من أسرار القرآن الكريم - الشيخ محمد المختار المهدي

برنامج من أسرار القرآن الكريم - الحلقة 5 

د. محمد المختار المهدي

 

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد.

فقد منّ الله عز وجل على المؤمنين بثلاثة أشياء بارزة وهي من أفضال الله عز وجل على الإنسان:

1.             أولًا منّ علينا ببعثة النبي محمداً صلى الله عليه وسلم (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164) آل عمران) ومعنى أن الله يمنّ علينا بهذا أنها نعمة كبيرة جداً أن اصطفى محمداً واصطفانا لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم.

2.             المنّة الأخرى هي منّة الإسلام، توفيق الله عز وجل وهدايته لنا إلى الدخول في الإسلام (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17) الحجرات) إن الإنسان حين يتأمل عن وضعه في الآخرة حينما لا يكون مسلماً يستشعر بهذا التصور كيف أن الله أنعم وفضَّل وأفضل وأكرم بهذا الدين.

3.             النعمة الثالثة هي نعمة الأخوة في الله، ونعمة الأخوة في الله نعمة فيها مردود على النفس البشرية تأنس لغيرها وتألف وتؤلَف. من هنا جاء القرآن الكريم يذكّرنا بنعمة الله عز وجل علينا أن جعلنا مؤمنين (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) الأنفال) هذه نعمة كبرى لا يشعر بها إلا الحاقد المختلف دائمًا مع غيره، الطامع في ما عند غيره، حينما يستشعر تلك الأخوة فإنه يفضِّل أخاه على نفسه (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ (9) الحشر) الأخوة في الله لا لغرض ولا لقرابة. يأتي هؤلاء المتحابون في الله يوم القيامة على منابر من نور يغبطهم الشهداء لمكانهم من الله تعالى. هذه الأخوة هي التي تعطي معنى وحدة الأمة، تلك الوحدة العضوية التي نبّه إليها المصطفى صلى الله عليه وسلم حن قال "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر". ويشبّهه مرة أخرى بالبنيان المرصوص "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا". ثم إن هذه الأخوة تجعل الأمة قوية متوحدة أمام أعدائها، وأعداء الإسلام معروفون لنا بنصّ كتاب الله عز وجل (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ (45) النساء) حيث قال (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا (82) المائدة) حدث منهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم محاولات كثيرة لتفريق المسلمين بعضهم عن بعض وإيقاد نار الحرب بينهم، مرّ شاس ابن قيس وهو من حاخامات اليهود الحاقدين على الإسلام فوجد مجموعة من الصحابة فيهم من المدينة المنورة الأنصار وفيهم من مكة المكرمة المهاجرين وفيهم أيضاً بلال الحبشي وفيهم سلمان الفارسي وصهيب الرومي فاغتاظ هذا الرجل وقال إذا اجتمع هؤلاء فلا مقام لليهود في المدينة ودسّ عليهم شاباً يذكّرهم بالحرب التي كانت بينهم بين الأوس والخزرج حتى هاجوا وأمسكوا بالسيوف ليعيدوا الحرب فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يذكّرهم بنعمة الله عليهم في الأخوّة ونزل قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا (103) آل عمران).

رزقنا الله وإياكم شكر النعمة ووقانا سوء الفرقة إنه ولي ذلك والقادر عليه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل