بهذه الأربعة (إِلَّاالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴿٣﴾) فالذي يحرص على هذه الأربعة ينجو من الخُسر بإذن الله وقد ثبت في الحديث قواه الشيخ الألباني وغيره وذكر أن رجاله ثقات قال: كان الرجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا التقيا ثم أرادا أن يفترقا قرأ أحدهما على الآخر سورة العصر ثم سلّم الثاني. لأن السورة تذكّر بخلاصة الحياة (وَالْعَصْرِ ﴿١﴾ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴿٢﴾ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴿٣﴾)

سورة الهمزة

سورة الهمزة وهذه السورة تتكلم في موضوع واحد وهو الهمز واللمز وكثيرًا ما يقع الإنسان في الهمز واللمز وهو الاستهزاء بغيره إما في وجهه وإما في ظهره على خلاف بين العلماء في تحديد المراد بالهمز واللمز أيهما في الوجه وأيهما في الظهر. فهذا الأمر توعّد الله عليه بالويل وهذا يذكرنا بسورة المطففين (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴿١﴾ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴿٢﴾) هذه السورة تبدأ بنفس الكلمة (ويل) فهي تدل على غضب من الله سبحانه وتعالى قال (لكل) ما قال للهامز اللامز أو الهمزة اللمزة فلا يمكن لأحد أن يقول أنا خارج من هؤلاء ويمكنه أن يستهزئ بفلان وعلان ويفتخر بأنه يستطيع أن يُسكت الناس (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴿١﴾) وذكر من عقابه أنه سيُنبذ في الحطمة (كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ﴿٤﴾) التي تحطّمه وتكسره نسأل الله السلامة. وهذه السورة بالذات أوصيكم ونفسي بتدبرها والتأمل فيها فإن الإنسان غالباً يقع في هذا الهمز واللمز ويحتاج إلى تذكر هذه السورة وأوصيكم بقرآءة التفسير فيها فإن فيها من المعاني الشيء الكثير.

سورة الفيل

سورة الفيل تذكّر بقدرة الله على الخلق وأنه ناصر نبيه صلى الله عليه وسلم فإنه حمى بيته سبحانه وتعالى في قصة أصحاب الفيل رغم أنهم كانوا أصحاب قوة ولم يكن عند الكفار شيء يدافعون به عن البيت ففعل الله بأصحاب الفيل ما فعل (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ﴿١﴾ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ﴿٢﴾ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ﴿٣﴾ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ﴿٤﴾ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴿٥﴾) ولاحظ الإضافة (ربك) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم فهذا تطمين للنبي صلى الله عليه وسلم وهو تطمين لأمته إن تمسكت بسنته أن الله ناصرها وحاميها.

سورة قريش

سورة قريش يقول الله فيها (لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ) الإيلاف هو الاعتياد كل إنسان يتعود على أشياء، الله سبحانه وتعالى يقول (لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ ﴿١﴾ إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ﴿٢﴾) قريش وهي قبيلة النبي صلى الله عليه وسلم كانت معتادة على رحلة في الشتاء ورحلة في الصيف وكانت هاتان الرحلتان تعين أهل مكة على العيش في ذلك المكان تأتيهم التجارة من الشام ومن اليمن. قال الله (لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ ﴿١﴾ إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ﴿٢﴾ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ﴿٣﴾) عوّدهم الله نعمة ينبغي أن يقابلوها بالعبادة، نسأل أنفسنا: كم من نعمة عوّدنا الله عليها؟ من يوم ولدت ما أذكر مرة أني حملت همّ إفطار رمضان وربما أكثرنا كذلك كل يوم الماء موجودة والرطب موجود بل ما لذّ وطاب موجود، ما نمت ليلة وأنا خائف أن قصفًا سيقصف بيتي أو لصًّا سيدخل بيتي، نحن في نعم كثيرة لكننا عودنا عليها، الإلف (لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ) الاعتياد مشكلة لأن النعمة يفترض أن تجعلنا نشكر الله ونعبده والعبادة هي كمال الذلّ مع كمال الحبّ. المفترض عندما عودني ربي على هذه النعم الكثيرة كلما أنام على فراشي وأنا مطمئن أتذلل لله ويزداد حبي وذلي لله أنه أنعم علي بهذه النعمة التي حرم منها الكثيرين فهذه عبرة نأخذها من هذه السورة أن الاعتياد على النعم ينبغي أن لا يجعلنا ننسى الرب سبحانه وتعالى بل ينبغي أن نذلّ له سبحانه وتعالى ونحبه بقدر ما أعطانا فقد أعطانا ما لا يُعدّ ولا يُحصى.

سورة الماعون

سورة الماعون تعجِّب من هذا الذي يكذّب بالدين ويتصف بصفات ذميمة على أحد الأقوال منها قوله (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴿٧﴾) الماعون هو ما يعطيه الشخص لجاره عارية: قدر، أو قد لا يكون عارية فيعطيه مثلاً ملحًا أو زيتًا أو بيضًا أو خبزًا يحتاجونه يستخسره الإنسان والجود به يكون من علامة الإيمان والبخل به ومنعه مع أنه شيء سهل لكن قد يستصعبه الذي يكذب بيوم الدين لأنه لا يؤمن بالجزاء والعقاب رغم أنه من المروءة حتى لو لم يكن عندك دين لو طرق جارك بابك يريد شيئًا تعطيه لكن لا شك أن المؤمن بالله يعطي ويرجو ثواب الله تعالى ولا شك أن المكذّب بيوم الدين يبخل بمثل هذا الأمر اليسير. قال (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴿٧﴾) كالإبرة والفأس والقدر والقصعة وهذا من أشد البخل.

سورة الكوثر

سورة الكوثر تبين قدر النبي صلى الله عليه وسلم قال (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴿١﴾) وهو نهر في الجنة وقيل هو الخير الكثير الذي أعطيه النبي صلى الله عليه وسلم ومنه النهر في الجنة لكن الشاهد الذي نريد أن نقف عنده أن الله سبحانه وتعالى قال (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴿١﴾ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴿٢﴾) كل تشريف وكل إكرام من الله يقتضي عملًا من الإنسان، نحن أعطانا الله أن هدانا إلى هذا الدين دون أن نطلبه ولدنا مسلمين إذن نحتاج أن نصلي ونعبد الله سبحانه وتعالى شكرًا له على نعمه العظيمة.

سورة الكافرون

سورة الكافرون سورة تُقرأ في كثير من صلاة النوافل اتباعاً للنبي صلى الله عليه وسلم تُقرأ في الركعة الثانية في الوتر، في ركعتين الطواف، في سنة الفجر، هي تذكير الإنسان بمبدأه في الحياة وهو أنه لا مجاملة في أمر العقيدة (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴿١﴾ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴿٢﴾ وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴿٣﴾ وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ ﴿٤﴾ وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴿٥﴾ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴿٦﴾) ليست هناك حلول وسط مع الكفار لنا ديننا ولهم دينهم فيتذكر الإنسان عقيدته ويؤكدها في هذه السورة العظيمة.

سورة النصر

سورة إذا جاء نصر الله والفتح فهذه مطوية فيها قصة طويلة جدًا، كم قضى النبي صلى الله عليه وسلم قبل هذا الفتح المذكور في السورة؟! كم قضى من ليال يقوم الليل يدعو للأمة؟ كم تحمل من أذى؟ كم أوذي في الله ولم يؤذ أحد؟ كم فعل؟ كم ذكّر؟ كم وعظ؟ إلى أن جاء نصر الله والفتح. إذا جاء نصر الله والفتح حاول أن تتذكر قبلها كل السيرة النبوية قال (وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ﴿٢﴾) دخول الناس أفواجًا في دين الله هو ثمرة للجهد الذي بذله سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن الله يقول له (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴿٣﴾) فإذا وفِّقت لخير ووجدت ثمرته في أي شيء فابدأ بذكر الله والاستغفار فإنه ما من عبد إلا وعنده شيء من التقصير فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤمر بالتسبيح بحمد الله والاستغفار فغيره من باب أولى.

سورة المسد

سورة المسد عجيبة لأن فيها ذمًّا لأبي لهب الذي آذى النبي صلى الله عليه وسلم لكن دون أي كلمة فاحشة أو سيئة لو رايت كتب الشعر ودواوين الشعر بالذات في قصائد الهجاء التي فيها ذمّ للخصم تجد فيها من الفحش ما لا تستطيع أن تقرأه لكن هذه السورة قيها قمة الأدب: ذكرت عاقبته (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴿١﴾ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴿٢﴾ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ﴿٣﴾ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ﴿٤﴾ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ﴿٥﴾) فهذا وعيد شديد وذم شديد لأبي لهب وزوجه ومع ذلك ليس فيها كلمة فاحشة. ثم فيها دليل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم من جهة أن أبا لهب مات على الكفر ظل حيًا بعد هذه الآية وما استطاع أن يؤمن هو زوجه قال (سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ) وبالفعل مات كافرًا. إلى غير ذلك مما في السورة وقد وقف عندها العلماء كثيرًا في اللطائف الموجودة فيها.

سورة الاخلاص

سورة الإخلاص هذه السورة من السور التي لها فضائل كثيرة يكفينا أن نقف عند قوله تعالى (اللَّهُ الصَّمَدُ ﴿٢﴾) الصمد من أجمع معانيها أنه الذي تصمد إليه الخلائق في حاجاتها يعني كلما احتاج أحد شيئًا يحتاج أن يلتجئ إلى الله إما اختيارًا وإما اضطرارًا إما أن يقول الإنسان يا رب وإما أن خلاياه وجسمه محتاج إلى الله، في النَفَس أنا محتاج إلى الله، في نظرتي في تفكيري في كلامي في سمعي في حركتي في وقفتي في جلوسي وكل الخلائق تصمد إلى الله تحتاج غليه في كل شيء فإذا كان الحال كذلك فينبغي أن يصمد إليه الإنسان اختيارًا كلما حصل شيء يقول يا رب قبل أن تتصل بأحد ليساعدك قل يا رب. وقد ذكروا عن ابن تيمية رحمه الله أنه كان يكثر النظر إلى السماء يقول يا رب، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويدعو إلى الله ويقول يا رب ينبغي أن يعلق الإنسان قلبه بالصمد سبحانه وتعالى.

سورة الفلق و سورة الناس

 

سورتا الفلق والناس فهما سورتان متكاملتان لأن كل واحدة منهما فيها استعاذة لكن الاستعاذة وهي الالتجاء فعندما يقول الإنسان (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) هو يلتجئ إلى الله فينبغي أن يستشعر أنه يلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى لكن الاستعاذة في سورة الفلق من الأمور الظاهرة والاستعاذة في سورة الناس من الأمور الباطنة. قال (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) الفلق الصبح الذي أخرج هذا الصبح أستعيذ به (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ﴿٢﴾ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ﴿٣﴾) الليل إذا أظلم والقمر إذا دخل في ظلمته أستعيذ منهم (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ﴿٤﴾) السواحر اللاتي ينفثن في العقد (وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴿٥﴾) هذه أمور ظاهرة يستعيذ منها الإنسان، يستعيذ من ظلمة الليل وكم من مصيبة تأتي في الليل، ويستعيذ من أهل السحر ويستعيذ ممن يحسد يستعيذ بالرب سبحانه وتعالى ولا يجوز له أن يستعيذ بغير الرب سبحانه وتعالى. ثم الاستعاذة الأخرى من الأمور الغائبة (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴿١﴾ مَلِكِ النَّاسِ ﴿٢﴾ إِلَهِ النَّاسِ ﴿٣﴾) والأمور الغائبة أصعب وأخطر وقد قلت في سورة الفلق (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) صفة واحدة لله لكن هنا (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴿١﴾ مَلِكِ النَّاسِ ﴿٢﴾ إِلَهِ النَّاسِ ﴿٣﴾) تستحضر ربوبيته على خلقه وقدرته عليهم وملكه لهم وأن كل توجه يكون إليه سبحانه وتعالى (مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ﴿٤﴾ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ﴿٥﴾ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ﴿٦﴾) أسأل الله أن يعيذنا من شر كل ذي شرّ.



التعليقات

  1. حسان الإبراهيم علق :

    جزاك الله خيرا ياشيخ

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل